إن من يقول بالآيات المبتورة إنما هو مبتور، فالله قد سمى القرآن الكوثر، وهو وصف يدل على التوالي الذي يتواتر، ومن ادعى غير ذلك فإنه للبيان وللآيات ينحر، وهو شانئ للبيان الأنور، وهو لا شك الأبتر: (إنا أعطيناك الكوثر(1)فصل لربك وانحر(2)إن شانئك هو الأبتر(3)) [سورة الكوثر]. بهذا أختتم المقال، شاكرا لله ذي الجلال، شانئا لمن حاول الجدال، وأعتمد على أسباب الإنزال.هل القرآن تنزل سورا أم آيات متفرقات- الجزء الثاني ¶ والآن هل آخذكم إلى آل عمران- لنعرف كيف تنزل القران- أم نتجاوزها،، لعل آل عمران والنساء لها ما للبقرة سواء بسواء، أما المائدة فقد قيل أنها آخر ما أنزل، وقد نزلت كاملة، وكذلك الأنعام فقد روي أنها نزلت ومعها سبعون ألف ملك وأن الرسول استقبلها كاملة وتلاها على الناس مرتلة متواصلة، ومثلها قيل عن الأعراف، أما الأنفال والتوبة فحكاية إنزالها معروفة، فالأولى أعقبت معركة بدر الكبرى، والثانية نزلت عقب تبوك ثم أرسل النبي علي ابن أبي طالب ليقرأها على الناس في الحج كاملة. ¶ وإذا كان لا بد من قول يقال في هذه السور، ليتضح الأمر ويظهر، تعالوا معي إلى سورة آل عمران، ولنقرأ بدايتها: (الم(1)الله لا إله إلا هو الحي القيوم(2)نزل عليك الكتاب بالحق مصدقا لما بين يديه وأنزل التوراة والإنجيل(3)من قبل هدى للناس وأنزل الفرقان إن الذين كفروا بآيات الله لهم عذاب شديد والله عزيز ذو انتقام) [آل عمران:1-4].ألا تلاحظون أن الله الحي القيوم هو الذي أنزل الكتاب، ولكي يؤكد القيومية قال: (إن الله لا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء(5)هو الذي يصوركم في الأرحام كيف يشاء لا إله إلا هو العزيز الحكيم(6)) [آل عمران: 5-6].ثم تتوالى الآيات متحدثة عن القرآن فإذا الناس أمامه فريقان: أولهما: هم الذين في قلوبهم زيغ يتبعون المتشابه منه. وثانيهما: الراسخون في العلم الذين (يقولون آمنا به كل من عند ربنا) وهؤلاء هم العقلاء المتذكرون (وما يذكر إلا أولوا الألباب) [آل عمران: 7].ولهذا فهم يدعون ربهم مستعيذين به من الزيغ، (ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا وهب لنا من لدنك رحمة إنك أنت الوهاب) [آل عمران: 8].لأنهم يعلمون أن الله محيط بكل شيء علما، وأنه لا يخفى عليه شيء وأن تنزيل القرآن بعلمه الذي يحيط بالماضي والآتي وبالظاهر والخفي فإنهم يقولون: (ربنا إنك جامع الناس ليوم لا ريب فيه إن الله لا يخلف الميعاد) [آل عمران: 9]. ¶ وهكذا ندرك أن السورة تبدأ بالحديث عن القرآن وتؤكد أنه أنزل من الله الحي القيوم، وأنه لا يخفى عليه شيء، وأنه هو الذي يصور في الأرحام كل حي، وعليه فإن من كفر به من أهل الكتاب الذين عندهم التوراة والإنجيل هم أصحاب العذاب وانتقام الله منهم وبيل. وبعد ظهور هذه الحقيقة عن التنزيل للقرآن مصدقا لما قبله، تعالوا ننتقل إلى آخر السورة لنجد الحديث متصل الملفات، متواصل الآيات. فإذا الله المنزل يستثني من أهل الكتاب الذين كفروا بآيات الله فريقا مؤمنا بها، وكأن الآيات في السورة متواصلة بغير انقطاع من أولها إلى آخرها، فاستمعوا وعوا: (من أهل الكتاب لمن يؤمن بالله وما أنزل إليكم وما أنزل إليهم خاشعين لله لا يشترون بآيات الله ثمنا قليلا أولئك لهم أجرهم عند ربهم إن الله سريع الحساب) [آل عمران:199].ثم تختم السورة بالنداء للمؤمنين أولي الألباب الداعين ربهم أن لا يزغ قلوبهم أمام هذا الكتاب، فإذا النداء يؤكد ما بدأ فيقول: (ياأيها الذين آمنوا اصبروا وصابروا ورابطوا واتقوا الله لعلكم تفلحون) [آل عمران: 200].وما الصبر والمصابرة إلا على الإيمان بالكتاب والآيات المنيرة، وما المرابطة إلا الثبات على الفهم والفقه للآيات بقلوب مطمئنة، وما التقوى إلا العمل بما أنزل الله واليقين بالآخرة ، وهي الحقيقة التي أعلنوها في البداية (إن الله لا يخلف الميعاد) وهكذا فإن الفلاح هو مصير المصابرين المرابطين المتقين من العباد. ¶ وبعد: أليس آخر السورة يؤكد بدايتها ويصل أولها بآخرها؟. وبعد: فإذا كانت السورة كما تعرف قد نزلت بعد معركة أحد فتعالوا معي نقرأ الآيات ونتدبر لنعرف أن السورة مترابطة الآيات وأن أولها متصل بما تأخر منها وأن ما عرضته السورة عن المعركة قد لاحت إليه الإشارات من أوائل الآيات، يقول الله: (إن الذين كفروا لن تغني عنهم أموالهم ولا أولادهم من الله شيئا وأولئك هم وقود النار) [آل عمران:10].ثم يقول ليؤكد أن الكلام موصول: (كدأب آل فرعون والذين من قبلهم كذبوا بآياتنا فأخذهم الله بذنوبهم والله شديد العقاب(11)قل للذين كفروا ستغلبون وتحشرون إلى جهنم وبئس المهاد(12)) [آل عمران: 11-12] .بل ويزيد الموضوع وضوحا، والحدث عبرة واتعاضا، فيقول: (قد كان لكم آية في فئتين التقتا فئة تقاتل في سبيل الله وأخرى كافرة يرونهم مثليهم رأي العين والله يؤيد بنصره من يشاء إن في ذلك لعبرة لأولي الأبصار) [آل عمران: 13]. إنه إشارة إلى ما حدث في بدر قبل أحد وإنه لوعيد بأن ما جرى من التأبيد سيستمر من الله للمؤمنين ما داموا على طريقه الرشيد. أليس في هذه الآيات من أول السورة ما يؤكد أن الآيات الأولى متصلة بالمتأخرة، ولهذا أعاد الله الآية العاشرة هنا ولكن بصيغة تختلف قليلا عن الأولى فقال: (إن الذين كفروا لن تغني عنهم أموالهم ولا أولادهم من الله شيئا وأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون) [آل عمران: 116]. ¶ وكما بدأت السورة بالحديث عن القرآن وما قبله من الكتاب فإن الحديث عنه والتذكير به يتواصل في سياق الآيات المتواصل فإذا الله يقول للنبي ومن معه في أواسط السورة ليؤكد أن الآيات متواصلة غير مبتورة، فاستمعوا ما يقول: (قل آمنا بالله وما أنزل علينا وما أنزل على إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط وما أوتي موسى وعيسى والنبيون من ربهم لا نفرق بين أحد منهم ونحن له مسلمون) [آل عمران: 84].ثم يعيد التأكيد على الموضوع ليزيدنا يقينا أن مسلسل الآيات غير مقطوع، فإذا آخر السورة نسخ بقوله تعالى: (وإذ أخذ الله ميثاق الذين أوتوا الكتاب لتبيننه للناس ولا تكتمونه فنبذوه وراء ظهورهم واشتروا به ثمنا قليلا فبئس ما يشترون) [آل عمران: 187]. ¶ إنها تذكير بما سبق من قوله تعالى في البداية: (إن الذين كفروا بآيات الله لهم عذاب شديد).فأهل الكتاب هم المقصودون والمسلمون يجب أن يحذروا هذا الخسران المبين وأن لا يدعوا الإيمان وهم كاذبون، ولهذا يقول الله عن أهل الكتاب محذرا للمؤمنين بالكتاب: (لا تحسبن الذين يفرحون بما أتوا ويحبون أن يحمدوا بما لم يفعلوا فلا تحسبنهم بمفازة من العذاب ولهم عذاب أليم) [آل عمران: 188]. وهكذا ينطلق المؤمنون أولوا الألباب متفكرين مسبحين مكثرين الاستعاذة بالله من النار، معلنين إيمانهم بما أنزل الله والاستغفار: (ربنا إننا سمعنا مناديا ينادي للإيمان أن آمنوا بربكم فآمنا ربنا فاغفر لنا ذنوبنا وكفر عنا سيئاتنا وتوفنا مع الأبرار(193)ربنا وآتنا ما وعدتنا على رسلك ولا تخزنا يوم القيامة إنك لا تخلف الميعاد(194)) [آل عمران: 193-194].أليس في هذا اتصال بما بدأته السورة وهو: (والراسخون في العلم يقولون آمنا به كل من عند ربنا وما يذكر إلا أولوا الألباب) [آل عمران: 7].(ربنا إنك جامع الناس ليوم لا ريب فيه إن الله لا يخلف الميعاد) [آل عمران: 9].أليس هذا يدل أن الاتصال واضح كالشمس؟، وأن تواصل الآيات في الموضوع بين بلا لبس؟؟ هذه مجرد إشارات سريعة عن آل عمران، ولو استعرضنا تواصل الآيات في السور الطوال، لطال الوقوف، ولكن يكفي أن أقول أن القاري يستطيع أن يدرك ذلك بالسليقة وبالنظر المستبصر المتأني، لاسيما إذا كان خالي الذهن من المسلمات القديمة، وغير ها من الأقاويل التي لا تعتمد على حقائق قويمة، وإن كان لا بد من مرجع أدله عليه؛ فليقرأ مقدمات السور في كتاب العلامة سيد قطب المسمى (في ظلال القرآن) فإن فيه الشفاء والبرهان. ¶ وعلى أي حال فإن هذه الإحالة لا تعني ترك القارئ الآن قبل الأوان، ولكني أدعوه معي إلى سور الثلث الثاني من القرآن. لنبدأ من الجزء الحادي عشر، وسنجد فيه وما يليه أهم السور: (يونس، وهود، ويوسف، والرعد، وإبراهيم، والحجر). ولنستأنس للدخول إلى هذه السور بسورة يونس: سنجد أن السورة تبدأ بقوله تعالى: (الر تلك آيات الكتاب الحكيم(1)) .ثم قوله: (أكان للناس عجبا أن أوحينا إلى رجل منهم أن أنذر الناس وبشر الذين آمنوا أن لهم قدم صدق عند ربهم قال الكافرون إن هذا لساحر مبين(2)).أولى الآيتين تشير إلى أن السورة فيها آيات الكتاب الحكيم فهي كتاب متكامل، إذن فالسورة آيات والكتاب حكيم، ولا يمكن أن يكون هناك كتاب إلا بآيات مرتبة الكتائب، منظمة بشكل صائب، متتابعة بأسلوب رصين. بهذا يصح أن يسمى كتابا وأن يسمى الكتاب حكيما، وإلا فكيف تلوح الحكمة من فقرات بلا اتصال، هذا لا يليق بذي الجلال. ثم إن الآية الثانية تستنكر أن يعجب الناس من وحي الله إلى رجل منهم لينذرهم ويبشرهم؛ وكيف لا وهو ربهم الذي خلق وقدر، واستمر يدبر الأمر!!فهو يعلم كل شيء ولا شفيع لديه فيما يدبر، إذن فالعجب العجاب ممن لا يتذكر. لا أحتاج هنا أن أورد على القارئ الثالثة والرابعة والخامسة والسادسة من الآيات التي تؤكد علمه بكل شيء في الأرض والسماوات، فالقارئ يمكن أن يعود إليها ويتدبرها ليجد الله محيط بكل شيء علما، وأنه أحكم حكما. ولهذا فإني أدعو القارئ إلى آخر السورة ليتأكد أن أول الآيات ينظر إلى الأخيرة، وأن آخرها يرتبط بأولها بطريقة منيرة. لنقرأ الختام، فإنه يشير إلى البداية بإحكام: (قل ياأيها الناس قد جاءكم الحق من ربكم فمن اهتدى فإنما يهتدي لنفسه ومن ضل فإنما يضل عليها وما أنا عليكم بوكيل(108)). أليس في هذا ما بيين لنا أن البداية تفتقر إلى النهاية والنهاية تؤكد البداية، ثم استعيدوا معي قوله تعالى في البداية: (أكان للناس عجبا أن أوحينا إلى رجل منهم أن أنذر الناس)، ثم قول الناس: (إن هذا لساحر مبين) ثم اقرأوا معي قوله تعالى في آخر السورة أو في الآية الأخيرة: (واتبع ما يوحى إليك واصبر حتى يحكم الله وهو خير الحاكمين(109)). أليس في هذا ردا على قولهم "إن هذا لساحر مبين" ثم على قولهم افتراء في وسط السورة؟؟بل إنه تثبيت للرسول الذي يتهم بالافتراء على الله، بل إن وسط السورة عدد من الآيات تدل على تواصل الآيات بلا انقطاع، ونكتفي منها بالآيتين 37 و 38 من السورة، التي يقول الله فيهما: (وما كان هذا القرآن أن يفترى من دون الله ولكن تصديق الذي بين يديه وتفصيل الكتاب لا ريب فيه من رب العالمين(37)). (أم يقولون افتراه قل فأتوا بسورة مثله وادعوا من استطعتم من دون الله إن كنتم صادقين(38)). وهكذا يتواصل الحديث عن القرآن والرسول حتى الآية 44، التي تذكرنا أن السورة متواصلة الموضوع، وأن الحديث غير مقطوع، بل إن الجزء قبل الأخير من السورة يشير إلى أن الحديث موصول الآيات، كاتصال الرسول بربه منزل الآيات، وكتواصل الرسل السابقين واللاحقين والرسالات. يقول الله: (فإن كنت في شك مما أنزلنا إليك فاسأل الذين يقرءون الكتاب من قبلك لقد جاءك الحق من ربك فلا تكونن من الممترين(94)). (ولا تكونن من الذين كذبوا بآيات الله فتكون من الخاسرين(95)). ¶ إذن فالحق قد جاء والشك في تواصل الآيات يجب أن يلغى، والخسران والعذاب عاقبة من ادعى أن القرآن مفترى، وهو مصير من جادل وافترى. أليس في هذا ما يؤكد لكم بأن السورة بدأت آياتها ثم تواصلت حتى النهاية، وأن موضوعها متتابع البيان بحكمة ودراية، تليق برب العالمين العليم بكل بداية ونهاية، والذي خلق كل شيء لغاية، فهو الحق الذي يقول الحق، وقوله يتواصل حتى الكمال، كما يتواصل الخلق حتى الاكتمال. فهذا هو اللائق بالله ذي الجلال والإكرام، وهو الجدير بالحكيم العلام، وبهذه الحكمة وبهذه الخبرة، أنزل ما يلي هذه السورة، وهي سورة هود، لنقرأ البداية ثم نتأمل النهاية: يقول الله: (الر كتاب أحكمت آياته ثم فصلت من لدن حكيم خبير(1)).فهوالحكيم الخبير الذي أنزل هذا الكتاب المنير، وهو على كل شيء قدير، ولتأكيد هذه الصفات ولتأكيد تواصل الإنزال والآيات؛ يقول في الآية 12 مخاطبا الرسول الذي أوحي إليه التنزيل: (فلعلك تارك بعض ما يوحى إليك وضائق به صدرك أن يقولوا لولا أنزل عليه كنز أو جاء معه ملك إنما أنت نذير والله على كل شيء وكيل(12)). إن من هو على كل شيء وكيل، لا بد أن يواصل آيات السور في التنزيل، حتى يكتمل البيان فيها والأحكام والتفصيل، ولكي تكون على يقين أن السور تنزل كاملة، لتقرأ الآية التالية، فإن فيها الدليل المبين: (أم يقولون افتراه قل فأتوا بعشر سور مثله مفتريات وادعوا من استطعتم من دون الله إن كنتم صادقين(13)فإلم يستجيبوا لكم فاعلموا أنما أنزل بعلم الله وأن لا إله إلا هو فهل أنتم مسلمون(14)). ¶ وأنا أقول لكم أيها القراء: هل أنتم مسلمون الآن أن السور كانت تنزل كاملة الآيات والبيان؟.ها هو الله يتحدى الكاذبين المتهمين للرسول بالافتراء فتحداهم بعشر سور لا بعشر آيات، أليس في هذا ما يؤكد أن السور كانت تتواصل من البداية حتى النهاية؟؟ بلى بلى. وكيف لا وقد تنزل بعلم الله!! وعلم الله محيط بكل شيء وهو لا سواه الإله. بل إن الله سبحانه يذكرنا في هذه السورة، ويورد التذكير بصورة منيرة، فبينما هو يقص علينا قصة نوح إذا به يقطع الحديث عن نوح ويعود إلى القرآن متحدثا بجملة وآية معترضة ومنها التحدي يلوح، فيقول معيدا لنفس السؤال القبيح: (أم يقولون افتراه قل إن افتريته فعلي إجرامي وأنا بريء مما تجرمون(35)).فالمجرمون هم المدعون أن النبي افترى، أما هو فقد بلغ ما ربه إليه أوحى، نعم لقد أوحى إليه كما أوحى إلى نوح من قبله، ولهذا تأتي الآية التالية عائدة إلى نوح، توكد على الوحي الذي لا مراء فيه ولا امتراء، فيقول: (وأوحي إلى نوح أنه لن يؤمن من قومك إلا من قد آمن فلا تبتئس بما كانوا يفعلون(36) واصنع الفلك بأعيننا ووحينا ولا تخاطبني في الذين ظلموا إنهم مغرقون(37)). فإذا كان الله قد أوحى إلى نوح كيف يصنع، واستمر الوحي بأعين الله حتى اكتمل العمل بلا انقطاع، فكيف لا يوحي إلى محمد كيف يقول !! وكيف لا يتواصل التنزيل وتتوالى الآيات بتنزيل وتفصيل أليس هو الحكيم الخبير!!أليس هو الذي أحكم الآيات ثم فصلها للإنذار والتبشير!! أليس هو على كل شيء قدير؟؟