Ihtiraas
الاحتراس عن نار النبراس المجلد الأول
اعلم أن كل عاقل يفرق بضرورة عقله بين أفعاله الاختيارية كحركة الارتعاش أو النبض والتردي والسقوط وبين أفعاله الاختيارية كتحريكه ليده ونزوله في الدرج والتدرج في الهبوط ونحو ذلك من الآثار الاختيارية ولا فارق أصلا إلا القدرة، فمن نفى القدرة والإرادة لفظا ومعنى كالجهمية كما حكاه شارح المواقف فقد كفانا المؤنة في جداله وبيان ضلاله، ومن ادعى أن للعبد اسم قدرة أي قال: إن للعبد قدرة وإرادة لا تأثير لهما في طاعة ولا معصية ولا غير ذلك من الأعمال فهو شريك الأول في المكابرة بل الجهمي أنسب حالا وإن كان أوضح ضلالا لأنه ترفع عن اللواذ وعلم أنه لا معاذ وأن اسم القدرة لا يدور عليه الفعل ثبوتا ولا انتفاء فلنتكلم مع هؤلاء الملاوذين بما يحسم المادة ويوضح الجادة وهو أنا قد ادعينا أن الفارق بين الاضطرارية والاختيارية ليس إلا القدرة المؤثرة وأذعنوا لنا بالموصوف دون وصفه المعتبر في مدلوله ومفهومه أي أقروا بالقدرة ولم يقروا بوصفها بالتأثير وعرفوها تارة بأنها تؤثر على وفق الإرادة واعترفوا أيضا بأن إثباتها ضروري للفرق بين الاختياري والاضطراري وأقروا بأن من نفاها فقد ارتكب مكابرة الضرورة وقال بباطل بالضرورة كما صرح به المعترض هنا وفيما سيأتي إن شاء الله تعالى تبعا لغيره منهم.
ومما يتعجب منه اللبيب المنصف أنهم إنما شنعوا على الجهمية وخلص الجبرية بأن الأوامر والنواهي التكليفية دالة على قدرة العبد وإرادته أي أنه لو لم يكن له قدرة وإرادة لم يتوجه إليه الأمر والنهي كالجماد لكونه يتعذر منه الامتثال لكنهم قد صرحوا في فن أصول الفقه [679] وغيره بأن المطلوب من المكلف هو تحصيل الماهية في الأمر وتحصيل الكف عنها في النهي فالمطلوب في الأمر والنهي هو التحصيل وكلما كان كذلك لم يحصل الامتثال إلا بالتحصيل لا بالكسب فلزمهم على القول بالكسب ونفيهم للتحصيل عن العبد وعدم وقوع الامتثال مطلقا من جميع المكلفين بل لزعمهم أنه أي الامتثال متعذر منهم بل ممتنع كما صرحوا به فسقطت دلالة الأمر والنهي على قدرة العبد وإرادته على مذهبهم ورجعوا إلى إخوانهم الجهمية وخلص الجبرية ولم يبق فرق إلا بمجرد العبارت الخالية عن التحصيل ولا يغتر بها إلا من لم يتفطن للمناقضة منهم.
Bogga 1427