1196

قلت: أما أبو علي فقد حكوا عنه أنه ذهب إلى أن المعرفة إنما وجبت لأن الشكر الواجب بضرورة العقل لا يتأتى إضافته إلى المنعم قبل معرفته بل ذلك محال فلو لم تجب المعرفة لم يجب الشكر للمنعم لكن التالي باطل فالمقدم مثله وهذا المذهب هو الذي اختاره المؤلف وغيره وأما سائر المعتزلة وغيرهم من العدلية فقد قالوا إنها واجبة لكونها لطفا ثم أبانوا كونها لطفا بأنه يجوز من تركها ضرر فينقدح عن هذا التجويز خشية وتخوف وقد ثبت أن التحرز عن المضار المعلومة والموهومة واجب عقلا هذا هو مذهبهم بطريق الإجمال وحذف الخلاف في الأقوال، ومنه يظهر لك حال ما جاء به المعترض بطريق الانتحال وأن قوله وردوا عليهم ...إلخ خارج عن المحال إنما وقع هذا السؤال في بحث وجوب النظر وهم أي المعتزلة هم الذين أوروه على أنفسهم وأجابوا بأن الخاطر لازم أما من قبل النفس فلوضوح أسبابه وكثرة بواعثه ولهذا لا يكاد ينكره إلا معاند، وأما من قبل الله تعالى لأن تعذيب الغافل ظلم والظلم قبيح والله تعالى لا يفعل القبيح وكون التكليف ليس في معرض المواخذة على الإخلال عبث لا يجوز أيضا من الحكيم تعالى هذا كلامهم وقد جاء الرازي وأنكر هذا الخاطر من صغره إلى كبره مع أنه ابن خطيب مصره وواعظ عصره ثم تلاحق الأشاعرة وراءه وما زال الآخر ينقل كلام الأول حتى خرجوا من شيء إلى شيء آخر كما صنع المعترض وقد أقسم بعض المتأخرين من أصحابنا رحمهم الله تعالى بأن الرازي تعمد الجحود نصرة للمذهب على الاعتزال ومراعاة لمركز الجدال لأن خفاء مثل هذا الأمر الواضح على مثله كالمحال.

واعلم أن من ظن أن بين أبي علي وبين غيره من أهل هذا القول خلافا في المعنى وأن تصريح مثل أبي هاشم وغيره بأن المعرفة إنما وجبت لكونها لطفا منهدم المبنى فقد شط عن وجه التوفيق وأبعد عما هو التحقيق وقد أشرنا هنا وفيما مضى إلى ما هو المقصود المرتضى.

قوله: وإن لهذه النعم منعما قد طلب ...إلخ من الفضائح التي أودعها هذا الكتاب ومن ذا غيره يقول بأن الشكر الذي أوجبته المعتزلة بضرورة العقل إنما وجب لأن الله تعالى طلبه وما العجب إلا من تعريضه بأنه يعرف مذهب المعتزلة ويفهم كلامهم حق الفهم.

Bogga 1327