بلى. وعلى هذا استمرت السورة تقص وحي الله للرسل ونصرة لمن آمن وشكر، وتدمير من كذب وكفر، حتى تصل إلى قوله تعالى في أواخر السورة: (ذلك من أنباء القرى نقصه عليك منها قائم وحصيد(100)). إنه إجمال لما فصل، وتذكير بأن الله يعلم الماضي والمستقبل، وتتواصل الآيات إلى الآية رقم (120) وفيها يقول الله الأجل: (وكلا نقص عليك من أنباء الرسل ما نثبت به فؤادك وجاءك في هذه الحق وموعظة وذكرى للمؤمنين). إن كلمة (هذه) في الآية تؤكد أن السورة تواصلت آياتها حتى وصلت إلى هذه الآية وما يليها. وما هو الذي يليها أيها الكرام؟ إنه ثلاث آيات فقط ويحين الختام، فاقرأوا باهتمام، وكونوا من أولي الأفهام، يقول الملك العلام: (وقل للذين لا يؤمنون اعملوا على مكانتكم إنا عاملون(121)). هكذا يكون الاطمئنان بالله الحكيم، الذي إليه المرجع وهو بكل خلق عليم. ولهذا فإنه يختم السورة بصفات تؤكد الصفات التي بدأت بها، فهو الحكيم الخبير في البداية، أما في النهاية فهو كما يقول: (ولله غيب السماوات والأرض وإليه يرجع الأمر كله فاعبده وتوكل عليه وما ربك بغافل عما تعملون(123)). أليست هذه الآية تتصل بقوله تعالى في البداية (من لدن حكيم خبير)، ثم قوله: (إلى الله مرجعكم وهو على كل شيء قدير(4))، أليست الذي يصف نفسه بقوله: (وما ربك بغافل عما تعملون) هنا، هو الذي يتطابق مع وصفه هناك بقوله: (ألا إنهم يثنون صدورهم ليستخفوا منه ألا حين يستغشون ثيابهم يعلم ما يسرون وما يعلنون إنه عليم بذات الصدور(5)). أليس من له غيب السماوات والأرض هنا هو الذي يوصف بقوله هناك: (وما من دابة في الأرض إلا على الله رزقها ويعلم مستقرها ومستودعها كل في كتاب مبين(6)). أليس الذي قال (كتاب أحكمت آياته ثم فصلت) هناك هو الذي يحكي هنا (وكلا نقص عليك من أنباء الرسل ما نثبت به فؤادك وجاءك في هذه الحق وموعظة وذكرى للمؤمنين(120)). ¶ أخيرا: أليس ما أوردته لكم في هذه السورة يوضح البيان ويفصح عن كمال الصورة؟؟أليس الحكيم الخبير هو الذي بالبيان والحكمة جدير؟، وهو الذي ومنه تتواصل الآيات، حتى يكتمل التفصيل ويشع التنزيل؟.بلى بلى ، إن هذا هو الحق الذي لا يختلف عليه أحد، ولا يماري فيه إلا من للفهم افتقد، وعلى الخرافات والأساطير اعتمد، وعن البحث والمعرفة قعد، حتى اختل فهمه وفسد. ¶ ومن سورة هود نقفز بكم سريعا إلى يوسف الذي تبدأ سورته بالسجود، ولست بحاجة إلى تأكيد تواصل آياتها وترابط أحداثها، من بدايتها حتى نهايتها، فذلك معروف لمن قرأها بإتقان، وتدبرها بإمعان، ولا يشك في ذلك إلا خاسر الرهان. فها هي تبدأ بقوله تعالى: (الر تلك آيات الكتاب المبين(1)إنا أنزلناه قرآنا عربيا لعلكم تعقلون(2))، ويأتي في أواخرها قوله تعالى عن القرآن: (وما تسألهم عليه من أجر إن هو إلا ذكر للعالمين(104))، فالضمير هنا في آخر السورة يعود إلى القرآن المذكور في أولها، أليس هذا يدل على تواصل الآيات وترابطها؟. ثم إن الله يقول في آيات البداية: (نحن نقص عليك أحسن القصص بما أوحينا إليك هذا القرآن وإن كنت من قبله لمن الغافلين(3)). ثم تبدأ القصة بقوله تعالى: (إذ قال يوسف لأبيه ياأبت إني رأيت أحد عشر كوكبا والشمس والقمر رأيتهم لي ساجدين(4)). ¶ ويأتي في الختام ما يشير إلى البداية بكل وضوح، فيقول عن يوسف: (ورفع أبويه على العرش وخروا له سجدا وقال ياأبت هذا تأويل رؤياي من قبل قد جعلها ربي حقا وقد أحسن بي إذ أخرجني من السجن وجاء بكم من البدو من بعد أن نزغ الشيطان بيني وبين إخوتي إن ربي لطيف لما يشاء)، ثم إن هذا الآية تختم بقوله تعالى: (إنه هو العليم الحكيم(100))، وهو نفس ما ختمت الآية رقم (6) في أولها، وأبوه يبشره برؤياه ويقول (إن ربك عليم حكيم)، ثم ها هي الآية رقم 7 تقول في أول السورة: (لقد كان في يوسف وإخوته آيات للسائلين (7))، ثم تأتي الآية رقم 102 في آخر السورة فتقول (ذلك من أنباء الغيب نوحيه إليك وما كنت لديهم إذ أجمعوا أمرهم وهم يمكرون(102))، فتؤكد لنا أن السورة أنزلت كاملة من البداية حتى النهاية بل إنها ختمت بآية تدل على أن قصص الأنبياء جميعا تأتي كاملة مفصلة، (لقد كان في قصصهم عبرة لأولي الألباب ما كان حديثا يفترى ولكن تصديق الذي بين يديه وتفصيل كل شيء وهدى ورحمة لقوم يؤمنون(111)). ¶ أما سورة الرعد فهي كلها عن القرآن من أولها إلى آخرها وهي كلها تؤكد رسالة محمد وتعلن أن (المر تلك آيات الكتاب والذي أنزل إليك من ربك الحق ولكن أكثر الناس لا يؤمنون(1)). ثم تأتي الآيات التي تؤكد أن الإنزال من الله فإذا بها تورد عددا من صفات الله وقدرته وحكمته ورحمته وأن الحق في دعوته فمن دعاه أجاب، (له دعوة الحق (14)) ثم (قل الله خالق كل شيء وهو الواحد القهار(16)) وعلى هذا فمن استجاب لله فاز بالحسنى، ومن لم يستجب فله لظى، كيف لا والمستجيب عنده العلم الحق، والمكذب أعمى في ظلام مطبق. (أفمن يعلم أنما أنزل إليك من ربك الحق كمن هو أعمى إنما يتذكر أولوا الألباب(19)). ثم تأتي الآيات التي تصف العليم بالحق المنزل حتى تصل إلى قوله تعالى: (الذين آمنوا وتطمئن قلوبهم بذكر الله ألا بذكر الله تطمئن القلوب(28))، وتستمر الآيات تؤكد أن الرسول أرسل ليتلو هذا الكتاب وأن هذا الكتاب منزل ممن (هو قائم على كل نفس بما كسبت (33))وأن هذا الكتاب المنزل حكما عربيا هو الحق الذي لا ينكره إلا ذو الغواية، فلماذا يطلب الناس سواه آية، كلا فلا آية إلا بإذن الله، وما على الرسول إلا البلاغ، فإذا بلغ فقد ثبتت الحجة لله على الناس وأصبح المكذب مستحقا للعذاب في الوقت المناسب فالله عنده (لكل أجل كتاب)، وهكذا تستمر السورة متحدثة عن القرآن حتى تختم بقوله تعالى: (ويقول الذين كفروا لست مرسلا قل كفى بالله شهيدا بيني وبينكم ومن عنده علم الكتاب(43)). لقد بدأت السورة بقوله : تلك آيات الكتاب، وانتهت بكلمة الكتاب، فهل بعد هذا يكون في نزولها كاملة ارتياب؟. وكذلك سواها من السور الصغار والكبار كلها تتنزل كاملة بلا انبتار، قل لي أيها القارئ، ما معنى (رتل) بسكون الباء، وأرتال؟ إنه يعني مجموعة من الناس متراتلين متواصلين سائرين جميعا، وهكذا هو القرآن (كذلك لنثبت به فؤادك ورتلناه ترتيلا)، أي أن الله يجمع الآيات أرتالا فتكون مجموعة في سورة كاملة. ¶ وعلى أي حال فإن كل سورة نزلت كاملة مجموعة، ولكن السورة تنزلت منجمة المواعيد، فلقد كان تنجل السور والسورة زمن يطول أو يقصر بحسب مشيئة الله، وما على الرسول إلا أن يستقبل متى شاء الله بدون سبب ولا داع لما يتلقاه سوى إرادة الله الذي أراد أن ينزل هذا القرآن على قلبه ليبلغه للناس مرتلا متتابع الجرعات فلا يمل ولا يكل ولا يثقل، بل يجعل الناس عليه تقبل، (وقرآنا فرقناه لتقرأه على الناس على مكث ونزلناه تنزيلا). فهو مفروق السور المتباعدة المتعددة، متواصل آيات السورة الواحدة، ¶ وعلى هذا تفهم السورة التي تلي سورة الرعد تلك هي سورة إبراهيم، ها هي تبدأ بقوله: (الر كتاب أنزلناه إليك لتخرج الناس من الظلمات إلى النور بإذن ربهم إلى صراط العزيز الحميد(1)). ثم يقص الله فيه قصة كل الرسل مع المكذبين، فإذا النصر فيها للمرسلين الذين يخافون الله ويبلغون رسالاته (وقال الذين كفروا لرسلهم لنخرجنكم من أرضنا أو لتعودن في ملتنا فأوحى إليهم ربهم لنهلكن الظالمين(13)). وإذا (مثل الذين كفروا بربهم أعمالهم كرماد اشتدت به الريح في يوم عاصف لا يقدرون مما كسبوا على شيء ذلك هو الضلال البعيد(18)). وإذا القيادات الضالة المضلة تتخلى عن الأتباع في يوم الحسرة، ولكن الجميع ما لهم من محيص، كما أن الشيطان يزيدهم حسرة ويعلن أن الحق من ربهم هو الذي جاءت به رسهلم، فكيف استجابوا ما يعده به عدوهم، فهو اليوم يؤمهم، وبهذا يتضح أن الرسل واتباعهم وما أنزله الله عليهم، هم الشجرة الطيبة التي تؤتي أكلها كل حين، وأن المكذبين هم الشجرة الخبيثة المخبثة ما لها من قرار، ولتأكيد هذا تأتي الآيات التي تؤكد أن دعوة إبراهيم لا تزال تؤتي أكلها كل حين في البلد الحرام، وأن أتباعه هم الباقون على الحق ونبذ الأصنام، ولهذا فهم عن إبراهيم وهم من دعى لهم بقوله (رب اجعلني مقيم الصلاة ومن ذريتي ربنا وتقبل دعاء(40)ربنا اغفر لي ولوالدي وللمؤمنين يوم يقوم الحساب(41))، فالظالمون هم الخاسرون وهم يتمنون أن يمهلوا عند العذاب بقولهم: (ربنا أخرنا إلى أجل قريب نجب دعوتك ونتبع الرسل(44)). ولكن لا أمل ولا نجاة فلقد جاءهم البلاغ وجاءتهم الرسل فكانوا غافلين عن دعوة الله فلا بد من يوم مؤخر لينال فيه كل عبد جزاء ما قدم وأخر. (ليجزي الله كل نفس ما كسبت إن الله سريع الحساب(51))، فلنستعد لذلك اليوم، فلقد جاء النذير اليوم فلا لوم.وبعد: ألم تكن السورة معلنة في البداية أن الكتاب أنزل إلى الرسول ليخرج الناس من الظلمات إلى النور؟ أليس في آياتها البلاغ والإنذار والتذكير؟ أليس الرسول محمد الخاتم وكل الرسل من قبله قد بلغوا ما أنزله الله؟ أليس كل الرسل قد أنذروا بأيام الله؟ إذن فمن كذب الرسل فلا بد أن يلقى جزاه: (فلا تحسبن الله مخلف وعده رسله إن الله عزيز ذو انتقام(47)). وكيف لا وقد جاء البلاغ!! (هذا بلاغ للناس ولينذروا به وليعلموا أنما هو إله واحد وليذكر أولوا الألباب(52)). لقد اتضح في سورة إبراهيم أن البلاغ في السورة متواصل وأن السور كلها أنزلت بشكل متواصل. ¶ ولتأكيد هذا أكثر فلنستمر في الدلائل، هيا معا إلى سورة الحجر إنها تبدأ بقوله تعالى: (الر تلك آيات الكتاب وقرآن مبين(1)). إن البداية تشير إلى الآيات لا إلى الآية، مما يؤكد أن آيات السورة ستنزل كاملة متواصلة، ولهذا فإن السورة ختمت بقوله تعالى: (إن ربك هو الخلاق العليم(86)ولقد آتيناك سبعا من المثاني والقرآن العظيم(87))، ثم تقول للرسول: (فاصدع بما تؤمر وأعرض عن المشركين(94)إنا كفيناك المستهزئين(95)). إن هذه الآيات في الختام تنزل على ما سبق أول السورة (وقالوا ياأيها الذي نزل عليه الذكر إنك لمجنون(6)). ولكن الله يعلن علمه بما يقولون وعلمه بما يفعله الرسول من البلاغ المبين فليطمئن وليكن من المسبحين (ولقد نعلم أنك يضيق صدرك بما يقولون(97)فسبح بحمد ربك وكن من الساجدين(98) واعبد ربك حتى يأتيك اليقين(99)). لماذا، لأن الله يعلم ما يقولون، فهو المجازي لهم الجزاء الذي يستحقون، وهو يعلم ما يعمله الرسول فما عليه إلا الاستمرار على البلاغ المبين، وسيرى اليقين. أليس في هذا أيها القارئ العزيز قد أتاك اليقين بما أقوله لك منذ حين، أليس في هذه الدلائل ما يقنعك أن كل سورة نزلت آياتها بشكل متواصل، وهنا أتوقف في أواخر النصف الأول من القرآن، فلقد طال معه الوقوف وطال الاستدلال والبيان، ولعل القارئ قد أحس بالملل واكتفى بما تقدم من البرهان. ¶ ولكني مع ذلك أرجوك أيها القارئ أن تواصل معي المسير المتأني، إلى السور التي في النصف الثاني. لن أطيل كما فعلت في الأول، ولكني سأوردها باختصار لا يبعث الملل، مع علمنا أن سورتي الإسراء والكهف كلاهما عن القرآن، وأن آياتهما متواصلة حول الموضوع بلا انقطاع حتى ختمت الأولى بقوله: (وبالحق أنزلناه وبالحق نزل) [الإسراء:105 ].(قل آمنوا به أو لا تؤمنوا) [الإسراء:107 ]. وجاء في البداية: (إن هذا القرآن يهدي للتي هي أقوم ويبشر المؤمنين الذين يعملون الصالحات أن لهم أجرا كبيرا(9)). بينما ذكر القرآن في السورة أكثر من مرة في الآيات 45 وما يليها والآية 73 و86 وما يليها إلى قوله (ولقد صرفنا للناس في هذا القرآن من كل مثل (89)). ¶ وفي الكهف كانت البداية (الحمد لله الذي أنزل على عبده الكتاب ولم يجعل له عوجا(1)قيما لينذر بأسا شديدا من لدنه ويبشر المؤمنين الذين يعملون الصالحات أن لهم أجرا حسنا(2)ماكثين فيه أبدا(3)). ولنقرأ في منتصف السورة: (ولقد صرفنا في هذا القرآن للناس من كل مثل وكان الإنسان أكثر شيء جدلا(54))، ثم ختمت السورة بما تضمنته البداية: (قل إنما أنا بشر مثلكم يوحى إلي أنما إلهكم إله واحد فمن كان يرجوا لقاء ربه فليعمل عملا صالحا ولا يشرك بعبادة ربه أحدا(110)). أليس في هذا تأكيد لقوله: (قيما لينذر بأسا شديدا)، و (أجرا حسنا) و (وينذر الذين قالوا اتخذ الله ولدا(4))، التي وردت في البداية بلا إذن فالموضوع متصل من البداية حتى النهاية وهكذا في كل سورة فلنواصل المسير لنزيدكم دراية. ¶ أما لو انتقلنا إلى النصف الثاني من القرآن فسنجد أن سورة الإسراء جاء فيها قوله تعالى في الآية رقم (9): (إن هذا القرآن يهدي للتي هي أقوم ويبشر المؤمنين الذين يعملون الصالحات أن لهم أجرا كبيرا(9))، وجاء في آخرها قوله تعالى في الآيتين 105، 106: (وبالحق أنزلناه وبالحق نزل وما أرسلناك إلا مبشرا ونذيرا(105)وقرآنا فرقناه لتقرأه على الناس على مكث ونزلناه تنزيلا(106)). كما أن السورة لم تخل في أواسطها عن ذكر القرآن فيقول الله في الآية 45: (وإذا قرأت القرآن جعلنا بينك وبين الذين لا يؤمنون بالآخرة حجابا مستورا(45)).ويقول في الآية رقم 79: (ومن الليل فتهجد به نافلة لك) والضمير للقرآن.وفي الآية: 88: (قل لئن اجتمعت الإنس والجن على أن يأتوا بمثل هذا القرآن لا يأتون بمثله ولو كان بعضهم لبعض ظهيرا(88))، إلى آخر الآيات التي تليها حتى (100). أليس في هذا ما يؤكد أن السورة نزلت كاملة، وكذلك سواها من السور، فالموضوع متصل والفقرات متوالية يشد بعضها بعضا ،، كالإسراء أليس أنه تم متواصل الحلقات متتابع اللحظات، واضح الآيات، (لنريه من آياتنا إنه هو السميع البصير(1)). فكما رأى آيات السماء وآيات ربه خالق كل شيء وخالق الإنسان؛ فلا بد أن تكون كذلك آيات القرآن، فسبحان الذي أسرى بعبده سبحان، فآياته مبينة متوالية، سواء في السماوات والأرض كلها أو في كهف صغير منها، فلقد توالت الآيات في الكهف كما توالت سورة الكهف. ألم يكن للفتية فيه آية تلي آية، فالاعتزال ثم الإيواء ثم الضرب على الآذان ثم المنام ثم التقليب ثم الاستيقاظ ثم الإعثار عليهم ثم عودتهم إلى كهفهم كلها آيات (ذلك من آيات الله من يهد الله فهو المهتدي ومن يضلل فلن تجد له وليا مرشدا(17- الكهف)). ¶ وها هنا فلندخل سورة الكهف عسى أن نجد فيها ما يدعم الفكرة ويجعل القضية منيرة، ولنقرأ الآية رقم 1: (الحمد لله الذي أنزل على عبده الكتاب ولم يجعل له عوجا(1))، ثم ما يليها حتى الآية 61. ثم نتجاوز قصة أصحاب الكهف التي تدعم أن الله لا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء، لنصل إلى قوله تعالى في الآية 27 من السورة، وعقب قصة أصحاب الكهف مباشرة: (واتل ما أوحي إليك من كتاب ربك لا مبدل لكلماته ولن تجد من دونه ملتحدا(27)). ثم تتوالى الآيات لتؤكد أن كلمات الله هي الباقية وأن لا ملجأ منه إلا إليه حتى نصل إلى قوله تعالى: (ولقد صرفنا في هذا القرآن للناس من كل مثل وكان الإنسان أكثر شيء جدلا(54)). مع الآيات التي تليها كأنها متصلة بالموضوع حتى الآية 59. ثم تأتي قصة موسى مع عبد الله العلامة الذي أوتي علما ورحمة، ثم قصة ذي القرنين ،، وكلا القصتين تؤكد علم الله المحيط بما كان وما يكون والذي يوحي إلى عباده بالخير وبما به يسعدون ولكنهم للهوى يتبعون، فإذا هم أو أكثرهم من الذين يقال عنهم: (الذين ضل سعيهم في الحياة الدنيا وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا(104))، هؤلاء هم الأخسرون أعمالا، لماذا هذا الضلال والخسران!! إن الله يوضح لنا البيان، إنه لسبب هذا القرآن: (أولئك الذين كفروا بآيات ربهم ولقائه فحبطت أعمالهم فلا نقيم لهم يوم القيامة وزنا(105))، ما هو الجزاء؟