Xorriyadda Aadanaha iyo Cilmiga: Dhibaato Falsafadeed
الحرية الإنسانية والعلم: مشكلة فلسفية
Noocyada
وقد قامت الرومانتيكية بالتأكيد على الحرية عن طريق العداء المتأجج للعقل وأحكامه والعلم وتحليلاته، والارتكان إلى العاطفة ومشاعر القلب وحدس الوجدان، وإطلاق الموقف الفردي والاستقلال عندا في القانون العام، والبحث المشبوب عن الجدة والإبداع واللامتناهي، والاشتياق إلى كل ما هو متميز وفريد وأصيل يأتي على غير مثال، والأنفة من المعتاد والمألوف والرتيب، والرفض البات لكل ما هو نمطي صوري نسقي ... منبع كل هذا إحساس الرومانتيكية الدافق بالحياة الخفاقة في الصدور، لا المتجردة في العقول كما تصورها قوانين العلم الخاوية وأنساق الفلسفة العقلانية الباردة، التي كانت مغلولة بأحابيل الحتمية.
هذه الرومانتيكية، أو بعبارة أخرى هذا الاتجاه اللاعقلاني كأقوى ما تكون اللاعقلانية، أصبح هو الحامل للواء الحرية الإنسانية، وكل فلسفة تريد أن تنادي بالحرية لا بد أن تلجأ إليه بصورة أو بأخرى، وعلى قدر جنوحها صوب لاعقلانية الرومانتيكية، يكون إقرارها بالحرية الإنسانية! والاستثناء الوحيد كان تلك الحركة الفرنسية التي شغلت الفصل الرابع، ولكنها كما رأينا كانت خطوة متعثرة، وفرنسا ذاتها هي التي شهدت هنري بيرجسون
H. Bergson (1889-1941) وهو واحد من أقدر من استطاعوا تأكيد الحرية الإنسانية على هذا الأساس اللاعقلاني أو الرومانتيكي، وظل بيرجسون متربعا على عرش الفكر الفرنسي، حتى جاءت الوجودية لتتربع هي على هذا العرش في أواسط القرن العشرين.
على أنه في القرن الأسبق القرن التاسع عشر، في تلك الأجواء وفي ذلك الزمان والمكان الذي أنبت الرومانتيكية، كان الميلاد الرسمي للفلسفة الوجودية مع أبيها سورن كيركجورد
S. Kiergard (1813-1855)، وهي فلسفة قامت على حرية الإنسان وفردانيته من حيث هو جزئي عارض عيني متشخص لا يندرج تحت أية بنية نسقية عقلية، فكل شخص له تجربة وجودية فريدة لا سبيل إلى تكرارها، فضلا عن إخضاعها لقانون عام؛ لأنه حر لا يمكن التملص من حريته.
وثمة عوامل عديدة، يعود بعضها إلى شخصيات الفلاسفة الوجوديين في القرن العشرين ومواهبهم الأدبية ويعود معظمها إلى الظروف التي صاحبت أواسط ذلك القرن، حيث نلقى جيلا شهد أوزار حربين عالميين ، وفقد الثقة في العقل والهيئات النظامية ... هذه العوامل جعلت الوجودية تتفجر في الواقع المعاش، وتشارك في الثقافة بل والزاد اليومي للجماهير، وتحوز شهرة لم تحزها من قبل أية فلسفة أخرى، باستثناء الماركسية.
ومنذ بداية الأربعينيات وحتى بداية الستينيات من القرن العشرين، كان يندر في أوروبا أن يلتقي اثنان، دون أن يسأل أحدهما الآخر: هل أنت وجودي؟ ولحقتها هذه الشهرة في كل مكان في العالم، وكما هو معروف في الستينيات، كان ثمة اهتمام واضح بالفلسفة الوجودية في المكتبة العربية، كما كان في كل مكان.
صالت الوجودية وجالت وطبقت الآفاق، ليرسخ في أذهان الجميع أن الحرية الإنسانية قرينة اللاعقلانية.
وعلى الرغم من انحسار الموجة الوجودية وانتهائها كبدعة شعبية، وانتشار الفلسفة البنيوية التي تناقضها على خط مستقيم، وما تلاها، ظلت الحرية الإنسانية قرينة اللاعقلانية، يعزف عنها العقلانيون والعلميون، وكان هذا الانقسام والانفصام مؤشرا من مؤشرات الاغتراب المستشري في الحضارة المعاصرة، وسبق أن أشرنا لكل هذا حين تتبع الآثار الوبيلة لمعضل الحرية في عالم العلم الحديث - الذي كان حتميا.
على هذا نحط الرحال في خاتمة رحلتنا الفلسفية، ونحن على بينة من أن تطورات العلم المعاصر فتحت طريق الخلاص من هذه المتاهات الوبيلة، فقد انتهت الرحلة إلى عقلنة الحرية ... أمسكنا عليها بجمع البدين، ونحن نبحث عنها من خلال، وفقط من خلال المنظور العلمي لهذا العالم الذي نحيا فيه، بغير حاجة إلى انفصام تنويري أو فرار رومانتيكي.
Bog aan la aqoon