1182

وأما ثانيا فلأن الاستحقاق في نفسه لا يصح وصفه بكونه ظلما كما قال: فعندكم ظلم، إنما الظلم من أوصاف التعذيب وهو واضح، فقد انتقل من التعذيب كما انتقل من استحقاق اللزوم إلى الإلزام، والأمر في المناقشة اللفظين هين إنما المراد بيان مجازفته في الألفاظ كالمعاني ومع هذا فدعواه أن كلامه بتلك المنزلة [624] وقد نبهت على أن الاستحقاق حاصل قبل البعثة عندنا لكن التنبيه والإيقاظ بالرسل عليهم الصلاة والسلام كما نطقت به الآيات لا يبقي للعباد حجة ولا يدع لهم معذرة وذلك لا ينافي الاستحقاق للعذاب ولزوم الحجة العقلية قبله فإن لزوم الحجة من جانب لا ينافي أن يكون للمحجوج حجة ومعذرة من جانب آخر فورود السمع بأن لهم حجة متعذرة قبل الرسل لا يقدح في لزوم الحجة العقلية لهم وهو واضح لمن اهتدى، وقد أشار إلى ذلك قوله تعالى: {فإما يأتينكم مني هدى} فإنه إنما جيء بكلمة الشك التي هي أن مع أن إتيان الهدى كائن لا محالة للإيذان بأن الإيمان به تعالى والتوحيد له لا يشترك فيه بعثة رسول وإنزال كتاب بل فيما ركبه تعالى من العقول ونصبه من الأدلة كفاية وأي كفاية كما نبه عليه العلامة في الكشاف وما ذكره البيضاوي من أن الإتيان بكلمة الشك للإيذان بأن الهدي غير واجب عقلا باطل بالنص وهو قوله تعالى: {إن علينا للهدى} وغيرها تعم قيام الحجة على العباد وفي جانب التوحيد لله تعالى والإيمان به بما ركب فيهم من العقول ونصب لهم من الأدلة ومكنهم من النظر لا ينافي ثبوت معاذيرهم في سائر الأحكام الواجبة كما دل عليه قوله تعالى: {لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل} ونحوها من الآيات.

Bogga 1313