، (ذلك جزاؤهم جهنم بما كفروا واتخذوا آياتي ورسلي هزوا(106)). إذن فالسورة كلها قرآن وموضوعها القرآن من البداية حتى النهاية. ألم تبدأ بالحمد لله على إنزال الكتاب؟، ألم يأت في أولها قوله تعالى مخاطبا للرسول: (فلعلك باخع نفسك على آثارهم إن لم يؤمنوا بهذا الحديث أسفا(6))، وإذن فإن المستهزئ بالآيات والمكذب له جهنم، والمستجيب له الجنة: (إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات كانت لهم جنات الفردوس نزلا(107)خالدين فيها لا يبغون عنها حولا(108)). وعليه: فإن الوحي هو الحياة وهو سبيل النجاة، وهو موضوع السورة، (قل إنما أنا بشر مثلكم يوحى إلي أنما إلهكم إله واحد فمن كان يرجوا لقاء ربه فليعمل عملا صالحا ولا يشرك بعبادة ربه أحدا(110)). ¶ لعل صعودنا مع الإسراء وصحابه الكريم، وهبوطنا مع أصحاب الكهف والرقيم، قد زاد القضية وضوحا وبيانا "كيف كان ينزل الله القرآن". إن الآيات في الكتاب تدفع كل ارتياب، وتنفع أولي الألباب.ولهذا فأنا إلى المزيد من الآيات أدعوهم، وإلى سورة طه أواعدهم، ها هي تبدأ بالآيات 1و2و3: (طه(1)ما أنزلنا عليك القرآن لتشقى(2)إلا تذكرة لمن يخشى(3)). ثم من أين الإنزال؟. ها هو الجواب: (تنزيلا ممن خلق الأرض والسماوات العلا(4)الرحمان على العرش استوى(5)). هل هذا الوصف يكفي لمنزل القرآن؟ إنه يكفي، ولكن قوله (على العرش استوى) ماذا يعني؟ إن الجواب بعد هذا يأتي: (له ما في السماوات وما في الأرض وما بينهما وما تحت الثرى(6)وإن تجهر بالقول فإنه يعلم السر وأخفى(7)). فهو المدبر لكل الخلق، وهو العليم بكل سر وجهر، بل هو العليم بأخفى من السر، فإذن فالقرآن هو النور والعلم الذي لا يضل به من تذكر، ومن تذكر بالقرآن وله دعى، فلا بد أن يوحد الله ويخشى، وكيف لا وهو: (الله لا إله إلا هو له الأسماء الحسنى(8)). وهذا المنبع المنيع، والمقام الرفيع، والنور الوسيع، جاء به القرآن، وبهذا العلم الوسيع يقص علينا الله حديث موسى مع فرعون وهو حديث ذو علم عجيب، وفيه التفاصيل التي لا يعلمها إلا علام الغيوب. ¶ فنجوى الناس في الغرف المغلقة، ترد لنا واضحة محققة، وخلجات القلوب الخافقة، نسمعها في الآيات منطلقة، ووسواس النفوس الفاسدة، نراه في القصة بصورة مجسدة. حتى إذا انتهى الحديث عن موسى واكتمل المراد، جاء الحديث عن القرآن وعاد، فإذا بنا نقرأ قول الله مخاطبا رسوله محمد وكل العباد: (كذلك نقص عليك من أنباء ما قد سبق وقد آتيناك من لدنا ذكرا(99)من أعرض عنه فإنه يحمل يوم القيامة وزرا(100)). وتتواصل الآيات لتصل إلى الغاية من الحديث عن القرآن، فإذا بنا نقرأ: (وكذلك أنزلناه قرآنا عربيا وصرفنا فيه من الوعيد لعلهم يتقون أو يحدث لهم ذكرا(113)فتعالى الله الملك الحق ولا تعجل بالقرآن من قبل أن يقضى إليك وحيه وقل رب زدني علما(114)). تأملوا: (ولا تعجل بالقرآن من قبل أن يقضى إليك وحيه) أليس فيها كما سبق أن أكدنا في بداية هذا البحث ما يدل على أن السور كانت تنزل كاملة، وإلا فلماذا استعجل الرسول في تحريك لسانه بالقرآن، إذا كان المنزل عليه آية أو آيتان، (فتعالى الله الملك الحق) أن يكون الإنزال بهذا الأسلوب الذي لا يليق بالرحمن. وبعد: فيكفي هذا، ولنواصل المشوار مع الآيات لنصل إلى قوله تعالى عقب قصة آدم: (قال اهبطا منها جميعا بعضكم لبعض عدو فإما يأتينكم مني هدى فمن اتبع هداي فلا يضل ولا يشقى(123))، ثم إن هذه الآية وما يليها من الآيات حتى 132 حديث موصول عن القرآن، وتأكيد على أنه الحق الذي أنزله الرحمن هدى للإنسان ، وسيسمع يوم الحساب ما لم يكن في الحسبان، إذا نسي القرآن: (قال كذلك أتتك آياتنا فنسيتها وكذلك اليوم تنسى(126)). وهكذا تتوالى الآيات وتتلألا البينات حتى إذا السورة قاربت من الختام، نجد القرآن هو الهدف والمرام، وإذا بنا نقرأ: (ولو أنا أهلكناهم بعذاب من قبله لقالوا ربنا لولا أرسلت إلينا رسولا فنتبع آياتك من قبل أن نذل ونخزى(134)). ¶ إنه أمل محال وأماني تدل على الخبال، فلقد جاء القرآن تذكرة لمن يخشى، فليتذكرالإنسان من قبل أن يذل ويخزى، يومئذ يتذكر وأنى له الذكرى، لقد كذب واستهزأ، فهو بما قدم اليوم يجزى، فلقد قدم الله إليه الوعيد وإلى الحق دعى، فهو يجزيه بما وعى، وأن ليس للإنسان إلا ما سعى، فطوبى لمن وعى ، وعلى هدى الله سعى، ولعهد الله رعى، وتبا لمن كذب وعصى، وأدبر عن ربه وأقبل على الدنيا، وأعرض عن الهدى واتبع الهوى، إنه لنفسه في النار أردى، وما يغني عنه ماله إذا تردى، إن المكذب متربص مصدق للأماني، ولكنه غافل والله يعد له عدا. (قل كل متربص فتربصوا فستعلمون من أصحاب الصراط السوي ومن اهتدى) الآية الختام 135 من سورة طه. وما الصراط السوي إلا القرآن، وما الهدى إلا هدى الله الرحمن، ولقد قال لنا بكامل البيان (فمن اتبع هداي فلا يضل ولا يشقى(123)ومن أعرض عن ذكري فإن له معيشة ضنكا ونحشره يوم القيامة أعمى(124) قال رب لم حشرتني أعمى وقد كنت بصيرا(125)قال كذلك أتتك آياتنا فنسيتها وكذلك اليوم تنسى(126)). ¶ وبعد فلعل سورة طه قد أضافت إلى الموضوع البيان الذي لا يضاها، فهل يكفي أم تريدون المزيد الذي يشفي. لن أدخل بكم في محراب الأنبياء وسورتهم، ولن آخذكم إلى محراب الحجاج من الناس وقبلتهم، ولن أشغل المؤمنين الذين هم في صلاتهم خاشعون، ولن أعود بكم إلى سورة النور، التي تؤكد أن القرآن أنزل سورا من الله الخبير كما عرفنا قبل هذا. ولكني سأرقى بكم الى المقام المبارك، الذي ينفرد به الله ولا يشارك: (تبارك الذي نزل الفرقان على عبده ليكون للعالمين نذيرا(1)الذي له ملك السماوات والأرض ولم يتخذ ولدا ولم يكن له شريك في الملك وخلق كل شيء فقدره تقديرا(2)). إنها سورة الفرقان وإن فيها لنا مزيد من البرهان، ويكفي أن أدعوكم إلى المرور عليها مرور الكرام، فإن البركات ستفتح عليكم ما دمتم تمرون على الآيات بوعي واهتمام، وبإمعان أولي الأفهام، إن البركات ستنهال عليكم والسلام، وكيف لا وأنتم من عباد الرحمن (الذين يمشون على الأرض هونا وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاما(63)). لقد بدأت السورة بالفرقان، وانتصفت وهي تتحدث عن القرآن: (وقال الرسول يارب إن قومي اتخذوا هذا القرآن مهجورا(30)). وقاربت الختام وهي تتلفت إلى القرآن: (قل ما أسألكم عليه من أجر إلا من شاء أن يتخذ إلى ربه سبيلا(57)). ثم ختمت بقوله: (قل ما يعبأ بكم ربي لولا دعاؤكم فقد كذبتم فسوف يكون لزاما(77)). إن الفرقان يدعو الناس للإسلام لينالوا سلاما، وينذر الناس العذاب فإن كذبوا فسوف يكون لزاما. وهكذا فإن السورة بما بدأت تختم، وتكرس لموضوع واحد هو القرآن وبه تهتم، أليس في هذا ما يؤكد القضية ويدعم. قد استدعي شهود آخرين ليسو في مستوى الفرقان وعباد الرحمن، ولكن لهم عند الله شأن إذا كانوا من أهل الإيمان، أتدرون منهم أيها الأحباء؟. إنهم إخواننا الشعراء. قد تقولون: فماذا سنجد لديهم من الأدلة على ما تقول وهم يقولون ما لا يفعلون؟. أقول: نعم، ولكنهم قد ينفعون إذا كانوا لله ذاكرين، وهذا هو السبيل لكل الناس ليكون عند الله من المحسنين المقربين، فمهما كانت أعمالهم ومهنهم الدنيوية فأعمالهم هي التي تبرئهم عند رب البرية. ¶ نعم الشعراء هم فئة هامة في المجتمع إذا كانوا مؤمنين بالله وله ذاكرين، وللحق منتصرين من الظالمين، وللفساد مقاومين، وللجهاد داعين، وإليه سائرين، ولهذا كانت السورة باسمهم؛ لأنهم عنصر في الأمة مهم، وصوف رفيع للدفاع عن أمتهم. إنهم يفصحون عن ضمير الأمة، ويقولون الحق في كل قضية ومهمة، ولهذا فإن السورة مفصحة عما نريده من الأدلة على أن سورة القرآن كانت تنزل كاملة. سورة الشعراء. إن السورة تبدأ بقوله تعالى: (طسم(1)تلك آيات الكتاب المبين(2)). ثم تخاطب النبي المبلغ للكتاب: (لعلك باخع نفسك ألا يكونوا مؤمنين(3)إن نشأ ننزل عليهم من السماء آية فظلت أعناقهم لها خاضعين(4)). إذن فالآيات التي يريدها المكذبون تعني تلك الآيات التي جاء بها موسى وعيسى وصالح فكذب بها الأولون، لكن الله هنا يؤكد للنبي وللناس أجمعين أنه غير عاجز عن إنزال آية تخضع الرقاب، ولكنه يكتفي بهذه الآيات في هذا الكتاب، ولكنهم يعرضون عن العلم الذي يأتيهم من الرحمن؛ لأنهم متبعون للهوى الذي يقودهم إلى الخسران، فالاستهزاء عاقبة الهوان. ومع ذلك فهو الله يوجه الناس إلى التفكير في آيات الأرض البينات، التي تفصح عنها كل المخلوقات: (إن في ذلك لآية وما كان أكثرهم مؤمنين(8)).إن آيات الخلق تدل على الحق، وتدل على أن الله عليم بكل شيء، وغني عن كل شيء وحي، ولكنه يرسل الرسل وينزل الذكر رحمة بالناس، وهو الرب العزيز الغالب على أمره، والرحيم بالإنسان رغم كفره: (وإن ربك لهو العزيز الرحيم(68)). وبهذه الصفات لرب العالمين، أنزل هذا الذكر للعالمين، وبهذا العلم المحيط بالأولين والآخرين؛ بدأت السورة تقص قصص السابقين، وتتوالى الآيات من موسى، وآياته مع فرعون وإفكه، إلى شعيب مع أصحاب الأيكة، وكلهم كذب المرسلين، فكان الهلاك مصير الأولين والآخرين. (إن في ذلك لآية وما كان أكثرهم مؤمنين(103)وإن ربك لهو العزيز الرحيم(104)). وحينما تنتهي الآيات من القصص المنيرة، تعود إلى ما بدأته السورة؛ وهو التأكيد على أن آيات الكتاب المبين، تنزيل من رب العالمين (نزل به الروح الأمين(193)على قلبك لتكون من المنذرين(194)بلسان عربي مبين(195)). إذن فمحمد من المنذرين، ومسبوق بغيره من المرسلين، وهذا القرآن هو الذي عند السابقين، (وإنه لفي زبر الأولين(196)). فالكتاب واحد، والدين واحد، والتنزيل من الله الواحد، ومنه نزل القرآن سورا متواصلة الآيات، بدليل هذه النهاية التي تتصل بالبدايات، وهكذا تتواصل الآيات حتى آخر السورة، وهي تتحدث عن القرآن، وتواصل التأكيد على أنه نزل بعلم الرحمن، وأنه العليم بكل ما يكون وما كان، وهو معنا في كل حال ومكان؛ ولهذا فإن التوكل عليه اطمئنان. (وتوكل على العزيز الرحيم(217)الذي يراك حين تقوم(218)وتقلبك في الساجدين(219)إنه هو السميع العليم(220)). ألم تكن شهادة الشعراء قوية الدلالة، بليغة الأداء، تزيد الموضوع سطوعا وجلاء؟؟بلى بلى، ¶ ولكن النمل على الشهادة أقوى رغم عجمتها؛ فلقد كانت في واديها حارسة يقضة لأمتها، صادقة في كلمتها، فلنستشهد بها في القضية، ولنجعلها مع الناس مستوية، لنقرأ البداية في سورة النمل: (طس تلك آيات القرآن وكتاب مبين(1)) ثم قوله تعالى لرسوله: (وإنك لتلقى القرآن من لدن حكيم عليم(6)). فالحكيم العليم هو الملقي، والرسول الأمين هو المتلقي، والذي يلقى هو آيات القرآن وكتاب مبين، وهكذا تبدأ السورة وبالحكمة والبيان تقص القصص السليمانية والسبائية، ثم تختم بقصة قوم صالح الفاسدين، الذين يخافون من الصالحين، وقوم لوط الملوثين، الذين يكرهون المتطهرين: (أخرجوا آل لوط من قريتكم إنهم أناس يتطهرون(56)). وهنا تبدأ الآيات تثني على الله، الذي لا إله سواه، ولا يعلم الغيب إلا هو، وتفصح عن بديع خلقه: (صنع الله الذي أتقن كل شيء إنه خبير بما تفعلون(88)). وهذا البديع الخبير، وهذا الإله العليم القدير، هو الذي أنزل القرآن للإنسان، وبدأ السورة بالقرآن، وختمها بالقرآن. وها نحن نقرأ ما يقوله لرسوله محمد الذي تلقى منه القرآن، ونقرأ كيف يعلمه بحنان، ويدله على القول الحكيم القوي البرهان: (إنما أمرت أن أعبد رب هذه البلدة الذي حرمها وله كل شيء وأمرت أن أكون من المسلمين(91)وأن أتلو القرآن). فإنما أمر محمد من ربه بأن يعبده وحده بإخلاص ويقين، وصفته أنه من المسلمين، المؤمنين بما أنزله رب العالمين. أما مهمته فهي محصورة فقط، ومقصورة على قوله: (وأن أتلو القرآن) فالقرآن مهمته، وإبلاغه إلى الناس وظيفته، وتلك مهمة رفيعة المقام الكريم، لأنه تلقاه من حكيم عليم. ثم إن الله معه يعين، وهو عليم بالضالين وبالمهتدين. (فمن اهتدى فإنما يهتدي لنفسه ومن ضل فقل إنما أنا من المنذرين) (بقية الآية92). إنه واحد من المنذرين، وليس بدعا في المرسلين، بل دينهم له دين، وهو خاتمهم إلى العالمين. وما عليه إلا إبلاغ الآيات، وسيعرفها الناس بإذن الله مهما طالت السنوات، فالله عالم بالخفيات، (وقل الحمد لله سيريكم آياته فتعرفونها وما ربك بغافل عما تعملون(93)). أليست شهادة النمل واضحة الدلالة بأن السور تنزلت كاملة الآيات؟.بلى بلى إن ذلك واضح لكي ذي لب ذاكر، وقلب شاكر (إنما يتذكر أولوا الألباب) ¶ وبعد سورة الشعراء أدعوكم إلى ما قص الله في سورة القصص وما تلى، لقد بدأتها بقوله: (طسم(1)تلك آيات الكتاب المبين(2)نتلو عليك من نبإ موسى وفرعون بالحق لقوم يؤمنون(3)). هكذا تبدأ السورة بالإشارة إلى آيات الكتاب، وتشير إلى فحوى السورة باقتضاب، ثم تنطلق القصص وتتوالى الأحداث وتتلى، حتى تصل إلى المنتهى. فإذا بالآيات تعود إلى الحديث عن القرآن، فتؤكد أولا أن الله قد أنزل على موسى الكتاب وفيه دليل على إنزال القرآن والبرهان؛ (ولقد آتينا موسى الكتاب من بعد ما أهلكنا القرون الأولى بصائر للناس وهدى ورحمة لعلهم يتذكرون(43)). فالله من شأنه أن يرسل الرسل وأن ينزل الكتب والناس محتاجون لهداه ورحمته ، وعليهم أن يصدقوا لعلهم يتذكرون. وما كان لمحمد علم بما كان، لولا هذا الوحي من الرحمن؛ (وما كنت بجانب الغربي إذ قضينا إلى موسى الأمر وما كنت من الشاهدين(44)ولكنا أنشأنا قرونا فتطاول عليهم العمر وما كنت ثاويا في أهل مدين تتلوا عليهم آياتنا ولكنا كنا مرسلين(45)وما كنت بجانب الطور إذ نادينا ولكن رحمة من ربك لتنذر قوما ما أتاهم من نذير من قبلك لعلهم يتذكرون(46)). وإذن فالغاية واحدة والشأن مستمر والرحمة متواصلة والتذكر مرجو للناس في كل حين، وهكذا أنزل القرآن على محمد خاتم النبيين، ولكن الناس كانوا وما زالوا يواجهون ما أرسل بالارتياب والتكذيب، ويطلبون من الرسل البراهين، والحق أمامهم واضح لكل العاقلين. (فلما جاءهم الحق من عندنا قالوا لولا أوتي مثل ما أوتي موسى أولم يكفروا بما أوتي موسى من قبل قالوا سحران تظاهرا وقالوا إنا بكل كافرون(48)قل فأتوا بكتاب من عند الله هو أهدى منهما أتبعه إن كنتم صادقين(49)). لكن الظالمين لا يسمعون ولا يعون الحجاج، بل يتبعون اللجاج، والهوى والاعوجاج (ومن أضل ممن اتبع هواه بغير هدى من الله إن الله لا يهدي القوم الظالمين(50) ولقد وصلنا لهم القول لعلهم يتذكرون(51)).