1349

قلت وبالله التوفيق: لا شك أن الشرع قد دل على اتصافه تعالى بهذه الصفات القديمة حيث قال تعالى: {الله لا إله إلا هو الحي القيوم...}الآية، وقال تعالى: {أن الله بكل شيء عليم}، وقال: {إن الله على كل شيء قدير}، وقال: {ليس كمثله شيء وهو السميع البصير} إلى غير ذلك، ولا شك أن الله تعالى قال في القرآن: {إنا أنزلناه قرآنا عربيا}، وقال عموما: {وما أرسلنا من رسول إلا بلسان قومه ليبين لهم}، ولا شك أن القرآن لما كان منزلا بلغة العرب لا بد لفهم المراد منه من [707] فهم لغة العرب وطريق معرفتها النقل تواترا وآحادا واستنباط العقل من النقل لا مجرد العقل فلا تعرف به إذ لا مجال له في ذلك كما هو مقرر في محله، وقد انتدب جماعة من علماء السلف شكر الله سعيهم لاستقراء كلامهم وفيهم محاورتهم وضبط قواعد ذلك وإثباتها في دواوينهم ومن جملة ما دل عليه استقراء كلامهم بإجماع أئمة اللغة أن معنى المشتق ذات ما يثبت به المشتق منه فالعالم معناه في لغة العرب من قام به العلم والقادر من قام به القدرة وعلى هذا القياس، فحصل لنا من ورود هذه الصفات في القرآن ومن أن معناها في اللغة ما ذكر أن لله تعالى صفات قائمة بذاته تعالى وبالاتفاق أن علمه تعالى وقدرته وإرادته وسمعه وبصره إلى غير ذلك من الصفات الحقيقية ثابت له في الأزل سواء قلنا بزيادتها أو لا، فحصل نا أن لله تعالى صفات قديمة قائمة بذاته لا هي عينه، ثم رأينا النبي صلى الله عليه وآله وسلم قد قال: ((كان الله تعالى ولم يكن معه شيء))، أو:((كان الله ولا شيء معه))، أو: ((كان ولا شيء معه)) على اختلاف الروايات، والشيء لغة يساوق الموجود عند الشيخ وأصحابه لأن أهل اللغة في كل عصر يطلقون لفظ الشيء على الموجود حقى لو قيل لهم الموجود شيء لتلقوه بالقبول ولو قيل ليس بشيء قابلوه بالإنكار ولا يفرقون بين أن يكون قديما أو حادثا جسما أو عرضا فمعنى الحديث على هذا كان الله ولا موجود معه، فنقول: لو كانت تلك الصفات الموجودة القائمة بذاته تعالى الكائنة معه أزلا أغيارا له تعالى لما صح نفي المعية عن كل شيء نفيا كليا فإن لا شيء معه سالبة كلية وكذلك لم يكن معه شيء لورود موضوعه في سياق النفي نكرة، فدل أنه تعالى لم يكن معه في الأزل من الموجودات شيء أصلا، فثبت أن تلك الصفات لم تكن أغيارا شرعا، والحاصل قد دل الكتاب على اتصافه تعالى بتلك الصفات بل قواعد لغة العرب المتوقف عليها فهم القرآن أنها معان قائمة به تعالى بالاتفاق وأنها قديمة، فثبت عقلا أن مع الله تعالى أزلا أشياء أي موجودات وهي أغيار عقلا فلو كانت تلك الموجودات القديمة التي هي أغيار عقلا اعتبارا شرعا أيضا لما صح نفي معية الأشياء له تعالى أزلا نفيا كليا شرعا لكنه قد نفاها الشرع، فدل على أنها ليست أغيارا وقد دل العقل على أنها ليست غير الموصوف فهي لا هو عقلا ولا غيره شرعا وهذا كلام معقول لا غبار عليه لأنه موافق للعقل والشرع والعرف واللغة وهو المطلوب.

أقول: قد تصلف المعترض وتكلف وصنف عددا من الباطل فألف، ونحن نقول له بما قيل شعرا:

إذا كنت لا تدري فتلك مصيبة

وإن كنت تدري فالمصيبة أعظم

Bogga 1488