708

أقول: لا حاصل لهذا الحاصل والقياس هذا باطل، ولعل أول من أتى بهذا التحقير لنعم الله تعالى أبو إسحاق الاسفرايني كما أشار إليه ابن الحاجب في مختصر المنتهى وأقره العضد، والتفتازاني، ثم تلاحق الأشاعرة في هذه الشنعة بالمظاهرة متهالكين على تحقير ما عظمه الله تعالى من الآية الظاهرة فما زالوا يسخرون منها، ويحقرونها يعرفون نعم الله ثم ينكرونها، فانظر كيف بلغت المحافظة على حق الأسلاف إلى رفض حق الله تعالى، وتحقير نعمته التي عظمها في كلامه الذي لا يأتي الباطل من بين يديه ولا من خلف بلا خلاف، ولطال ما حسسنا الظن بهم، وما زلنا نلتمس الهدى في نصوصهم وكتبهم، وقلنا: لا ينبغي أن يتفق هذا الجمهور على صميم الباطل المهجور فورا هذا العزم مرام، وتحت هذا الفدام مرام، وإذا عصارة كل ذلك آثام، فلا يستفزك بأقوال أقوام، ولا يوحشك قلة السالك لسبيل الحق واهتضام أهله، فقد قال من قال في بدو الإسلام: {وما نراك اتبعك إلا الذين هم أراذلنا بادي الرأي وما نرى لكم علينا من فضل بل نظنكم كاذبين} فاكتفوا بضلالهم بالظن الناشئ عن قلة أهل الحق في عيونهم وما علموا أن طريق الحق أجل من أن يسلكها الأكثر من الموصوفون بما قال تعالى: {وما أكثر الناس ولو حرصت بمؤمنين}، وقد أشار صلى الله عليه وآله وسلم إلى قلة أهل الحق حيث قال: ((لا تزال طائفة من أمتي على الحق))، وقال: ((ومن فارق الجماعة شبرا فقد خلع ربقة الإسلام)) أو كما قال، ففي تسمية أهل الحق طائفة وجماعة رمزا إلى قلتهم، وكفاك في قوله تعالى: {ثلة من الأولين، وقليل من الآخرين} ولنرجع إلى ما نحن بصدده فنقول: هذا الذي أورده المعترض تحصيلا للدليل كما قال هو معنى ما ذكره العضد في شرح المختصر المذكور آنفا، إلا أن في هذا الكلام نوعا من الإنصاف وشيئا من الغلط.

Bogga 798