فالحجة قد لزمتهم وهم ظالمون، ومع هذا فغفلتهم طاغية،وأعذارهم واهية؛ (وقالوا إن نتبع الهدى معك نتخطف من أرضنا) إنه عذر سقيم عقيم، ولهذا فالله يبطله بقوله الحكيم: (أولم نمكن لهم حرما آمنا يجبى إليه ثمرات كل شيء رزقا من لدنا ولكن أكثرهم لا يعلمون(57)). وهكذا يستمر الحجاج، مع أصحاب اللجاج، وتتوالى الآيات في السورة تضع البراهين على أن آياتها متواصلة غير مبتورة، حتى تصل إلى قصة قارون التي لها صلة بموسى وفرعون، ولتؤكد أن القصص تتوالى بالحق لقوم يؤمنون، حتى تصل إلى نهاية السورة لتعلن أن الختام يؤكد البداية، فاستمعوا وعوا: (إن الذي فرض عليك القرآن لرادك إلى معاد قل ربي أعلم من جاء بالهدى ومن هو في ضلال مبين(85) وما كنت ترجوا أن يلقى إليك الكتاب إلا رحمة من ربك فلا تكونن ظهيرا للكافرين(86))، فالسورة كاملة تتلى وتلقى، والآيات من أولها إلى آخرها تتوالى. ¶ لعل سورة القصص قد أوضحت القضية بصورة جلية، ولعلي لا أكلفكم شططا إذا واصلت استعراض السور على التوالي، ولهذا فأنا أدعوكم إلى تدبرها بشكل انفرادي، ويكفي أنني قد وضعت أمامكم منهج البحث والتدبر، وأصبح أمامكم السبيل سهلا للاستبصار والتذكر. فسورة لقمان وسورة السجدة كلها حديث عن القرآن وموضوعهما هو التأكيد على أنه من الرحمن، فتأملوا بإمعان لتجدوا القضية واضحة للعيان، ولنشرع الخطو مستأنسين بسورة يس. فنجدها تبدأ بقوله: (يس(1)والقرآن الحكيم(2))، ويتوسطها قوله تعالى: (وما علمناه الشعر وما ينبغي له إن هو إلا ذكر وقرآن مبين(69)لينذر من كان حيا ويحق القول على الكافرين(70))، فالضمير يعود إلى القرآن، وكأنه قريب من الأذهان، مع أن ذكره قد سبق هذه الآية بسبعين آية.وكذلك نجد القضية في سورة (ص): فقد بدأت بقوله: (ص والقرآن ذي الذكر(1))، ويتوسطها قوله تعالى خلال قصة داوود وسليمان: (كتاب أنزلناه إليك مبارك ليدبروا آياته وليتذكر أولوا الألباب(29))، ثم يعود إلى قصة سليمان وتتواصل القصص حتى يقول: (قل هو نبأ عظيم(67)أنتم عنه معرضون(68))، وتنتهي السورة بقوله تعالى: (إن هو إلا ذكر للعالمين(87)ولتعلمن نبأه بعد حين(88)). ¶ وكذلك نجد السور السبع المسماة الخواتيم أو بالمثاني (غافر وفصلت والشورى والزخرف والدخان والجاثية والأحقاف)؛ كلها تبدأ بالحديث عن القرآن، وتختم به، ولست بحاجة إلى تكرار إيراد الآيات، لكن سورة الزخرف يتوسطها قوله تعالى إشارة إلى القرآن: (وإنه لعلم للساعة فلا تمترن بها واتبعوني هذا صراط مستقيم(61))، وهي مرتبطة بقوله تعالى فيها: (وإنه لذكر لك ولقومك وسوف تسألون(44))، وهما مرتبطتان بأول السورة (إنا جعلناه قرآنا عربيا لعلكم تعقلون(3)). ¶ ولنمض مسرعين متجاوزين سورة محمد والفتح والحجرات لنصل إلى (ق) والذاريات وما تلاهما من السور المتواصلة الآيات، بشكل لا يمكن أن يسمح لأحد أن يدعي أنها نزلت على فترات.فإن سورة (ق) تبدأ بقوله تعالى: (ق والقرآن المجيد(1)). وتنتهي بقوله تعالى: (فذكر بالقرآن من يخاف وعيد(45)). وهكذا أخواتها؛ فالذاريات يأتي قبل ختامها قوله: (وذكر فإن الذكرى تنفع المؤمنين(55)) . والطور يأتي وسطها قوله تعالى: (فذكر فما أنت بنعمة ربك بكاهن ولا مجنون(29)). ويستمر الحجاج به إلى آخرها، ¶ وكذلك النجم، إنها كلها عن القرآن: (والنجم إذا هوى(1)ما ضل صاحبكم وما غوى(2)وما ينطق عن الهوى(3)إن هو إلا وحي يوحى(4)). والختام هو: (أفمن هذا الحديث تعجبون(59) وتضحكون ولا تبكون(60)وأنتم سامدون(61)فاسجدوا لله واعبدوا(62)). أما القمر والرحمن والواقعة فهل يستطيع أحد أن يدعي أن آياتها مقطعة؟.بل لعل النجم والرحمن تضيء الطريق إلى نهاية القرآن، وتؤكد لنا أن السور كانت تنزل كاملة متصلة البيان مترابطة البنيان، إذ كيف ننكر الإبتار والانقطاع على الإنسان ونلصقه بالرحمن، سبحان الله سبحان، عن هذا الافتراء والبهتان. إنه: (الرحمان(1)علم القرآن(2)خلق الإنسان(3)علمه البيان(4)). فالإنسان علمه الرحمن البيان، فكيف يصبح أفصح من المعلم في البيان؟.وكيف ننكر على الإنسان الانقطاع في الكلام، ونلصقه بالخالق العلام؟.وكيف يجوز علىالرحمن التقصير، ولا نجيزه من الإنسان الفقير؟. تعالى الله وسبحان، عن هذا الافتراء وهذا البهتان. إنه قول لا يليق بالغني الحميد (قل جاء الحق وما يبدئ الباطل وما يعيد) [سبأ:49].وعلى أي حال فإن كل السور تفصح عن المراد أروع إفصاح، وتجعل الموضوع بينا كالصباح، فمن تأملها تبين أن كل سورة موحدة الموضوع والقضية، موحدة الأسلوب والشخصية، موحدة البداية والغاية، متصلة الآيات بلا انقطاع حتى النهاية. ¶ ولن أستمر في الاسترسال لاستعراض السور ولبيان الموضوع والمحور، بل سأنتقل إلى دليل آخر، هو: أن أكثر السور التي تبدأ بالحديث عن القرآن تأتي باسم الإشارة المشار به إلى أنها آيات، وأن الآيات فيها جزء من آيات الكتاب.ولنبدأ من سورة يونس وهي من السور التي تركز على القرآن. فإنها تبدأ بقوله تعالى: (الر تلك آيات الكتاب الحكيم(1))، فهذه إشارة إلى آيات السورة التي هي نفسها آيات الكتاب الحكيم ولهذا جاء في آخرها (قل ياأيها الناس قد جاءكم الحق من ربكم). ¶ ولنقرأ بداية سورة هود، فإن بدايتها فيها التأكيد: (الر كتاب أحكمت آياته ثم فصلت من لدن حكيم خبير(1))، فهل الحكيم الخبير الذي فصل وأحكم الآيات يمكن أن يجعلها في السورة متفرقات؟.كلا، ولهذا جاء في آخرها إشارة إلى آيات السورة بقوله تعالى: (وجاءك في هذه الحق وموعظة وذكرى للمؤمنين(120)). ¶ وفي سورة يوسف نقرأ: (الر تلك آيات الكتاب المبين(1))، فهل الكتاب المبين يمكن أن يقطع كفل المقتسمين؟، الذين جعلوا القرآن عضين، كلا إنه منزل من رب العالمين. ولنتجاوز يوسف إلى الرعد، فإن فيها التعظيم لله والتسبيح، الذي ينزه الله عن الكلام الغير فصيح، ولنقرأ: (المر تلك آيات الكتاب والذي أنزل إليك من ربك الحق ولكن أكثر الناس لا يؤمنون(1)) واقرأوا بعدها صفات الله: (الله الذي رفع السماوات بغير عمد ترونها ثم استوى على العرش (2)). فما معنى الاستواء؟ إنه يعني (يدبر الأمر(2))، وإنه يعني: (الله يعلم ما تحمل كل أنثى وما تغيض الأرحام وما تزداد وكل شيء عنده بمقدار(8)عالم الغيب والشهادة الكبير المتعال(9) سواء منكم من أسر القول ومن جهر به ومن هو مستخف بالليل وسارب بالنهار(10)). فمن هذا شأنه، هل يجوز عليه أن يتقطع قرآنه، وأن تبتر آيات السور؟. وهل يمكن أن يتوقف قوله وبيانه على فعل الناس وهم تحت سلطانه؟. كلا، فهو الحكيم العليم، الذي يعلم الحادث والقديم، والظاهر والسر المكتوم، ولا ينتظر لإصدار حكمه فعل عبد خاضع لحكمه، بل يحكم ويقرر للأول والمتأخر، فسنته لا تتغير وحكمه لا يتأثر بمؤثر، سبحانه فه والقدر المقدر، والعليم المدبر، يعلم ما تكسب كل نفس، وهو قائم على كل نفس، وحكمه اليوم كحكمه غدا والأمس. ¶ ولننزل من الرعد إلى الحجر، فإنها للموضوع تنصر، ولنقرأ: (الر تلك آيات الكتاب وقرآن مبين(1))، لن نزيد على هذه الآية تعليقا، ففيها الدلالة لمن له عقل ودراية، ولنغادر النصف الأول من القرآن، من النصف الثاني لنجد الاستمرار في البيان؛ ها هي سورة الشعراء تعلن من هناك التأييد في البداية والمنتهى؛ (طسم(1)تلك آيات الكتاب المبين(2))؛ وسورة النمل تنظم للموكب الجميل، وتبدأ بقول الله الجليل: (طس تلك آيات القرآن وكتاب مبين(1)). ¶ لعل من الأفضل أن أتوقف عند النمل، حتى لا أكلفكم الملل، وأنتقل إلى دليل أجمل وأكمل، ففي السور السبع الخواتيم تتحول الإشارة من آيات الكتاب إلى مجمل الكتاب لتدل على أن الآيات هي الكتاب والكتاب هو الآيات، فإذا بسورة غافر تبدأ: (حم(1)تنزيل الكتاب من الله العزيز العليم(2)) ، ويأتي في الآية رقم 3: (ما يجادل في آيات الله إلا الذين كفروا فلا يغررك تقلبهم في البلاد(4)). أليس في هذا ما يؤكد أن السورة تنزل آيات، وأن السورة تسمى كتابا ولا يسمى كتابا إلا ما اكتمل وتوالى واستمر حتى يكتمل البيان واضحا مفصلا، ولهذا بدأت سورة فصلت، بما يؤكد أن تواصلت: (حم(1)تنزيل من الرحمان الرحيم(2)كتاب فصلت آياته قرآنا عربيا لقوم يعلمون(3)). فهل التفصيل والتنزيل من الرحمن الرحيم يصح عليه التقطيع والتقسيم؟. كلا، إن هذا لا يقول به إلا ذو الفهم السقيم. ¶ ولنأت إلى الشورى، لنجد فيها الوحي يترى ويتوالى: (حم(1)عسق(2)كذلك يوحي إليك وإلى الذين من قبلك الله العزيز الحكيم(3)). فهو وحي متصل في كل السور، ولكل سورة مدار ومحور، ولها بداية ومستقر، ولهذا ختمت الشورى بقوله تعالى:(وما كان لبشر أن يكلمه الله إلا وحيا أو من وراء حجاب أو يرسل رسولا فيوحي بإذنه ما يشاء إنه علي حكيم(51)). فالعزيز الحكيم في البداية هو العلي الحكيم في النهاية، وبهذه العزة والعلو والحكمة يأتي بعده: (وكذلك أوحينا إليك روحا من أمرنا ما كنت تدري ما الكتاب ولا الإيمان ولكن جعلناه نورا نهدي به من نشاء من عبادنا وإنك لتهدي إلى صراط مستقيم(52) صراط الله الذي له ما في السماوات وما في الأرض ألا إلى الله تصير الأمور(53)). فهل النور الهادي إلى الصراط المستقم، صراط الله العزيز الحكيم، يصح أن يقبل التجزؤ والتقسيم؟.كلا، وتعالى الله العلي الحكيم، ولكن زخرف الدنيا هو الذي شغلنا عن الفهم السليم؛ ¶ ولكن سورة الزخرف تنذر الغافلين فلتقرأ: (حم(1)والكتاب المبين(2)إنا جعلناه قرآنا عربيا لعلكم تعقلون(3)). فالسورة آيات في كتاب مبين ، والكتاب قرآن مقترن بعضه ببعض لمن يعقلون، ولا يمكن أن يعقل الكلام، وهو مقطع الأوصال والأقسام، كلا ولكن لا بد أن يكون كامل البيان والأحكام، رفيع المستوى والمقام، ولهذا قال الله موضحا باهتمام: (وإنه في أم الكتاب لدينا لعلي حكيم(4)). فهل هذا المقام الرفيع للكتاب إلا دليل على أنه كامل البيان بلا ارتياب؟. ولهذا فإن الغافل عن هذه الآيات والبينات من الخاسرين، (ومن يعش عن ذكر الرحمان نقيض له شيطانا فهو له قرين(36)). وعليه: فإن على الرسول وعلينا أن نكون به متمسكين، (فاستمسك بالذي أوحي إليك إنك على صراط مستقيم(43). وكيف لا وهو كما يخبرنا ربنا العليم: (وإنه لذكر لك ولقومك وسوف تسألون(44)). ¶ أما الدخان فإن للقرآن عندها شأن: (حم(1)والكتاب المبين(2)إنا أنزلناه في ليلة مباركة إنا كنا منذرين(3)فيها يفرق كل أمر حكيم(4)أمرا من عندنا إنا كنا مرسلين(5)رحمة من ربك إنه هو السميع العليم(6)). من المعروف أن الإنزال في ليلة القدر لم يكن لكل الآيات، ولكن كانت فيها البدايات، والذي نزل هو بعض السور المكونة من آيات، ولكن الله سماها كتابا، وقال إنه أنزله في ليلة مباركة مع أن الذي حدث فيها هو ظهور الإنزال ذي البركة، ولهذا فإن ليلته مباركة به، وهو مبارك بربه، وعلينا أن نعمل به، وإلا فإن قوارع العذاب لنا مرتقبة، وهذا ما ختمت السورة به: (فإنما يسرناه بلسانك لعلهم يتذكرون(58)فارتقب إنهم مرتقبون(59)). وهذه الآيات تؤكد أن بداية السورة متصلة بالنهاية. ¶ أما الجاثية والأحقاف فقد بدأت بداية متحدة الكلمات والحركات والآيات، فلها بداية موحدة تتوج كل منهما، هي: (حم(1)تنزيل الكتاب من الله العزيز الحكيم(2)). ومن الجميل أن سورة الجاثية تختم بما يشير إلى البداية بأسلوب محكم، مربوط بأولها بحرف الفاء الذي لا يفصم. (فلله الحمد رب السماوات ورب الأرض رب العالمين(36)وله الكبرياء في السماوات والأرض وهو العزيز الحكيم(37)). ثم إن العزيز الحكيم هي نفس الصفتين التي بدأت بهما آيات السورة، مما يؤكد أنها كاملة الصورة، فهل بعد هذا الربط المتين، نكون في توالي الآيات مرتابين؟! وقد قال الله رب العالمين، في سورة الجاثية لقوم يعقلون: (تلك آيات الله نتلوها عليك بالحق فبأي حديث بعد الله وآياته يؤمنون(6)). إن هذا هو الناقور، الذي يدق الأذن الموقور، والقلب المثبور: (ويل لكل أفاك أثيم(7)يسمع آيات الله تتلى عليه ثم يصر مستكبرا كأن لم يسمعها فبشره بعذاب أليم(8)وإذا علم من آياتنا شيئا اتخذها هزوا أولئك لهم عذاب مهين(9)).أليس في هذا ما يدل على أن السور كاملة الآيات؟، بينة الدلالات؟، تتلى الرسول متواليات؟، ليتلوها على الناس في كل الحالات؟، وهي تشع بالبينات، ولا ينقطع سيلها حتى تبلغ إليهم في كمال وثبات، فسبحان الله رب العالمين، الذي يهدي إلى الحق المبين، ويرسل الرسل المبلغين، ليكون الناس والجن على بينة أجمعين: (فاصبر كما صبر أولوا العزم من الرسل ولا تستعجل لهم كأنهم يوم يرون ما يوعدون لم يلبثوا إلا ساعة من نهار بلاغ فهل يهلك إلا القوم الفاسقون) [الأحقاف:35]. ¶ هذه هي السبع الخواتيم أو السبع المثاني، وهي في القرآن في النصف الثاني، تبدأ بكلمة كتاب. بينما السور التي في النصف الأول تبدأ بكلمة "تلك آيات الكتاب"؛ مما يدلنا على أن السور هي مكونة من آيات، وأن كل سورة تسمى كتاب، لنكون على علم أن السورة كاملة البيان، منظمة التبيان، متواصلة البنيان بلا انقطاع، وكيف لا ومنزلها هو الرحمن. ولقد نقول متأكدين أن السور القرآنية توصف بأنها آيات، ولم ترد فيها كلمة "الآية" المفردة إلا ويراد بها شيئا آخر غير آيات القرآن المتلوة. أعني أن كلمة "آية" التي ترد مفردة في القرآن، مثل قوله تعالى: (وإذا لم تأتهم بآية قالوا لولا اجتبيتها) [الأعراف: 103]. أو مثل قوله تعالى: (ما ننسخ من آية أو ننسها نأت بخير منها أو مثلها ألم تعلم أن الله على كل شيء قدير) [البقرة: 106]. ¶ أقول: إذا وردت هذه الكلمة، وهي كلمة "آية" بالإفراد في القرآن؛ فإن المراد بها شيئا آخر غير آيات القرآن المتلوة، ولكن لها شأنا آخر وقضية أخرى وهي قضية بالقرآن متصلة.مع العلم أن هناك بحثا كتبناه حول هذه القضية الهامة أوردناه بصورة مستقلة ومفصلة، وقد ذيلنا به هذا البحث؛ لأن له صلة به كما ذيلناه بسرد مقتضب لمواضيع سورة البقرة مستدلين بذلك على أن السور نزلت متواصلة غير مبترة.