Ihtiraas
الاحتراس عن نار النبراس المجلد الأول
أما الآيات فقوله تعالى: {سيقول الذين أشركوا لو شاء الله ما أشركنا...}الآية. فإنه تعالى ذمهم بهذه المقالة الكاذبة؛ لأنهم يريدون بها التبري من اختيارهم الشرك، وأنه بمشيئة الله تعالى لا بمشيئتهم، وفي ذلك تكذيب للرسول الداعي لهم إلى الإيمان؛ لأنه بدعوته لهم يفهمهم أن إيمانهم مراد الله تعالى وأن كفرهم مكروه له سبحانه وتعالى، فقولهم لو شاء الله ما أشركنا تكذيب له ودعوى لانتفا مشيئتهم واختيارهم للشرك بطريق الإستقلال كما يقوله المجبرة بعينه، وخلاف ما يقوله الأنبيا عليهم السلام في الدعوة؛ لأنهم إنما يدعون العباد إلى الدخول في مراد الله بمشيئتهم واختيارهم، ولأجل هذه النكته قال الله تعالى: {كذلك كذب الذين من قبلهم} فنسبهم إلى التكذيب واكتفى في نسبتهم إلى الكذب بما يدل عليه سوق الكلام من الذم لهم، فإنه لو كان ما حكى عنهم كلاما صادقا لما كان مسبوقا في معرض الذم لهم؛ لكنه كاذب، ولذا اضطر المجبرة إلى الزيغ والملاوذة في تأويل هذه الآية لعلمهم بأنه قد انخرطوا في سلك الذم لانخراط هذهالمقالة التي ذمها الله تعالى في سلك مذهبهم، ومما يدل على أن العباد مختارون متمكنون تمكنا حقيقيا وأن الله تعالى برئ عما يقوله المجبرة من أنه سبحانه هو المؤثر في أعمال العباد والموجد لها، قوله تعالى: {كلما أوقدوا نارا للحرب أطفأها الله} وقوله تعالى: {كتب الله لاغلبن أنا ورسلي} وامثالهما، فأخبرونا أيها الأكراد من المؤثر في إيقاد هذه النار، ومن المؤثر في إطفاءها؟ كما دلت عليه الآية الأولى، واخبرونا من الغالب ومن المغلوب، ومن المؤثر في أفعال المغالبة التي أشارت إليها هذه الآية الثانية، أو لم تنظروا إلى قوله تعالى: {وقالوا من أشد منا قوة أولم يروا أن الله الذي خلقهم هو أشد منهم قوة}، وقوله: {فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر}، {اعملوا ما شئتم }، {لمن شاء منكم أن يتقدم أو يتأخر}، {إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم}، {ولقد مكناكم في الأرض}، {أولم نعمركم ما يتذكر فيه من تذكر}، {ذكرى وما كنا ظالمين}، {لا تعتذروا اليوم إنما تجزون ما كنتم تعملون}، {لا يكلف الله نفسا إلا وسعها}[499]، {إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت}، {أفأنت تكره الناس حتى يكونوا مؤمنين}، إلى مالا يحصى من الآيات الدالة على تمكن العبد واستطاعته، وأما الأحاديث فمنها ما أخرجه البخاري عن شداد بن أوس مرفوعا(( سيد الإستغفار اللهم أنت ربي لا غله إلا أنت)) الحديثن وقد تقدم بعضه وفيه ((وأنا على عهدك ووعدك ما استطعت)) ومثله الحديث الذي مر عن أبي داود فراجعهما فإنهما يكفيان المنصف، ويردعان المعتسفن ولم لا وقد نطقا باستطاعة العبد واقتداره على فعله، والأحاديث في ذلك كثيرة، ون أصرحها ما سيأتي في حديث التردمذي الذي أخرجه على أبي حازم قال: قال أبو بكر الصديق رضي الله عنه بعد أن حمد الله وأثنى عليه: يا أيها الناس إنكم تقرؤن هذه الآية وتضعونها غير موضعها، {ياأيها الذين آمنوا عليكم أنفسكم لا يضركم من ضل إذا اهتديتم }وإنما سمعنا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول: (( ما من قوم يعلم فيهم بالمعاصي ثم يقدرون على أن يغيروا إلا أن يوشك أن يعمهم الله بعقاب)) . انتهى. وهو صريح في إثبات الإختيار والتمكن من التغيير، وقداتفق جمهور الأشاعرة على أن ابا بكر رضي الله عنه أعلم الصاحبة الأعلام بمواقع الشريعة والأحكام، ومنها الحديث الذي في القسم بين النساء وهو ما روية عائشة قال: كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقسم فيعدل، ويقول: (( اللهم هذا قسمي فيما أملك فلا تلمني فيما تملك ولا أملك)) الحديث.
Bogga 1056