1253

وأما لزوم عدم الامتثال من جميع المكلفين بالأعمال فقد أخذ بأعناقكم أيها المجبرة فانظروا لأنفسكم مذهبا غير هذا المذهب المستلزم أن محمدا عليه وعلى آله الصلاة والسلام لم يمتثل شيئا من أوامر الله تعالى ونواهيه تعالى وكذا سائر الأنبياء والملائكة عليهم الصلاة والسلام وقد ظهر من هذا كله أن الأمر والنهي لا يدلان على قدرة وإرادة غير مؤثرتين وإنما يدلان على القدرة والإرادة المؤثرتين، ومن نفى تأثيرهما لم يكنه الاستدلال عليهما بالأمر والنهي، وظهر لنا أيضا أنه يلزمنا ما لزم المجبرة من المحال لأنا لم نستدل على القدرة والإرادة المؤثرتين بمجرد الأمر والنهي حتى يلزمنا الدور المحال كما لزمهم بل أدلتنا على القدرة والإرادة المؤثرتين كثيرة جلية عقلية، وقد ذكرنا ما سنح لنا في هذا الكتاب وكفانا في بطلان مذهبكم يا أخا الأكراد أنك لم ترجع في تصحيحه إلا على مجرد الأوهام الفاسدة باعترافك فيما قبل وفيما بعد وأنك قد زدت على شيخك الأشعري في كمال النفي للقدرة وفصلت ما أجمله بزعمك لأنه أراد التستر بإثبات قدرة لا أثر لها وأنت كشفت القناع وشنفت الأسماع مصرحا بأنه ليس هناك إلا الأوهام الفاسدة، وعلى هذا زعمت أنك أوضحت المقصود وأقمت القاعدة وأخذت هذا من كلام السيد في شرح المواقف لكنك إذا جزمت بأن القدرة والاختيار لا وجود لهما ولا ثبوت إلا في الوهم الفاسد فقد نفيتهما بأصرح عبارة، فقولك بعد إنكم إنما نفيتم التأثير مناقضة ظاهرة، على أن نفي التأثير على القدرة نفي لها في التحقيق وسلب لمعناه بلا شبهة كما مر، فإن قولك: لفلان قدرة لا أثر لها، بمثابة قولك له قدرة لكن ليست له قدرة، وقولك: هذا قادر على الفعل لكنه لا يقدر على التأثير فيه، بمثابة قولك: هذا الشيء ثابت لكنه منفي، ألا ترى أن صاحب القاموس المرضي عندكم قال: إن معنى قادرية فعلت مثل فعله، فانظر كيف صار التأثير داخلا في مدلولها إذ ليس معنى فعلت مثل فعله كسبت مثل كسبه إذ العرب بمعزل عن هذا الشيء الحادث ولا يفهمون من قولك فعلت إلا أنك أوجدت الفعل وأثرت فيه، ثم قد ذكروا أن معنى القدرة والقوة [659] متفق وأنت إذا قلت لي قوة على هذا الفعل لم يفهم كل عربي سالم الفطرة إلا أنك متمكن من التأثير فيه، وقد صرح المعترض فيما سيأتي قريبا إن شاء الله تعالى أنهم عرفوا القدرة بصفة تؤثر على وفق الإرادة لكنه إذا جاء إلى تقويم قاعدة الشيخ بزعمه ما توقف حيث تنتهي به قدم الحق والإنصاف فيناقض كلامه بكلامه ويصرح بمحض الجبر وخلاصة التجهم كما ذكرناه أولا مرارا، فقوله: كما تقول الجبرية الخالصة. كلمة مريب بلا ريب إذ هو يعلم أن من لم يثبت من القدرة والاختيار إلا الوهم الفاسد فليس بينه وبين الجهمي فرقا، بل هو الجهمي بلا مرية فإن الجهمي لا يزاول شيئا من أفعاله إلا وقد توهم القدرة والتأثير فيه واعتقد أن له أن يقصد إليه وإلا لم يزاوله فثبت أن الوهم مما لا ينقيه الجهمية بل نقول: إنه قد زاد على الجهمية فيما لزمهم به مكابرة الضرورة، وإن شئنا قلنا: إن الأشاعرة الذين قالوا: إن الكسب عبارة عن تعلق قدرة العبد وإرادته بالفعل وأن ذلك التعلق مخلوق لله تعالى كما سيأتي للمعترض قد وقعوا كلهم في الجبر الخالص والتجهم المحض من جهتين لا من جهة واحدة، ألا ترى أن الجهمية لزمتهم مكابرة الضرورة من حيث أنهم قالوا: إن الفعل مخلوق لله تعالى في العبد بدون قدرة منه ولا إرادة، فلزمتهم مكابرة الضرورة من هذه الجهة، والأشاعرة قالوا: إن الفعل مخلوق لله تعالى في العبد، فشاركوا الجهمية في هذه الجهة ثم قالوا: إن للعبد كسبا، وهو التعلق المذكور وزعموا انه مخلوق لله فيه، وهذه هي الجهة الأخرى، فانظر يا أخا الأكراد في هذا الإيراد سالكا مسلك السداد ليظهر لك أن الجبري الخالص والجهمي المحض جبري ذو وجه واحد في الجبر، وأنت جبري جهمي محض ذو وجهين فلا تطلب أن يكون كلامك عندنا وجها ولا تظن أن ينجيك من الله تعالى ولا ممن يرى أنه تلبيسا وتمويها.

Bogga 1387