ولعل من رجع إلى ذلك في ختام هذا البحث يجد فيه ما يشفي الغليل، ويروي العليل، بعون الله الجليل. ¶ ولكني الآن سأواصل الاستدلال على أن السور نزلت كاملة المواضيع، بينة الدلالات، وسأستند إلى ما ورد في ذلك من الآيات؛ التي تؤكد أن القرآن كان يتلى آيات تتوالى وترتل على النبي وعلى الناس ترتيلا. يقول الله سبحانه لرسوله: (وإذا قرأت القرآن جعلنا بينك وبين الذين لا يؤمنون بالآخرة حجابا مستورا) [الإسراء:45]. وقال: (وكذلك أنزلناه آيات بينات وأن الله يهدي من يريد) [الحج:16]. وقال: (وإذا تتلى عليهم آياتنا بينات قال الذين لا يرجون لقاءنا ائت بقرآن غير هذا أو بدله قل ما يكون لي أن أبدله من تلقاء نفسي إن أتبع إلا ما يوحى إلي إني أخاف إن عصيت ربي عذاب يوم عظيم(15) قل لو شاء الله ما تلوته عليكم ولا أدراكم به فقد لبثت فيكم عمرا من قبله أفلا تعقلون) [يونس:98]. وقال: (طه(1)ما أنزلنا عليك القرآن لتشقى(2)إلا تذكرة لمن يخشى(3)تنزيلا ممن خلق الأرض والسماوات العلا(4)الرحمان على العرش استوى(5)له ما في السماوات وما في الأرض وما بينهما وما تحت الثرى(6)وإن تجهر بالقول فإنه يعلم السر وأخفى(7)الله لا إله إلا هو له الأسماء الحسنى(8)) [طه:1-8]. وقال: (وإذا تتلى عليهم آياتنا بينات تعرف في وجوه الذين كفروا المنكر) [الحج:72]. وقال: (لقد أنزلنا إليكم كتابا فيه ذكركم أفلا تعقلون) [الأنبياء:10]. وقد جاءت بعد قوله: (ما يأتيهم من ذكر من ربهم محدث إلا استمعوه وهم يلعبون) [الأنبياء:2]. ¶ لعلي أعلق على ما سبق من الآيات فأقول: من الواضح أن النبي كان يتلو القرآن آيات متواليات، ويبلغها سورة كاملة تشع بالبينات، فلا يمكن أن يتم بيان بكلمات مبتورات، ولا بجمل مبتسرات، تعالى الله العليم الخبير، عن هذا الوهم المبير، فهو الذي أنزل الكتاب المنير، وهو بكل شيء عليم وعلى كل شيء قدير، فلا بد أن يبين لنا بلا إرجاء، ولا بد أن يوضح الغرض بلا خفاء؛ لأنه الله خالق الأرض والسماوات العلى، وهو الله الذي على العرش استوى، وهو الذي يعلم السر وأخفى، وهو الله له الأسماء الحسنى، ولهذا فإنه يقول: (وقال الذين كفروا لولا نزل عليه القرآن جملة واحدة كذلك لنثبت به فؤادك ورتلناه ترتيلا) [الفرقان:32]. نعم إنه لم ينزله جملة، ولكنه أنزله سورا متكاملة، وكل سورة فيها الآيات تأتي أرتالا متوالية، فكل رتل يتلو الرتل حتى تكتمل السورة، وهذا هو معنى قوله (ورتلناه ترتيلا) أي جعلناه أرتالا، ورتلناه رتلا رتلا، حتى يكون بيانا يتلى، وحجة على من سمع ما يملى، ونورا لمن تدبر ووعى. ويقول الله مؤكدا أن الكتاب أنزل سورا كاملة مرتلة: (وإنه لتنزيل رب العالمين(192)نزل به الروح الأمين(193)على قلبك لتكون من المنذرين(194)بلسان عربي مبين(195)) [الشعراء]. وقال: (ولو نزلناه على بعض الأعجمين(198)فقرأه عليهم ما كانوا به مؤمنين(199)) [الشعراء]. وقال: (وإنك لتلقى القرآن من لدن حكيم عليم) [النمل:6]. وقال في آخرها: (إنما أمرت أن أعبد رب هذه البلدة الذي حرمها وله كل شيء وأمرت أن أكون من المسلمين(91)وأن أتلو القرآن فمن اهتدى فإنما يهتدي لنفسه ومن ضل فقل إنما أنا من المنذرين(92)وقل الحمد لله سيريكم آياته فتعرفونها وما ربك بغافل عما تعملون(93)) [النمل]. أما في سورة القصص فقد قال: (طسم(1)تلك آيات الكتاب المبين(2)نتلو عليك من نبإ موسى وفرعون بالحق لقوم يؤمنون(3)) [القصص]. ثم شرع في نبأ موسى وفرعون، حتى انتهى منها ثم عاد ليؤكد لنا أن القرآن يتوالى ويتلى عليه إلى آخر السورة فقال: (وما كنت بجانب الغربي إذ قضينا إلى موسى الأمر وما كنت من الشاهدين) [القصص:44]. ثم قال: (وما كنت بجانب الطور إذ نادينا ولكن رحمة من ربك لتنذر قوما ما أتاهم من نذير من قبلك لعلهم يتذكرون) [القصص:46]. ¶ فالقرآن منزل للإنذار، وهذا هو سبب الإنزال لا سبب سواه؛ لأن الله لا يرضى لعباده الكفر، ولكنه يرضى لهم الشكر، فهو الرحيم بهم، وإن شكروا ليزيدنهم، وعلى أي حال فإن الله يختم السورة بقوله: (إن الذي فرض عليك القرآن لرادك إلى معاد قل ربي أعلم من جاء بالهدى ومن هو في ضلال مبين(85) وما كنت ترجوا أن يلقى إليك الكتاب إلا رحمة من ربك فلا تكونن ظهيرا للكافرين(86)ولا يصدنك عن آيات الله بعد إذ أنزلت إليك وادع إلى ربك ولا تكونن من المشركين(87)) [القصص]. فالقرآن والكتاب آيات تنزل وتفرض ولا يمكن أن تقطع وتقرض، والقرآن والكتاب سور منزلة بلسان عربي مبين، ولا يمكن أن نجعل القرآن عضين، وكيف لا والله يقول: (ولقد آتيناك سبعا من المثاني والقرآن العظيم) [الحجر:87]. إلى أن يقول: (كما أنزلنا على المقتسمين(90)الذين جعلوا القرآن عضين(91)فوربك لنسألنهم أجمعين(92)عما كانوا يعملون(93)) [الحجر]. ¶ فيا أيها المسلمون لا تكونوامن هؤلاء المقتسمين، فإنكم ستسألون عما تزعمون، وإنه لقسم من رب العالمين، ألم تسمعوه في هذه الآيات بشكل حازم مبين؟؟. ثم تعالوا إلى سورة العنكبوت لتجدوا الله الذي بيده الملكوت يقول عمن يتعنت ويدعي من المكذبين: (وقالوا لولا أنزل عليه آيات من ربه قل إنما الآيات عند الله وإنما أنا نذير مبين(50)أولم يكفهم أنا أنزلنا عليك الكتاب يتلى عليهم إن في ذلك لرحمة وذكرى لقوم يؤمنون(51)). فالكتاب هو المنزل آيات متوالية تتلى، والله شهيد على ذلك وعنده العلم بما أنزله وبما يتلى، وهو الذي يعلم السر وأخفى، وبعلمه المحيط بكل شيء أنزل الكتاب لنهتدي، فقال: (الم(1)تنزيل الكتاب لا ريب فيه من رب العالمين(2)أم يقولون افتراه بل هو الحق من ربك لتنذر قوما ما أتاهم من نذير من قبلك لعلهم يهتدون(3)) [السجدة]. ثم إن هذا الإنزال من رب العالمين، من هو رب العالمين؟.(يدبر الأمر من السماء إلى الأرض ثم يعرج إليه في يوم كان مقداره ألف سنة مما تعدون(5)ذلك عالم الغيب والشهادة العزيز الرحيم(6)الذي أحسن كل شيء خلقه وبدأ خلق الإنسان من طين(7)) [السجدة]. إذن فالكتاب منزل من عالم الغيب والشهادة الذي أحسن كل شيء خلقه.فهل من هذه صفته يمكن أن ينزل ما لا نفهمه، فيقطع الإنزال تبعا لما نعمله؟.كلا، بل هو ينزل الآيات للبيان، وبأسلوب كامل الإحسان، إنه يبين ما لا نفهم وما لا نعلم؛ لأنه يعلم ما لا نعلم.فهل يمكن أن ينزل البيان بأسلوب مقسم لا يبين ولا يفهم؟.كلا، وتعالى الله ربنا الأكرم، الذي علم بالقلم، علم الإنسان ما لم يعلم. فلتكن من المؤمنين الذين قال الله عنهم: (إنما يؤمن بآياتنا الذين إذا ذكروا بها خروا سجدا وسبحوا بحمد ربهم وهم لا يستكبرون) [السجدة: 15]. ¶ إذا فالقرآن كامل البيان، منزل بإحسان وبإتقان يليق بالرحمن. وليس أسلوبا بشريا يعجز عن البيان، ولا شعرا يتبع الأوزان ويتيه في الوديان، يقول ما لا يفعل، وعن التناقض يغفل، كلا بل هو مستقيم لا اختلاف فيه، ولا الباطل يأتيه: (وما علمناه الشعر وما ينبغي له إن هو إلا ذكر وقرآن مبين(69)لينذر من كان حيا ويحق القول على الكافرين(70)) [يس]. وإذا كان كذلك فإن الكفار يضيقون به، ويفرون من إسماع من يشع به؛ (وقال الذين كفروا لن نؤمن بهذا القرآن ولا بالذي بين يديه) [سبأ:31]. (وقال الذين كفروا لا تسمعوا لهذا القرآن والغوا فيه لعلكم تغلبون) [فصلت: 26]. إن هذا يؤكد أن الرسول كان يتلو قرآنا مؤثرا، وبيانا مثيرا، ويرتل ذكرا منيرا، ولا يستبين الإثر والإثارة والنور والإنارة إلا من آيات متوالية مرتلة ترتيلا، وبيان بالنور يتلألأ، وذكر مكتمل اكتمالا، فالكافرون أمامه يرتجفون هزالا، ويلحدون عجزا وخبالا؛ (إن الذين يلحدون في آياتنا لا يخفون علينا أفمن يلقى في النار خير أم من يأتي آمنا يوم القيامة اعملوا ما شئتم إنه بما تعملون بصير) [فصلت: 40]. ¶ وإذن فإن الذين يدعون تقطيع التنزيل لأسباب النزول إنما هم أناس مخابيل مهازيل، وهم لا يخفون على الله الجليل، وإن كل واحد منهم لمسئول عما يقول، يوم يقول الرسول: (يارب إن قومي اتخذوا هذا القرآن مهجورا) [الفرقان:30]. وكيف لا وهم قوم جعلوا القرآن أباطيل، وحولوه إلى أقاويل، تسيء إلى الله الجليل، الذي يقول: (إن الذين كفروا بالذكر لما جاءهم وإنه لكتاب عزيز(41) لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد(42)) [فصلت]. فهم جديرون بأن يسألوا عما قالوا وعما عملوا، فالله يقول لهم وللرسول وهم لم يسمعوه ولم يعقلوا: (فاستمسك بالذي أوحي إليك إنك على صراط مستقيم(43)وإنه لذكر لك ولقومك وسوف تسألون(44)) [الزخرف]. ¶ ويقول عن هذا القرآن بأنه علم ليوم الامتحان: (وإنه لعلم للساعة فلا تمترن بها واتبعوني هذا صراط مستقيم(61) ولا يصدنكم الشيطان إنه لكم عدو مبين(62)) [الزخرف]. بل إنه يؤكد في أول السورة أن القرآن مكتمل البيان، وأنه رفيع المقام، وأنه للعقلاء إمام: (حم(1)والكتاب المبين(2)إنا جعلناه قرآنا عربيا لعلكم تعقلون(3)وإنه في أم الكتاب لدينا لعلي حكيم(4)) [الزخرف]. إنه في مقام عظيم، وإنه رفيع حكيم، عند العلي العظيم، ولدى العليم الحكيم، فهل من هذا حاله يكون منزلا بأسلوب سقيم، لا يفهمه ذو الفهم السليم؟.كلا، (أفلا يتدبرون القرآن أم على قلوب أقفالها) [محمد: 24]. (أفلا يتدبرون القرآن ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا) [النساء: 82]. والتدبر لا يتم إلا بقرآن متوالي الآيات، متواتر البينات، مكتمل الحلقات، بعضه يدعم بعض ويفسر، وأوله متصل بالآخر؛ لأنه من الله القادر. وكيف لا وهو يقول في سورة القمر، معلنا للناس بلاغا يتكرر: (ولقد يسرنا القرآن للذكر فهل من مدكر(17)). ويقول في سورة الجاثية: (هذا بصائر للناس وهدى ورحمة لقوم يوقنون(20)). ويقول فيها: (تلك آيات الله نتلوها عليك بالحق فبأي حديث بعد الله وآياته يؤمنون(6)). ¶ لعل هناك من سيقول أني أكرر الآيات في هذا البحث. ولكن إذا تكررت فلكل موضع ترد فيه مقام ومعنى تدل عليه، فآيات الله تشع بأوسع الحجج، فلا عيب في تكرارها ولا حرج؛ ولهذا فإني أواصل إيراد الأدلة والحجج، ففيها النور الأبلج، فالموضوع يستدعي المزيد، وهو مبسوط لمن يريد، ومن ضاق بالتطويل، فليس عليه تعويل، ولكني متأكد أن من أراد الحق اليقين، فلا بد أن يصبر ويكون من المدكرين. ولهذا فإني أذكركم بقوله تعالى في سورة "ص" في الآية 29: (كتاب أنزلناه إليك مبارك ليدبروا آياته وليتذكر أولوا الألباب)، ومثل هذه الآية وردت كثيرا بزيادة فيها أو نقصان، ولكنها كلها تدعوا الإنسان إلى التدبر والتذكر ليكون من عباد الرحمن، وليكون من أولي العلم والإيمان (إنما يخشى الله من عباده العلماء).وعلى أي حال فالله يقول في آل عمران مؤكدا أن القرآن نزل آيات للبيان: (هو الذي أنزل عليك الكتاب منه آيات محكمات هن أم الكتاب وأخر متشابهات فأما الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله وما يعلم تأويله إلا الله) أي ما يعلم مآل ما جاء فيه من الوعد والوعيد ومن أحكام العبادة للعبيد، إلا الله؛ لأنه يعلم ما كان وما يكون، وله الأولى والأخرى، فمن أيقن بالقرآن فهو ممن يقول عنهم: (والراسخون في العلم يقولون آمنا به كل من عند ربنا وما يذكر إلا أولوا الألباب)، هكذا هو موقفهم الإيمان المطلق والتسليم بالآيات ممن يعلم ما خلق، ولهذا فهم يدعونه بقوله: (ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا وهب لنا من لدنك رحمة إنك أنت الوهاب)، ثم يؤمنون بلقاء الله يوم الحساب فيقول: (ربنا إنك جامع الناس ليوم لا ريب فيه إن الله لا يخلف الميعاد) [آل عمران: الآيات7و8و9]. ¶ إنه كتاب كامل متكامل، إنه آيات محكمات، إنه آيات متشابهات، وعلينا أن نتأمل ما جاء من الله الوهاب لنكون من الراسخين في العلم ونكون من أولي الألباب. وهذا هو الذي يجعلنا نوقن أن القرآن أنزل سورا لا انقطاع ولا تفريق؛ لأن هذا هو الذي بالله يليق، وكيف لا وقد قال: (الله نزل أحسن الحديث كتابا متشابها مثاني تقشعر منه جلود الذين يخشون ربهم ثم تلين جلودهم وقلوبهم إلى ذكر الله ذلك هدى الله يهدي به من يشاء ومن يضلل الله فما له من هاد ) [الزمر:23]. إنه كتاب متشابه، أي أن آياته يشبه بعضها بعضا، ويدعم بعضها بعضا، فلا اختلاف فيها ولا باطل يأتيها، لا من بين يديها ولا من خلفها، ولهذا فإنه مثاني ينعطف بعضه على بعض، ويسند أوله أواخره، ويستوي باطنه وظاهره؛ ولهذا تقشعر منه جلود الذين يخشون ربهم ثم تلين جلودهم وقلوبهم، هؤلاء هم الذين على هدى من ربهم، وهؤلاء هم الذين يؤمنون بأن القرآن لم ينزل قطعا لا تفهم، ومزقا لا تعلم؛ بل بيان واضح يهدي ويكشف الظلم، ونور يهتدي به من هداه الله الأكرم. لكنه على المقتسمين، الذين جعلوا القرآن عضين، عمى، بل يزيدهم عمى طامس، ويجعل نفوسهم كالليل الدامس، إنهم لا يعقلون ولا يعون، ولا يتدبرون القرآن ولا يسمعون: (أولئك كالأنعام بل هم أضل أولئك هم الغافلون). ¶ وبعد فهل لي أن أزيد من الآيات ما يؤيد ما ذهبت إليه؟؟سأكتفي بما ورد منها وما تبقى منها فإنها تدل عليه، لكني سأنتقل إلى دليل آخر، يؤيد ما ذهبت من أن الإنزال كان بكامل السور - ذلك هو البسملة- أي ابتداء كل سورة بآية: (بسم الله الرحمن الرحيم). ألم يقل رسول الله: "إن كل أمر ذي شأن لا يبدأ بإسم الله فهو أبتر"، أو كما قال صلى الله عليه وآله وسلم. وإن هذا القول ليس إلا أدبا من أدب ربه الذي أدبه، وعلمه من علم ربه الذي علمه. وإذا كان الأمر كذلك فهل يعقل أن يكون الله المعلم الأول، والذي للرسول أرسل، وإليه كتابا انزل، هل يعقل أن يكون الله غير ملتزم بهذا الأدب الجميل، وهذا الأسلوب الجليل؟.كلا، وكيف لا ونحن نقرأ في القرآن الكريم رسالة سليمان إلى ملكة سبأ وهي رسالة لم تتجاوز بضع كلمات، لكنها بدأت بنفس الآية فلنقرأها: (باسم الله الرحمان الرحيم(30)ألا تعلوا علي وأتوني مسلمين(31)) [النمل]. ونقرأ في القرآن أيضا قولا لنوح لعيه السلام، لقوله عند ركوب السفينة: (وقال اركبوا فيها باسم الله مجراها ومرساها إن ربي لغفور رحيم) [هود: 41]. بل إنه بأمر الله في موضع آخر بقوله: (فإذا استويت أنت ومن معك على الفلك فقل الحمد لله الذي نجانا من القوم الظالمين(28)وقل رب أنزلني منزلا مباركا وأنت خير المنزلين(29)) [المؤمنون]. ¶ نعم إذا كان هذا هو شأن الله وشأن رسله الكرام في كل أمر وشأن، فكيف يمكن أن ينزل الله قرآنا على رسوله محمد بدون أن يبدأه باسم الله ويختمه به؟. يعني أننا لو سلمنا أن هناك آية نزلت في وسط سورة وكانت هذه الآية أو الآيات منفردة عما قبلها وعما بعدها من آيات السورة؛ فإن معنى هذا أنها نزلت بدون بسملة وبدون ذكر اسم الله وهذا لا يليق بالله ولا برسوله ولا بجبريل الذي يتنزل على الرسول بالقرآن. إن التخلي عن هذا الأدب الرباني لا يليق بالله رب العالمين. وإذن فإن السور كانت تنزل كاملة وتبدأ بالبسملة، بل وتكرر البسملة في كل سورة منزلة؛ ليتضح للناس أن البسملة أمر هام، لا بد أن تبدأ به كل المهام؛ ولهذا فإن القرآن قد أكد هذا للإنسان، بمختلف البيان، بل إن أول سورة نزلت كما عرفنا قد بدأت باسم الله بالإضافة إلى البسملة المعهودة تلك هي سورة العلق: (اقرأ باسم ربك الذي خلق(1)خلق الإنسان من علق(2)اقرأ وربك الأكرم(3)الذي علم بالقلم(4)علم الإنسان ما لم يعلم(5)). حتى لقد علمنا الله أن نذكر اسمه في كل ما نعمله حتى في القتال والتجارة: (ياأيها الذين آمنوا إذا لقيتم فئة فاثبتوا واذكروا الله كثيرا لعلكم تفلحون) [الأنفال:45]. (فإذا قضيت الصلاة فانتشروا في الأرض وابتغوا من فضل الله واذكروا الله كثيرا لعلكم تفلحون) [الجمعة:10]. ¶ فالفلاح مرهون بذكر الله في كل حال، والصلاح مترتب على ذكر الله بلا ملال، حتى مع نحر الأنعام في كل مكان، وفي صيد الحيوان أوجب الله ذكر اسمه على كل إنسان: ¶ (ولكل أمة جعلنا منسكا ليذكروا اسم الله على ما رزقهم من بهيمة الأنعام فإلهكم إله واحد فله أسلموا وبشر المخبتين) [الحج: 34]. (والبدن جعلناها لكم من شعائر الله لكم فيها خير فاذكروا اسم الله عليها صواف فإذا وجبت جنوبها فكلوا منها وأطعموا القانع والمعتر كذلك سخرناها لكم لعلكم تشكرون) [الحج:36]. فالأكل الحلال مرهون بذكر اسم الله ذي الجلال. ولست بحاجة إلى مزيد من الآيات التي توجب ذكر اسم الله في كل الأعمال والمهمات وإذا كان الأمر كذلك في مهمات الدنيا وأعمال الناس العادية؛ فكيف يصح أن ينزل جبريل بالوحي من الله الجليل ثم يحمل آيات من سورة أو آية واحدة، مبتورة من ذكر اسم الله، مقطوعة من أي بداية بالبسملة؟. ¶ إن هذا قول واهم، وزعم داهم، وظن ظالم، لا يليق بالله العليم الحكيم، ولا ينسجم مع شرف القرآن الكريم، ولا يتفق مع أدب الله لرسوله الكريم، الذي علمه ربه الخلق العظيم، وجعله على صراط مستقيم. إذن فالسور كانت تنزل كاملة، مبدوءة بالبسملة، متوالية آياتها إلى آخرها متواصلة، لا تنقطع عند آية، ولا تتوقف عند فاصلة، حتى تنتهي السورة بينة متكاملة، موضحة للموضوع مفصلة، وهذه هي الصفات التي وصف الله بها آياته البينات: (حم(1)تنزيل من الرحمان الرحيم(2)كتاب فصلت آياته قرآنا عربيا لقوم يعلمون(3)) [فصلت]. (الر كتاب أحكمت آياته ثم فصلت من لدن حكيم خبير) [هود:1]. (ولقد جئناهم بكتاب فصلناه على علم هدى ورحمة لقوم يؤمنون) [الأعراف:52].ولهذا فإن القرآن يقرأ متواصل الآيات، مرتل الفقرات، وعلى من يسمعه أن يصغي ليستبين البينات، وينال من ربه الرحمات، ولقد كان النبي يقرأ على الناس سورا ليتضح لهم البيان ولعلهم يعقلون، ولهذا خاطبهم الله فقال على لسان رسوله الذي يقرأ ما يوحى إليه: (قل إنما أتبع ما يوحى إلي من ربي هذا بصائر من ربكم وهدى ورحمة لقوم يؤمنون) ثم يقول: (وإذا قرئ القرآن فاستمعوا له وأنصتوا لعلكم ترحمون) [الأعراف:203- 204].ولكي يؤكد الله أن ذكر اسمه هو الواجب الذي يجب على الرسول التمسك به مع من اتبعه يختم السورة بذكر اسمه فيقول: (واذكر ربك في نفسك تضرعا وخيفة ودون الجهر من القول بالغدو والآصال ولا تكن من الغافلين) [الأعراف:205]. ¶ وكيف لا يكون هذا هو مسلك الرسول المبلغ، ومتمسك الإنسان المبلغ (بفتح اللام)، وهو خلق الملائكة الذين يتنزلون بوحي الله، ويعملون ما يأمرهم به الله، (إن الذين عند ربك لا يستكبرون عن عبادته ويسبحونه وله يسجدون) [الأعراف:206].فالعبادة الحقيقية لله هي في ذكر اسمه في كل حال بلا سأم ولا ملال، وهي التسبيح والسجود والاستماع والإنصات لقول الله المعبود، والعمل به في كل عمل خفي ومشهود، فهو مذكور مشكور محمود، في كل حال وحين إلى اليوم الموعود. فكيف لا يتنزل القرآن مبدوءا باسمه؟ وكيف يصح أن تنزل الآيات مبتورة من ذكر الله غير مبدوءة بالبسملة؟كلا إن هذا لا يقوله إلا الجهلة. ¶ أكتفي بهذا لأنتقل إلى قضية أخرى تعزز ما أقوله في الموضوع، وتدمغ كل حديث وقول موضوع، أما القضية فهي ما أمليه عليكم من آيات بينات، تؤكد أن أسباب النزول ليست إلا رؤيات افتعلها الناس، وليس من الأمر أساس، وإنما هو من شر الوسواس الخناس، وأنا أدعوك معي يا أخي القارئ أن نقرأ معا أمام ذلك: (قل أعوذ برب الناس(1)ملك الناس(2)إله الناس(3)من شر الوسواس الخناس(4)الذي يوسوس في صدور الناس(5)من الجنة والناس(6)) [سورة الناس]. إنك تعلم أن هذه السورة هي آخر سور القرآن، وأن الله قد ذكر فيها ثلاثة من أسمائه الحسنى للاستعاذة به من هذا الشر الذي لا ترتضي به، إنها الأسماء: "رب الناس/ ملك الناس/ إله الناس". فالرب هو المدبر المقدر، والملك هو العلام المقتدر، والإله هو المعبود المتكبر، به وبأسمائه هذه علمنا أن نستعيذ من "الوسواس الخناس.."الخ الآيات، إن هذا هو عدو الإنسان الأول والأخطر، وهو الذي يجعله يكفر ويستكبر، ويفتري الكذب على الله ولا يفتر، فالوسواس هو الذي أخرج آدم من الجنة وهو الذي طوع لابن آدم قتل أخيه، وهو الذي سول لإخوة يوسف تشريد أخيهم بعد أن قرروا قتله. وهو الذي سول لكل المشرقين والمسرفين تكذيب الرسل والكفر بما أنزل وتفريق الناس شيعا، وتقطيع الدين قطعا، وتقسيم الوحي مزقا، (فتقطعوا أمرهم بينهم زبرا كل حزب بما لديهم فرحون (53)فذرهم في غمرتهم حتى حين(54)) [سورة المؤمنون]. فهم بالخير لا يشعرون، فدعهم يلوكون المزاعم سادرين، وتعال معي إلى الحق المبين، لنكون معا ممن قال عنهم الله رب العالمين: (إن الذين هم من خشية ربهم مشفقون(57)والذين هم بآيات ربهم يؤمنون(58)والذين هم بربهم لا يشركون(59)والذين يؤتون ما آتوا وقلوبهم وجلة أنهم إلى ربهم راجعون(60)أولئك يسارعون في الخيرات وهم لها سابقون(61)) [سورة المؤمنون]. ¶ نعم إن الوسواس الخناس هو الذي جعل الناس يتقطعون الأمر بينهم زبرا، ويجعلون القرآن قراطيس يبدونها ويخفون كثيرا، إن هؤلاء هم الذين يقول الله عنهم لرسوله: (إن الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعا لست منهم في شيء إنما أمرهم إلى الله ثم ينبئهم بما كانوا يفعلون) [الأنعام: 159]. لقد أملى عليهم الهوى الانحياز للقبلية العمياء، والعودة إلى الجاهلية الجهلاء، فإذا بهم يسخرون الآيات لنصر قبائلهم وقبليتهم، ويستخدمون التنزيل لتأصيل جاهليتهم، فإذا الله يذم فلانا ويمدح فلانا، ويهجو القبيلة الفلانية ويمدح العشيرة الفلانية، وكان الله شاعر من شعراء الجاهلية يمدح حين يرضى، ويهجو حين يؤذى، ويخص فلانا بما يرضاه وبما يعتز به بين قومه، ويصب على فلان سوط كلام يذل به بين أهله وقومه، كلا إن الله ليس منحازا لقبيلة أو عشيرة؛ ولكنه الله الذي له كل الخلق عبيد، وهو المدبر لكل موجود، وهو الغفور الودود، ذو العرش المجيد، فعال لما يريد؛ (إن كل من في السماوات والأرض إلا آتي الرحمان عبدا). ¶ وإن العبودية لله هي الوسام الذي يفرح به عباد الله، وهي الرحمة والفضل الذي يفرح به أولوا الألباب، الذين انفصلوا عن القبيلة والعشائرية والأنساب، وانحازوا إلى ربهم الوهاب؛ فكانوا له عبيدا وكل له أواب، وإليه المرجع والمآب، وعلى هداه يسيرون إلى السلام، ويحملون الحب والسلام للأنام، بلا عصبية للأقوام، ولا عبودية للطغاة والطغام، وبلا خضوع للظالمين، ولا ذلة للمستكبرين، بل عزة رب العالمين، مؤمنين بقوله المبين: (من كان يريد العزة فلله العزة جميعا إليه يصعد الكلم الطيب والعمل الصالح يرفعه والذين يمكرون السيئات لهم عذاب شديد ومكر أولئك هو يبور) [فاطر: 10]. إن الكلم الطيب هو مهوى المؤمنين الطيبين المنحازين لرب العالمين، وإن العمل الصالح هو المهتدي بالقرآن المبين، واليقين بأنه منزل مرتل الآيات كامل السور وليس عضين.إن من قسموا الآيات على أسابب نزول مزعومات، هم من الذين يمكرون السيئات، فلا تعجل على أعمالهم الماكرات، فالله يخصهم بقوله المنير: (لهم عذاب شديد ومكر أولئك هو يبور). ¶ قد يقول قائل: هل أنت تنكر أسباب النزول، وكل العلماء بها يقول؟.وأقول على هذا التساؤل: إن الذي أنكره هو الأسباب المدعاة التي وصفها المنافقون ليجعلوا الآيات للأهواء تابعة، ومن ردود فعل لدى الله نابعة، ويجعلون الله يتأثر بأدنى واقعة، فينزل آية مسرعة، لتهدأ النفوس المتنازعة، لقد جعلوه كأنه رئيس حي شعبي أو عاقل جمع قروي، أو ربع بدوي، يتنازع الأفراد، فيأتيهم بالقول المراد، ويحتار المختصمون، فيفكر لهم في مخرج مما يحتارون، فيصيب أحيانا فيرضون، ويخطئ فلا يرضون، هكذا جعلوا الله رب العالمين، تعالى عن ذلك علوا كبيرا، بل هو الله الذي لا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء، ويعلم السر وأخفى، وهو الذي له الحكم وله الخلق والأمر، وكل شيء به مسير مدبر، فكيف ينفعل بحدث عارض ويتأثر، كلا إن هذا قول لا يقوله إلا كافر جاهل ربه العليم القادر، مستهزئ بالقرآن الذي ينير البصائر، وبالرسول الذي أرسل بالبيان الباهر. ¶ نعم أنا أنكر هذه الأسباب التافهة التي لا تليق بالله ولا برسله ولا بالملائكة، إنها أسباب لفقها المنافقون، وابتدعها المتنازعون على الدنيا؛ ليجعلوا من القرآن لهم سندا ، وليسخروا الوحي لأطماعهم ملتحدا. لقد استهزأوا بالله وآياته ورسله، وارتكبوا البهتان، وافتروا بإمعان، في البينات المنزلة فكانوا شر قوم كاذبين، وأضر على الدين من الكافرين. فليحذر العقلاء من مكرهم، وليتنبه أولوا الألباب من كيدهم، فإن الله أجل وأسمى من أن يجعل القرآن تبعا للغوهم، ومثارا لترهاتهم. ¶ وبعد فإن إنكاري لأسباب النزول المفتراة لا يعني إنكاري لأسباب نزوله المقررة، لقد قرر الله أن أنزال القرآن له أسباب لديه لا تتغير، وله منابع عنده لا تتأثر، بل هي أسباب دائمة لازمة، ومقدرة مقررة مع كل أمة. فهو الذي بعباده الرحيم، وهو الذي بهم العليم، وهو الذي يرسل الرسل إليهم للإنذار من العذاب الأليم، وللتبشير بالنعيم المقيم. فكل حياة الإنسان بل رسل في خسران، وأن سلوكه بدون هدى الله يكتسي بالطغيان، وأن سعيه بدون الذكر المبين يتردى في العدوان، فإذا حياة الناس صراع وخراب، وإذا أعمالهم هباء وسراب، وطريقهم في ظلمات وارتياب، وبهذا تفسد الدنيا ويفسد المآب، ويسقطون جميعا في نار العذاب، والله لا يرضى لعباده الفساد والكفر، ولكنه يحب منهم الصلاح والشكر، ويرضى لهم نعمة الإسلام، ويأبى لهم الاعوجاج عن سبيل السلام؛ لهذا يرسل الرسل تترى، وينزل الكتب تتلى، وينزل معهم الحق والميزان، ليقوم الناس بالقسط ولا يطغوا في الميزان، وبهذا نجد الأدلة واضحة البيان، متلألئة في ثنايا القرآن، فلنقرأ قوله تعالى في سورة الفرقان: (تبارك الذي نزل الفرقان على عبده ليكون للعالمين نذيرا) [الفرقان:1]. ¶ إن السبب في إنزال الفرقان على عبده محمد هو سبب دائم، مع كل رسول يتجدد، إنه كما يقول: (للعالمين نذيرا)، وإذا كان نذيرا للعالمين؛ فهل هم الذين كانوا له معاصرين؟، وهل هم أولئك النفر القليل من المجاهدين؟.كلا، إنه نذير للعالمين المعاصرين واللاحقين إلى يوم الدين؛ولهذا يقول في سورة الجمعة: (يسبح لله ما في السماوات وما في الأرض الملك القدوس العزيز الحكيم(1) هو الذي بعث في الأميين رسولا منهم يتلو عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة وإن كانوا من قبل لفي ضلال مبين(2)وآخرين منهم لما يلحقوا بهم وهو العزيز الحكيم(3)ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم(4)). فالرسول مبعوث في الأميين من قومه المعاصرين، ليحملوا هذا الكتاب هم ومن يلحق بهم من الآخرين، نعم ليحملوه خلفا عن سلف إلى العالمين، من ذلك اليوم إلى يوم الدين. ¶ بل إن هذا الكتاب قد نزل من قبل محمد، ومن قبل هؤلاء الأميين، وكان ذلك هو التوراة المنزل كتابها على موسى وعلى قومه ليحملوه إلى كل أمة ، هدى للناس ورحمة. لكنهم لم يحملوا هدى ربهم، ولم يشكروا فضل الله عليهم، ولهذا حذرنا من مصيرهم، ومن الاتصاف بصفتهم فقال ممثلا بمثل يليق بهم، وبمن تخلى عن المهمة بعدهم: (مثل الذين حملوا التوراة ثم لم يحملوها كمثل الحمار يحمل أسفارا بئس مثل القوم الذين كذبوا بآيات الله والله لا يهدي القوم الظالمين) [الجمعة: 5].وإذن فالله من شأنه أن يرسل المرسلين مبشرين ومنذرين، وأن ينزل معهم الكتاب والميزان للناس أجمعين، ولقد قال: (لقد أرسلنا رسلنا بالبينات وأنزلنا معهم الكتاب والميزان ليقوم الناس بالقسط) [الحديد: 25].وقال عقب ذلك: (ولقد أرسلنا نوحا وإبراهيم وجعلنا في ذريتهما النبوة والكتاب فمنهم مهتد وكثير منهم فاسقون) [الحديد: 26]؛ ولأن كثير منهم فاسقون كان لا بد أن تتوالى الرسل والكتب المنزلة، ولهذا قال: (ثم قفينا على آثارهم برسلنا وقفينا بعيسى ابن مريم وآتيناه الإنجيل وجعلنا في قلوب الذين اتبعوه رأفة ورحمة ورهبانية ابتدعوهاما كتبناها عليهم إلا ابتغاء رضوان الله فما رعوها حق رعايتها فآتينا الذين آمنوا منهم أجرهم وكثير منهم فاسقون) [الحديد: 27]. ¶ ولنفس السبب الذي أرسل الله به الرسل الأولين؛ أرسل محمدا خاتم النبيين، ولهذا قال بعد ذلك: (ياأيها الذين آمنوا اتقوا الله وآمنوا برسوله يؤتكم كفلين من رحمته ويجعل لكم نورا تمشون به ويغفر لكم والله غفور رحيم) [الحديد: 28]. ولأن إرسال الرسل فضل من الله على الأولين والآخرين، ولأن الأولين لم يؤمنوا ولم يثقوا بما جاءهم من الكتاب؛ فإن الله نزع منهم الفضل الذي أعطى ، وجعله فيمن آمن بمحمد واتقى، ولن يستطيع أحد أن ينزع ما أعطى، ولهذا قال: (لألا يعلم أهل الكتاب ألا يقدرون على شيء من فضل الله وأن الفضل بيد الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم) [الحديد: 29]. وإذا كان هذا هو شأن الله ذي الفضل العظيم؛ فإن أسباب النزول أمر مستديم؛ وأن إرسال الرسل صراط مستقيم، شاءه الله للبشر رحمة من ربهم الرحيم، ألم يعدنا بذلك منذ بداية الحياة ومنذ أن هبط آدم إلى الأرض مستخلفا فيها بأمر الله؟. لقد قال لآدم وزوجه معا: (قلنا اهبطوا منها جميعا فإما يأتينكم مني هدى فمن تبع هداي فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون(38)والذين كفروا وكذبوا بآياتنا أولئك أصحاب النار هم فيها خالدون(39)) [سورة البقرة]. ولأن الهدى للعالمين؛ فإن الله يأمر بني إسرائيل أن يؤمنوا بما أنزله الله على خاتم النبيين؛ لأنه نفس ما جاءهم مع الرسل الأولين، فاسمعوه يقول بلسان مبين: (يابني إسرائيل اذكروا نعمتي التي أنعمت عليكم وأوفوا بعهدي أوف بعهدكم وإياي فارهبون (40)وآمنوا بما أنزلت مصدقا لما معكم ولا تكونوا أول كافر به ولا تشتروا بآياتي ثمنا قليلا وإياي فاتقون (41)) [سورة البقرة]. فهم قد طال عليهم العمر؛ فلا بد أن يؤمنوا بما أنزله الله على رسوله يبشر وينذر، وهكذا هو شأن الله مع كل البشر، وفي كل عصر ومقر، إنه يرسل من يبشر وينذر؛ لينقذ الناس من سقر، وهو عليهم بما ينزل، وهداه وشأنه لا يتحول: (قل من كان عدوا لجبريل فإنه نزله على قلبك بإذن الله مصدقا لما بين يديه وهدى وبشرى للمؤمنين(97)) [سورة البقرة]. ولهذا فعلى الناس أن يؤمنوا بكل الرسل وبكل ما لهم أنزل، وأول هؤلاء المؤمنون هم أسل: (آمن الرسول بما أنزل إليه من ربه والمؤمنون كل آمن بالله وملائكته وكتبه ورسله لا نفرق بين أحد من رسله وقالوا سمعنا وأطعنا غفرانك ربنا وإليك المصير(285)) [سورة البقرة]. ¶ وهكذا تنتهي السورة الأولى بهذا الإعلان الأزلي الأعلى؛ وبمثل هذا تبدأ آل عمران: (الم(1)الله لا إله إلا هو الحي القيوم(2)نزل عليك الكتاب بالحق مصدقا لما بين يديه وأنزل التوراة والإنجيل(3)من قبل هدى للناس وأنزل الفرقان إن الذين كفروا بآيات الله لهم عذاب شديد والله عزيز ذو انتقام(4)). وكيف لا ينزل هذه الكتب المتوالية علينا، وهو الله العليم بحالنا: (إن الله لا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء(5)هو الذي يصوركم في الأرحام كيف يشاء لا إله إلا هو العزيز الحكيم(6)) [سورة آل عمران]. ¶ إنه يصورنا في الأرحام على أحسن تقويم، فكيف لا يهدينا على الأرض إلى صراط مستقيم؟، وكيف لا يرسل الرسل وينزل الكتب وهو الحي القيوم؟، إن هذا شأنه مع عباده وهو بهم رحيم، فلا سبب للإنزال إلا علمه بحاجة الناس إلى الهدى، وإلا رحمته التي وسعت كل شيء وهو يكتبها لمن اتقى. فماذا نبحث للآيات عن أسباب تدعوها، ولماذا نجعل الله يتأثر بحوادث صغيرة لا يعبأ بها، وهو الغني عن العالمين؛ (قل ما يعبأ بكم ربي لولا دعاؤكم فقد كذبتم فسوف يكون لزاما(77)) [سورة الفرقان]. ولكن الله الذي لا يعبأ بالجاهلين، فإنه يرحمهم ويرسل لهم المرسلين؛ ولهذا نجد السورة التالية للفرقان تحفل بعدد من الرسل تتوالى بالبرهان، ولكن الله لا يفتقر إلى الناس لكي يكونوا مؤمنين، بل هم الفقراء إليه ليكونوا مؤمنين؛ ولهذا فإنه يبدأ سورة الشعراء بالإشارة إلى آيات الكتاب المبين: (طسم(1)تلك آيات الكتاب المبين(2)).فهو آيات وهو مبين، ومن لم يتبين ومن لم يؤمن فإن الله لا يعبأ به ولا يسجيب لمطالبه، ويدعه لما اختاره من ذنبه، ولهذا فإنه لرسوله ينبيه فيقول: (لعلك باخع نفسك ألا يكونوا مؤمنين(3)) [سورة الشعراء]. فلا تتعب ولا تهلك نفسك، فما عليك إلا تبليغ ما أوحي لك، ولو شاء الله لأنزل آية ولكنه يكتفي بأنه أرسلك بالكتاب وبه كلفك؛ (إن نشأ ننزل عليهم من السماء آية فظلت أعناقهم لها خاضعين(4)) [سورة الشعراء]. ¶ وما داموا كذبوا وللآيات طلبوا، فإنهم سينالون ما كسبوا (فقد كذبوا فسيأتيهم أنباء ما كانوا به يستهزئون(6)) [سورة الشعراء]. ثم يحيلهم إلى الآيات في الأرض حولهم: (أولم يروا إلى الأرض كم أنبتنا فيها من كل زوج كريم(7)إن في ذلك لآية وما كان أكثرهم مؤمنين(8)وإن ربك لهو العزيز الرحيم(9)) [سورة الشعراء]. فالآيات مبثوثة في كل شيء، ولكن لا يفهمها إلا من هو ذو قلب حي. ورغم ذلك فإن الله عزيز غني عنهم، وهو رحيم بهم، ولهذا يرسل الرسل باستمرار، وينزل الكتاب لهدايتهم، رغم أنه ما كان أكثرهم مؤمنين. ولقد حلفت السورة بالرسل منهم من له آية، ومنهم من ليس له آية ولكن كلهم جاؤوا لغاية، ولسبب واحد من البداية حتى النهاية؛ هو قوله تعالى: (وإنه لتنزيل رب العالمين(192)نزل به الروح الأمين(193)على قلبك لتكون من المنذرين(194)بلسان عربي مبين(195)) [سورة الشعراء]. فالسبب الأساس هو أن يكون امتدادا لمن سبقه من المنذرين، فهذا هو شأن كل الرسل، وهذه هي رحمة الله بالعالمين، ولهذا فإن القرآن هو نفس ما جاء مع الأولين: (وإنه لفي زبر الأولين) [الشعراء: 196]. ومن المؤكدات والدلائل قوله: (أو لم يكن لهم آية أن يعلمه علماء بني إسرائيل) [الشعراء: 197]. ¶ فإذا كان علماء بني إسرائيل يعلمون أن ما جاء به القرآن من المعارف الإلهية والعلوم الغيبية المؤكدة للمعاد، والمتوعدة بالعذاب لمن كذب، والواعدة بالنعيم لمن صدق، إذا كان هذا مما يعلمه هؤلاء فإن ذلك آية على أن القرآن هو من نفس المنبع الذي جاء به كل الأنبياء وأن الله ربهم هو الذي اختارهم للإنذار والتبشير، ليستقيم الناس على الصراط المستنير، وتلك رحمة من الله العليم الخبير، وذلك هو الحق إلا إلى الله تصري الأمور. وهكذا ندرك من الآيات أن الإنزال ليس لسبب طارئ ولكنه لسبب ثابت هو قوله تعالى: (حم~(1) عسق (2)كذلك يوحي إليك وإلى الذين من قبلك الله العزيز الحكيم (3)له ما في السماوات وما في الأرض وهو العلي العظيم (4)) [سورة الشورى]. ¶ (وكذلك أوحينا إليك قرآنا عربيا لتنذر أم القرى ومن حولها وتنذر يوم الجمع لا ريب فيه فريق في الجنة وفريق في السعير(7)ولو شاء الله لجعلهم أمة واحدة ولكن يدخل من يشاء في رحمته والظالمون ما لهم من ولي ولا نصير(8)) [سورة الشورى]. (شرع لكم من الدين ما وصى به نوحا والذي أوحينا إليك وما وصينا به إبراهيم وموسى وعيسى أن أقيموا الدين ولا تتفرقوا فيه كبر على المشركين ما تدعوهم إليه الله يجتبي إليه من يشاء ويهدي إليه من ينيب) [الشورى:13]. ولأن الدين واحد فالناس يتفرقون ويحاولون أن يجعلوه شيعا؛ لأنهم يتخذونه وسيلة للدنيا وللسيطرة على الضعفاء؛(وما تفرقوا إلا من بعد ما جاءهم العلم بغيا بينهم ولولا كلمة سبقت من ربك إلى أجل مسمى لقضي بينهم) [الشعراء:14]. نعم لولا أن موعدهم الآخرة لتم القضاء بين المختلفين في الدنيا ولكن الله يعلم من أصلح ومن أفسد ولا يعاجل المفسدين؛ بل يرسل المنذرين؛ ولهذا يقول في الآية: (وإن الذين أورثوا الكتاب من بعدهم لفي شك منه مريب) [الشورى: 14].ولأن الناس الذين ورثوا الكتاب قد اتبعوا الأهواء؛ لأنهم في شك وارتياب، كان لا بد أن يرسل الله محمدا ليذكر وينذر وليؤكد الإيمان بالكتاب. (فلذلك فادع واستقم كما أمرت ولا تتبع أهواءهم وقل آمنت بما أنزل الله من كتاب وأمرت لأعدل بينكم الله ربنا وربكم لنا أعمالنا ولكم أعمالكم لا حجة بيننا وبينكم الله يجمع بيننا وإليه المصير)[الشورى:15].لو استرسلت في السورة لوردت كلها، فإنها من أولها إلى آخرها تؤكد أن الوحي سببه ثابت وأن الإنزال لا سبب له إلا رحمة الله ذي الجلال. ¶ يا جماعة لو أوردت الأدلة على ذلك لطال المقال. بل إن القضية تحسم وتعرف بأول سورة الزخرف، فإن الله لا يمكن أن يضرب صفحا عن الناس لإسرافهم؛ بل لا بد أن يرسل إليهم وينزل الذكر عليهم. (حم(1)والكتاب المبين(2)إنا جعلناه قرآنا عربيا لعلكم تعقلون(3)وإنه في أم الكتاب لدينا لعلي حكيم(4)) [سورة الزخرف]. فالكتاب والذكر محفوظ محكوم، وثابت معلوم؛ فلا بد للناس من علم وكتاب به حياتهم تقوم. وهذا الكتاب الذي عند الله ولديه ما هو إلا النظام الذي يدعو الناس إليه؛ ولهذا جعله قرآنا عربيا لعلهم يعقلون، يفغلون هذا النظام العلي الحكيم، ويصون مبتوره على الصراط المستقيم، وهذا حق لا بد أن يفعله الله العليم، حتى ولو كان الناس لا يفهمون ولا يفقهون حتى ولو كانوا بالإسراف مشغولين عن الحق والكتاب المبين؛ ولهذا يقول الله مستفهما في إنكار، مخاطبا أولي الاستكبار: (أفنضرب عنكم الذكر صفحا أن كنتم قوما مسرفين) [الزخرف:5]. هذا ومستحيل بل لا يليق بالله الجليل، فهو الذي يرحم عباده بالإرسال والتنزيل: (وكم أرسلنا من نبي في الأولين(6)وما يأتيهم من نبي إلا كانوا به يستهزئون(7)فأهلكنا أشد منهم بطشا ومضى مثل الأولين(8)) [الزخرف]. ¶ فالإرسال متوالي ولو استهزأوا ؛ لأن الله لا يريد هلاك المكذبين إلا ببينة وحجة له عليهم، وهكذا كان مع الأولين والآخرين، فهل يعقل الآخرون، ويصغوا لهذا القرآن بلا ارتياب، وهل يفعلون على افتراء المبررات والأسباب: (وإذا قرئ القرآن فاستمعوا له وأنصتوا لعلكم ترحمون) [الأعراف:204]. وقبل أن نغادر الزخرف نرفع أعيننا قليلا لنرى في صدر الصفحة آخر سورة الشورى: (وكذلك أوحينا إليك روحا من أمرنا ما كنت تدري ما الكتاب ولا الإيمان ولكن جعلناه نورا نهدي به من نشاء من عبادنا وإنك لتهدي إلى صراط مستقيم(52) صراط الله الذي له ما في السماوات وما في الأرض ألا إلى الله تصير الأمور) [الشورى: 52-53]. أي كذلك الوحي إلى من قبلك أوحينا إليك هذا الروح وهو الكتاب فلم نكن ندري بالكتاب ولا بالإيمان، ولكن الله من شأنه أن يرسل إلى الناس رسلا ليذكرهم ويهديهم، وينير لهم طريق الإحسان، فكان هذا النور الذي يهدي به الله من يشاء وإليه مصر المهتدي ومصير من كذب وتولى، وهو الحاكم الحق المجازي كل حي بما يسعى. ¶ هذا هو سبب الإنزال، ولنفس الغاية ولنفس السبب جاء البيان الكريم في أول سورة إبراهيم، فإن أولها يدل على أن الإنزال ليس له سبب فردي أو حدث آحادي، ولا هو آية تنزل لترد على حكاية أو تقضي في قضية وتسكت حتى تتجدد أخرى. كلا إنما هو كتاب إلى الناس، وليس للناس في زمن ومكان معين ولكن لكل زمان ومكان، فلتقرأ: (الر كتاب أنزلناه إليك لتخرج الناس من الظلمات إلى النور بإذن ربهم إلى صراط العزيز الحميد(1)الله الذي له ما في السماوات وما في الأرض وويل للكافرين من عذاب شديد) [إبراهيم: 1-2]. إذن فالكتاب للناس وهو لهدف هام هو إخراجهم من الظلمات إلى النور بل إلى صراط الله العزيز الحميد، فهو عزيز غني غالب على أمره ولكنه حميد في فعله، ولهذا يهدي الناس إلى صراطه، ويتوعد من يصد عن سبيله ويؤكد ، ومن يحب الحياة الدنيا فهو في أشد الضلالة، والله يدعو الناس إلى الجنة والمغفرة بفضله، هذا الفضل يتجلى في قوله: (وما أرسلنا من رسول إلا بلسان قومه ليبين لهم فيضل الله من يشاء ويهدي من يشاء وهو العزيز الحكيم)[إبراهيم:4]. فلا عذر للناس بعد هذا الفضل وهذا البيان، فمن اهتدى فله الفوز ورضى ورحمة الله، فإن الله عنه عزيز، ولهذا قال: (فيضل الله من يشاء ويهدي من يشاء وهو العزيز الحكيم)[إبراهيم:4]. ولأن الله يرسل الرسل بلا سبب إلا الرحمة والفضل فإنه يقول: (ولقد أرسلنا موسى بآياتنا أن أخرج قومك من الظلمات إلى النور وذكرهم بأيام الله إن في ذلك لآيات لكل صبار شكور) [إبراهيم:5]. ¶ هل أزيدكم آيات تكون آيات على ما أقول؟، فلنقرأ آخر سورة الإسراء، : (وبالحق أنزلناه وبالحق نزل وما أرسلناك إلا مبشرا ونذيرا(105)وقرآنا فرقناه لتقرأه على الناس على مكث ونزلناه تنزيلا) [الإسراء: 105-106]. فقد أنزل القرآن بالحق وأنزل ليقرأنه الرسول على الناس على مكث، أي على أيام متوالية وسنين متعاقبة، فلم يتنزل آية آية ولكن سورة سورة إذ لا يمكث المكث إلا على بيان كامل وحق متواصل ولا يمكن أن تسمى النطق بالآية الواحدة قراءة بل لا تمسى قراءة إلا ماكان كلاما متقارنا بعضه ببعض متواصل الفقرات متكامل المعاني والآيات ولا يمكن أن يفهم الناس المقروء على المكث إلا فرقان كامل المعاني وافر البيان بلا تقطيع ولا ميلان وكيف لا وهو الله الرحمن. فيامن يدعي أن الإنزال جاء مقطع الآيات فأنت لم تؤمن بالبيان، ولم تكن من الساجدين للاذقان (قل آمنوا به أو لا تؤمنوا) فأنتم لا تعلمون لكن هناك من يعلم ويعرف الله حق المعرفة وله يعظم، ولآياته يحترم، وهم هؤلاء: (إن الذين أوتوا العلم من قبله إذا يتلى عليهم يخرون للأذقان سجدا(107)ويقولون سبحان ربنا إن كان وعد ربنا لمفعولا(108)ويخرون للأذقان يبكون ويزيدهم خشوعا) [سورة الإسراء: 107-109]. هكذا هم أولوا العلم الذين يعلمون أن المتلو هو من عند ربهم العلي، وأنه بيان ورحمة وموعظة ونعمة تشع بها آيات الله التي تتنزل وتتوالى سورة سورة، ولهذا فهي تتلى عليهم: فلا يمكن أن يتلى إلا الكلام الوافي الآيات ،وإلا السور التي تفي وتتوالى فيها البينات؛ فلا تسمي النطق بآية واحدة تلاوة، وليس في العربية من يقول: اتل علينا كلمة كذا، بل يقول اتل قصيدة كذا أو خطبة فلان. ¶ فأنتم يا من جعلتم القرآن عضين، فا تعرفون اللغة ولستم للقرآن محترمين، ولا لربكم مقدرين، ولعلكم ممن قال الله عنهم: (وما قدروا الله حق قدره إذ قالوا ما أنزل الله على بشر من شيء قل من أنزل الكتاب الذي جاء به موسى نورا وهدى للناس تجعلونه قراطيس تبدونها وتخفون كثيرا) [الأنعام:91 ]. ¶ بل إني آخذكم قبل الانصراف عن السورة إلى قمة موضوعها وإلى ذروة حجتها، (قل لئن اجتمعت الإنس والجن على أن يأتوا بمثل هذا القرآن لا يأتون بمثله ولو كان بعضهم لبعض ظهيرا(88)ولقد صرفنا للناس في هذا القرآن من كل مثل فأبى أكثر الناس إلا كفورا) [الإسراء: 88-89]. إن من يقرأ الآيتين بإمعان وتدبر وتذكر وتفكر، وهو لله يقدر، فلا بد أن يفهم أن القرآن بهذا الإحسان والإتقان لا يمكن أن يتنزل مزقا تلقى بلا بيان، ولا يمكن أن يكون بهذا الإعجاز وفي مقام هذا التحدي وهو ينزل قطعا لا تفيد ولا تبين، ولا يمكن أن يكون الإنس والجن عاجزين عن الإتيان بمثله وهو كلمات لا تبين وغير متصلة. ¶ إن هذا من القول الهراء الذي لا يليق بأولي الألباب قوله، ثم إن التصريف فيه من كل مثل هل يتفق مع الأسباب السخيفة التي يدعي من غفل أنه بسببها نزل؟. كلا بل التصريف والأمثال من شأن القرآن الذي تنزل بجمال، سورا تتوالى باكتمال، وأمثالا تتلى بكمال، ليتضح بها البيان للناس من ربهم ذي الجلال. فهو الذي يقول: (وننزل من القرآن ما هو شفاء ورحمة للمؤمنين ولا يزيد الظالمين إلا خسارا)[الإسراء: 82]. ¶ لن أطيل الصعود بكم مع الإسراء، بل سأنصرف عنها متجها إلى سورة أخرى. إن فيها الدليل الأقوى الذي لا يرتاب فيه ، نعم تعالوا معي فلنأو إلى الكهف: (ينشر لكم ربكم من رحمته ويهيئ لكم من أمركم مرفقا)[الكهف:16].يقول الله في أولها: (الحمد لله الذي أنزل على عبده الكتاب ولم يجعل له عوجا) [الكهف:1]. هكذا هو الكتاب لا عوج فيه، بل هو قيم ولا تفرق فيه، بل سليم، ثم لماذا أنزل من الله؟.(لينذر بأسا شديدا من لدنه ويبشر المؤمنين الذين يعملون الصالحات أن لهم أجرا حسنا(2)ماكثين فيه أبدا) [الكهف: 2-3]. ثم ماذا بعد، هل هناك سبب آخر؟ نعم: (وينذر الذين قالوا اتخذ الله ولدا(4)ما لهم به من علم ولا لآبائهم كبرت كلمة تخرج من أفواههم إن يقولون إلا كذبا) [الكهف: 4-5]. فالقرآن أنزل لسبب هام وعام، ولسبب يعلمه الله العلام؛ إنه إقامة الاعوجاج في الأنام، وإماطة الجهل من عقول عباد الأصنام، والذين ادعوا لله ولدا تاهوا في ظلام، فالقرآن جاء ينير لهم الطريق، ويهديهم إلى نور العلم، ويخرجهم من ظلمات الجهل المحيق رحمة من ربهم العليم. فالجهل لا يرضاه الله للعباد، ولا يرضى لعباده الكفر؛ ولكنه يريد لهم العلم، ولهذا كان القرآن هو النور الذي يهدي به الله من اتبع رضوانه سبل السلام، وكان إنزاله في ليلة مباركة تفرق فيها الأمور ذات الأحكام، فالله من شأنه أن يدبر الأمر، وأن يرسل الرسل ليجنب الناس من الخطر، (حم(1)والكتاب المبين(2)إنا أنزلناه في ليلة مباركة). ¶ لماذا يارب؟. ¶ ها هو الجواب (إنا كنا منذرين) [سورة الدخان:3].ثم إن من صفة هذه الليلة أنها كما يقول العليم: (فيها يفرق كل أمر حكيم(4)أمرا من عندنا إنا كنا مرسلين) [سورة الدخان]. فما هو السبب للإنزال؟ وما هو السبب لفرق الأمر الحكيم؟. إن السبب أن الله موصوف بأنه (إنا كنا منذرين)؛ فلا بد من إنزال الكتاب، ولا بد أن يكون الكتاب واضحا ومبينا، ولهذا فإن من شأن الله (إنا كنا مرسلين)، فالكتاب منزل في ليلة مباركة؛ ولا بد أن يبلغه رسول بلغة واضحة، ولهذا كان الإرسال وكان الإنزال، ثم هناك سبب أهم وأعم هو (رحمة من ربك إنه هو السميع العليم) [سورة الدخان: 6]. وكيف لا وهو الله (رب السماوات والأرض وما بينهما إن كنتم موقنين(7)لا إله إلا هو يحي ويميت ربكم ورب آبائكم الأولين)[سورة الدخان:7-8]. ¶ لهذه الأسباب كان الإنزال وكان الإرسال، ولهذه الأسباب اختار هذه الليلة المباركة لظهور أول الآيات المنزلة، ولإبلاغ الرسول بما أرسله ولمن أرسله، فكان ما أراده الله ولا راد له، ولهذا يختم السورة بقوله: (فإنما يسرناه بلسانك لعلهم يتذكرون) [الدخان:58]. فالتذكر هو السبب المقصور عليه تيسير القرآن باللغة العربية ،، ومن كذب فليرتقب العاقبة التي لا تنفع الذين كانوا في غي يلعبون، (فارتقب إنهم مرتقبون)[الدخان:59]. لهذا أكتفي من البيان، على أسباب تنزل القرآن، ولعلي قد فتحت الطريق للقارئ لمعرفة المزيد لتدبر آيات القرآن. ¶ وبعد فإني أدعوك الآن إلى أن تراجع معي بعض أسباب النزول المدعاه، إني أقول لك إنها مضحكة مبكية، وإنها تجعل القرآن خاليا من البيان بالكلية؛ لأضرب لك مثلا: قيل أن سورة الكهف نزلت لتجيب على ثلاثة أسئلة نقلها القرشيون أو تلقاها القرشيون من يهود المدينة ليوجهوها إلى النبي لسبر صحة نبوته وصحة الوحي إليه، مع أني أشك في هذه المحاولة منهم؛ لأنهم مكذبون مع علمهم بصدقه، مكذبون استكبارا (فإنهم لا يكذبونك ولكن الظالمين بآيات الله يجحدون) وعلى أي حال هذه الثلاثة الأسئلة أو الثلاث المسائل هي بما معناه: ¶ 1- عن فتية في زمن غابر فارقوا قومهم فما كان من خبرهم. ¶ 2- عن رجل وصل إلى الشرق والغرب فمن هو وماذا عمل. ¶ 3- عن الروح أو ما هو الروح. ¶ وهكذا وعدهم الرسول بالإجابة على الأسئلة في اليوم التالي ولم يقل إن شاء الله. ¶ لكن الجواب لم يأتي إلا بعد شهر أو أكثر، ولهذا قيل له في السورة التي جاءت بالجواب: (ولا تقولن لشيء إني فاعل ذلك غدا إلا أن يشاء الله) فكان التأخير عتابا للرسول مع أني أشك في هذا السلوك من الرسول وفي هذا التعامل معه من ربه؛ فالرسول ما كان يعمل شيئا إلا بإذن الله ولم يكن يجهل أنه مرسل من ربه، وأن أمره تحت مشيئة ربه، فكيف ينسى ذلك في خطابه من منكري الربوبية!!كلا، وعلى أي حال فقد أجابت السورة (سورة الكهف)، عن سؤالين اثنين فقط هما: الفتية وذي القرنين، أما الروح فلم تجب عليه ولم يأت الجواب عليه إلا في سورة الإسراء؛ لماذا؟ هل الله لا يعلم أن الأسئلة ثلاثة فنسي الجواب عن الثالث؟. تعالى الله عن ذلك. ¶ هل الله يقصر في البيان وهو يقول أن القرآن فيه البيان؟. ¶ تعالى الله عن ذلك. ¶ إذن فلماذا لم تأت الإجابات الثلاثة متوالية على الأسئلة الثلاثة؟. ¶ الجواب: أنه لم يكن هناك سؤال مباشر ولا وعد من الرسول بالإجابة ولكن الأسلوب القرآني والبياني يضع الأشياء الهامة في معرض السؤال والجواب لتنبيه القارئ إلى الموضوع ولتثير الخواطر حول ما يدور من الحوار، وما يتوالى من التذكير والإنذار. ¶ ثم إن الله رب العالمين يعلم ما يدور في خواطر الناس من تساؤلات، فهو يجيب عليها بدون سؤال مباشر ملفوظ، ولكن بشكل ملحوظ، أليس هو الذي يعطينا ما نسأله وما نحتاج؟، قبل أن نسأل وقبل أن نحتاج؟، وقبل أن نعلم بحاجتنا للشيء المعطى؟. ¶ إنه يعطيك الحركة والقدرة على الكلام قبل أن تتحرك أو تتكلم لكن محاولة الحركة ومحاولة الكلام سئوال، فهو يجيبه في الحال. ¶ وهكذا هو معنا في القرآن يجيب على التساؤلات، ويوردها بأسلوب جميل لتكون الآيات مبينات. ¶ ثم إن سورة الإسراء نزلت قبل سورة الكهف بسنتين، فكيف يأتي الجواب عن سؤال الروح فيها ولم يأت في سورة الكهف أن هذا دليل على أنه لا سؤال ولا أصل للحكاية من الأساس؟. ¶ ولكن سورة الكهف نزلت كما أنزل سواها للبيان، ولإنذار الإنسان، كما يقول الله في أولها هذا هو سبب الإنزال، إنه الإنذار والتبشير، والبيان للإنسان ليستنير، وهذا هو شأن إنزال بقية السور، وهذا هو سبب إنزال كل القرآن، ¶ وحاشا أن يلجئه الناس إلى الإنزال بما يدور في حياتهم من الأفعال والأقوال، إنه الكبير المتعال. ثم إن دعوى أن إنزال السور كان للإجابة على الأسئلة الثلاثة المذكورة يلغي صفة القرآن بأنه بيان وبرهان، وبصائر للإنسان؛ لأن الإجابة عن السؤال الثالث - وهو الروح - تخلفت ولم يكتمل البيان، ونحن بهذا ننسب العجز إلى الرحمن، سبحانه سبحان؛ إذ لو كان السبب هو الأسئلة الثلاثة لما تخلف البيان عن الكمال؛ لأن المجيب هو الله ذو الجلال، المنزه عن التقصير، والذي هو على كل شيء قدير. ¶ وقبل أن نغادر الموضوع لا بد أن أدعوكم إلى أن نقرأ معا هذا الوصف للقرآن الذي ورد في سورة الإسراء، إنه يدل على أن القرآن كامل بلا مراء:(قل لئن اجتمعت الإنس والجن على أن يأتوا بمثل هذا القرآن لا يأتون بمثله ولو كان بعضهم لبعض ظهيرا) [الإسراء: 88]. إن هذا دليل على أن الإنزال لآيات القرآن كان متواصلا كامل البيان، تبدأ السورة ولا تتوقف حتى تنتهي؛ ولهذا سميت الآيات والسور قرآنا؛ لأنه مقرون بعضه ببعض بأسلوب مبين، لا بأسلوب المقتسمين، الذين جعلوا القرآن عضين. ¶ ولعل هؤلاء المقتسمين مشمولين بما يقوله الله رب العالمين: (ولقد صرفنا للناس في هذا القرآن من كل مثل فأبى أكثر الناس إلا كفورا)[الإسراء: 89]. (ولقد صرفنا في هذا القرآن للناس من كل مثل وكان الإنسان أكثر شيء جدلا) [الكهف: 54]. ¶ إن الجدل حول إنزال القرآن عضين، وحول أسباب نزول الذكر المبين، جدال عقيم لا يعني إلا الإساءة إلى الله العليم، والاستهزاء بالقرآن الكريم، والعبث بآيات الذكر الحكيم، فسبحان الله عما يصفون. إنهم لا يقدرون الله حق قدره، ويجعلونه غير خبير إلا بغيره، ومستعينا بهم في تدبير أمره، سبحانه سبحانه الذي لا يخفى عليه ذرة. ¶ وكيف لا وهو يقول: (تنزيلا ممن خلق الأرض والسماوات العلا(4)الرحمان على العرش استوى(5)له ما في السماوات وما في الأرض وما بينهما وما تحت الثرى(6)وإن تجهر بالقول فإنه يعلم السر وأخفى) [سورة طه:4-7]. بل إنه يخاطب رسوله بقوله: (واتل ما أوحي إليك من كتاب ربك لا مبدل لكلماته ولن تجد من دونه ملتحدا)[الكهف: 27]. ¶ إن المتلو هو كتاب وهو آيات متوالية، وبينات غير خافية، والتلاوة لا تكون إلا لآيات تفصح بالبينات. لعل هذا يكفي في الاستدلال، وإن أردتم المزيد فلنغادر الجدال إلى البحث السديد، ولنحاول فهم الكلام بقلب رشيد. ¶ لن آخذكم إلى خارج القرآن ولكني سأطوف بكم في سوره من جديد، فلنعلم أن السور كلها مسميات، فكل سورة لها اسم به تعرف عند نزولها بلا تريث، فالسورة الثانية من القرآن اسمها البقرة. أليست كذلك؟ ¶ بلى، لكن أين ورد اسم البقرة أو ذكرها؟. ¶ لم يرد إلا في الآيات 67 وما يليها من السورة إلى 71. ¶ فهل يمكن أن نبني على أساسكم القائل أن السورة نزلت مقطعة؟. هل يمكن مع هذا أن تسمى السورة بهذا الاسم قبل نزول الآيات التي تذكر فيها البقرة؟. كلا. إذن فكيف سميت السورة بهذا الاسم من البداية!! ¶ لم تسم بهذا الإسم إلا لأنها نزلت كاملة متواصلة حتى النهاية، ولها صح أن يطلق عليها هذا الاسم وبه تسمى وإلا كان الاسم عبثا وإبهاما، وهذا لا يجوز على الله العليم. وكذلك تقول في سورة آل عمران، بل إن سورة المائدة لم تذكر فيها المائدة إلا في أواخرها، فكيف سميت بهذا الاسم من بدايتها؟!. ¶ ومثل ذلك تقول في الأنعام ويونس وإبراهيم والحجر والنمل والشعراء والأحقاف والعنكبوت وسواها. وإذن فإن تسمية السور منذ البداية حتى النهاية، ولهذا فإن تسميتها تصبح قضية غير خافية، وإلا كان الأمر إبهاما وتعمية. ¶ ثم لماذا تسلمون أن قصار السور كانت تنزل كاملة متواصلة ولا تسلمون أن كبارها كذلك؟. هل أنتم في ريب من قدرة الرحمن على ذلك؟. ألم يتحدى الناس في كبار السور بأن باتوا بسورة أو بعشر سور؟، أليس هذا دليلا على الإنزال الكامل لكل سورة، ودفعا لمن يقول أن آيات السور تنزلت مبتورة؟.كلا إنكم لم تقدروا الله حق قدره، ولهذا فالله يقول لكم: (وما قدروا الله حق قدره إذ قالوا ما أنزل الله على بشر من شيء قل من أنزل الكتاب الذي جاء به موسى نورا وهدى للناس تجعلونه قراطيس تبدونها وتخفون كثيرا وعلمتم ما لم تعلموا أنتم ولا آباؤكم قل الله ثم ذرهم في خوضهم يلعبون) [الأنعام: 91]. ¶ بل إنه يؤكد لكم أنه أنزل الكتاب المبارك فقال: (وهذا كتاب أنزلناه مبارك مصدق الذي بين يديه ولتنذر أم القرى ومن حولها والذين يؤمنون بالآخرة يؤمنون به وهم على صلاتهم يحافظون) [الأنعام: 92]. ¶ إن من يدعي أسباب للنزول ويجعل القرآن مقتسما بلا ترتيل ينطبق عليه ما الله يقول: (ومن أظلم ممن افترى على الله كذبا أو قال أوحي إلي ولم يوح إليه شيء ومن قال سأنزل مثل ما أنزل الله ولو ترى إذ الظالمون في غمرات الموت والملائكة باسطوا أيديهم أخرجوا أنفسكم اليوم تجزون عذاب الهون بما كنتم تقولون على الله غير الحق وكنتم عن آياته تستكبرون..) [الأنعام: 93].وكيف لا وهؤلاء يضيفون إلى الوحي المنزل بترتيل، أسبابا للتنزيل، وينسبون إلى الله أحوالا لا تليق بمقامه الجليل، فهو يثار بالأفعال، وينبه بما يقال، وينتظر الهدى للناس حتى يأتيه السؤال. ¶ كلا إن هذا باطل لا يرضاه ذو الجلال، وهذا افتراء وكذاب، يأباه أولوا الألباب، الراسخون في علم الكتاب. إن الله حين يتحدث عن القرآن لا يصفه إلا بأنه كتاب وبأنه آيات وبأنه مرتل ترتيلا، وهذه أوصاف تدل على الاتصال والتوالي، وأنه أنزل كتاتب متكاملة، وأرتالا متواصلة، وآيات تتلى، وبينات تترى، ليست مبتورة بترا. ¶ إن من يقول بالآيات المبتورة إنما هو مبتور، فالله قد سمى القرآن الكوثر، وهو وصف يدل على التوالي الذي يتواتر، ومن ادعى غير ذلك فإنه للبيان وللآيات ينحر، وهو شانئ للبيان الأنور، وهو لا شك الأبتر: (إنا أعطيناك الكوثر(1)فصل لربك وانحر(2)إن شانئك هو الأبتر(3)) [سورة الكوثر]. بهذا أختتم المقال، شاكرا لله ذي الجلال، شانئا لمن حاول الجدال، وأعتمد على أسباب الإنزال.
هل أهل الكتاب من أهل الجنة؟؟
قد يسأل سائل: هل أهل الكتاب من اليهود والنصارى يدخلون الجنة؟ وهو سؤال يتردد على ألسنة الكثير من المسلمين، بل إن بعضهم لا يسأل نفسه هذا السؤال، بل يقطع أنهم لا يدخلون الجنة ويؤيد ذلك بأنهم كفروا بالرسول الأخير محمد خاتم النبيين، ولم يؤمنوا بالقرآن وهو كتاب منزل مصدق لما معهم من الكتاب ومهيمن عليه، وتلك حجة صحيحة والقرآن يؤكدها ويقطع بأن الذين يفرقون بين الله ورسله ويؤمنون ببعض الرسل ويكفرون ببعض هم الكافرون حقا، ولهذا فإن الله يتوعدهم بقوله: (وأعتدنا للكافرين عذابا مهينا) [النساء:151].
لكن السؤال الذي أوردته مبني على حالة أخرى هي: هل أهل الكتاب المؤمنون بكل الرسل والمؤمنون بكل الكتب والموقنون بأن القرآن كتاب منزل مصدق لما معهم هل هؤلاء يدخلون الجنة؟
والجواب عندي: أن هذا الفريق فريق صالح مؤمن بار وأن الجنة لهم فيها نصيب ومسكن ودار. وكيف لا والله يقول مخاطبا لهم: (ولقد أخذ الله ميثاق بني إسرائيل وبعثنا منهم اثني عشر نقيبا وقال الله إني معكم لئن أقمتم الصلاة وآتيتم الزكاة وآمنتم برسلي وعزرتموهم وأقرضتم الله قرضا حسنا لأكفرن عنكم سيئاتكم ولأدخلنكم جنات تجري من تحتها الأنهار..) فهو وعد أكيد مؤكد بالقسم من الله الأكرم، لكنه يختم الآية بقوله: (فمن كفر بعد ذلك منكم فقد ضل سواء السبيل) [المائدة:12].
وهذا هو ما يحتج به منكر دخولهم الجنة وهو صحيح؛ لأن هذا الفريق لم يستقم على العهد الذي بينهم وبين الله، وعليه فمن استقام عليه والتزم فإن الجنة له مقام محتم، ولو استمر على تسمية نفسه باليهودي أو النصراني ما دام يؤمن بأن الرسل كلهم صادقون وأن الكتب كلها منزلة، ولهذا فإن الله يقول إن المؤمنين منهم لا بد أن يكونوا صالحين:
(إن الذين آمنوا والذين هادوا والصابئون والنصارى من آمن بالله واليوم الآخر وعمل صالحا فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون) [المائدة: 69]. ولا معنى لقوله: (فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون) إلا دخول الجنة بما كانوا يعملون. وكيف لا والله يقول في آية أخرى بعد إهباط آدم من الجنة: (فمن تبع هداي فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون) [البقرة: 35].
والمتبع الهدى من الله ينطبق على المسلم وعلى من سواه من أهل الكتاب؛ لأن كل الكتب فيها هدى الله. ألم يقل الله: (إنا أنزلنا التوراة فيها هدى ونور) [المائدة:44]. وقال: (وأنزل التوراة والإنجيل(3)من قبل هدى للناس وأنزل الفرقان..) [آل عمران:3-4]. وعليه: فإن أهل الكتاب المؤمنين بما أنزل إليهم بلا تحريف والملتزمين بهدى الله المقيمين للتوراة والإنجيل هم من أهل الجنة بلا ريب؛ لأنهم بلا شك من المتقين؛ ولهذا يقول الله: (ولو أن أهل الكتاب آمنوا واتقوا لكفرنا عنهم سيئاتهم ولأدخلناهم جنات النعيم)[المائدة:65]. نعم إنهم موعودون من الله ربهم الكريم بجنات النعيم ، فما داموا أقاموا ما أنزل إليهم من ربهم فهم بلا شك على صراط مستقيم. ولكن أولئك الذين ليسوا كذلك من أهل الكتاب فهم في سبيل معوج أثيم.
إذن فأهل الكتاب فريقان: (منهم أمة مقتصدة وكثير منهم ساء ما يعملون) [المائدة: 66]. وهذا ما يؤكده الله في آل عمران بقوله: (ليسوا سواء من أهل الكتاب أمة قائمة يتلون آيات الله آناء الليل وهم يسجدون(113)يؤمنون بالله واليوم الآخر ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ويسارعون في الخيرات وأولئك من الصالحين(114)وما يفعلوا من خير فلن يكفروه والله عليم بالمتقين(115)).
إنها شهادة من الله فلا ريب فيها فهو أعظم شهادة، لقد وصف بعضا من أهل الكتاب بأنهم صالحون وهي صفة إبراهيم الخليل (وإنه في الآخرة لمن الصالحين) ووصفهم بالمتقين والجنة أعدت للمتقين، أليس كذلك؟. وهكذا فإن أهل الكتاب الذين لهم هذه الصفات في السلوك وهذه الأعمال في الدنيا لهم الجنة في الأخرى وعدا من الله ومن أصدق من الله قيلا.
Bog aan la aqoon