Xigmadda Galbeedka Qeybta Koowaad
حكمة الغرب (الجزء الأول): عرض تاريخي للفلسفة الغربية في إطارها الاجتماعي والسياسي
Noocyada
أما فيما يتعلق باللاهوت، فينبغي أن نتذكر أنه ينقسم في الواقع قسمين ؛ فهناك أولا ما يسمى باللاهوت الطبيعي، الذي يبحث في الله في إطار موضوعات كالعلل الأولى، والمحركات الأولى، وما شابهها. وهذا ما يسميه أرسطو بالإلهيات، ويمكن أن يدرج ضمن الميتافيزيقا غير أن الأكويني بوصفه مسيحيا قد وضع أيضا ما يمكن تسميته باللاهوت العقائدي، الذي لا يعالج إلا الأمور التي نصل إليها بالوحي أو النقل. وهو هنا يرتد ثانية إلى موقف كتاب المسيحية الأوائل، وخاصة أوغسطين الذي يبدو أن توما يؤيد على وجه العموم آراءه في اللطف الإلهي والخلاص. وهذه بالفعل أمور تتجاوز نطاق العقل. وبطبيعة الحال فإن اللاهوت العقائدي غريب تماما عن روح الفلسفة القديمة، ولا نجد شيئا مشابها له عند أرسطو.
ولقد كان هذا العنصر اللاهوتي هو الذي أدى بتوما الأكويني إلى أن يتجاوز أرسطو في مذهبه الميتافيزيقي في مسألة هامة؛ فنحن نذكر أن إله أرسطو كان أشبه بمعماري متجرد. أما الأشياء الجزئية فلسنا مضطرين إلى أن ننسب إليها الوجود؛ لأنها هناك فحسب، وكذلك المادة الخام التي شكلت منها. أما عند الأكويني فإن الله منبع كل وجود، والشيء المتناهي لا يتصف بالوجود إلا عرضا، فهو في وجوده يعتمد، إما بطريق مباشر أو غير مباشر، على حقيقة توجد بالضرورة، وهي الله. وتعبر اللغة المدرسية عن ذلك من خلال مفهومي الماهية والوجود؛ فماهية الشيء هي على وجه الإجمال صفة، وهي ما يكونه الشيء. أما الوجود فهو لفظ يشير إلى حقيقة أن الشيء كائن، أي إنه ما به يكون الشيء. وبالطبع فإن هذين اللفظين معا تجريدان، بمعنى أنه لا الماهية ولا الوجود يمكن أن يكون مستقلا بذاته. وفي كل الأحوال يكون للشيء الملموس ماهية ووجود معا، غير أن هناك حقائق لغوية توحي بتمييز بينهما.
وهذه بعينها هي النقطة التي يلمح إليها فريجة
Frege
3
عندما يميز بين المعنى والإشارة. فمعنى أية كلمة يثير سؤالا واحدا، أما مسألة ما إذا كان هناك بالفعل موضوع تنطبق عليه تلك الكلمة فهي مسألة مختلفة كل الاختلاف. وهكذا يقال إن للأشياء المتناهية وجودا وماهية بوصفهما سمتين متميزتين، وإن لم تكونا بالطبع منفصلتين. والله وحده هو الذي لا يوجد فيه اختلاف موضوعي بين الماهية والوجود.
ولنلاحظ أن النظرية الميتافيزيقية القائلة بأن الموجود المتناهي يتوقف وجوده على غيره، هي التي تؤدي إلى البرهان الثالث من براهين وجود الله في «الخلاصة اللاهوتية»، وهو البرهان الذي نبدأ فيه من واقعة تجريبية عادية هي أن الأشياء تظهر وتختفي، مما يعني أن وجودها ليس واجبا، بالمعنى التخصصي لهذه الكلمة. ويستمر البرهان قائلا إن هذا النوع من الأشياء يأتي عليه وقت لا يعود فيه موجودا، ولكن إذا كان الأمر كذلك فلا بد أنه كان هناك وقت لها يكن يوجد فيه شيء، والنتيجة التي تترتب على ذلك هي ألا يكون هناك شيء موجودا الآن، ما دام أي شيء متناه عاجزا عن أن يضفي الوجود على نفسه. فلا بد إذن أن يكون ثمة موجود واجب الوجود هو الله.
ومن المفيد أن نقدم بضعة تعليقات على هذه الحجة؛ أولها بالطبع هو أنها تسلم بأن وجود أي شيء هناك يحتاج على إطلاقه إلى تعليل أو تبرير. وتلك نقطة رئيسية في الميتافيزيقا التوماوية، ولو لم نقل بهذا الرأي - الذي لم يقل به أرسطو بالفعل - لما أمكن قول أي آراء بعد ذلك، ولكن إذا سلمنا جدلا بهذه المقدمة وجدنا ضعفا باطنا في الحجة يجعلها متهافتة؛ إذ إن القول بأن أي شيء متناه لا يكون موجودا في وقت ما لا يلزم عنه القول بأنه كان هناك وقت لم يكن يوجد فيه أي شيء.
ويدعم توما الأكويني مصطلح الماهية والوجود بنظرية القوة (أو الإمكان) والفعل (أو التحقق) الأرسطية، فالماهية إمكان محض، والوجود تحقق محض، والوجود تحقق محض، وهكذا يوجد في الأشياء المتناهية مزيج من هذين دائما؛ فوجود الشيء هو ممارسة فاعلية ما، وهذه الفاعلية ينبغي بالنسبة إلى أي موضوع متناه أن تكون مستمدة من شيء آخر.
أما الدليلان الأول والثاني على وجود الله فلهما في الواقع طابع أرسطي؛ ففيهما يستدل الأكويني على وجود محرك غير متحرك، وعلة غير معلولة، مفترضا في كل حالة استحالة تسلل العلل أو المحركات إلى ما لا نهاية. غير أن هذا يؤدي ببساطة إلى هدم المقدمة التي ترتكز عليها الحجة. فلنأخذ مثلا الحجة الثانية؛ فإذا كان لكل علة علة أخرى، كان من غير الممكن أن نقول في الآن نفسه إن هناك علة ليست لها علة أخرى؛ إذ إن هذا ببساطة تناقض، ولكن ينبغي أن نذكر أن الأكويني لا يبحث في سلاسل العلل في الزمان، فالمسألة عنده تعاقب للعلل بحيث تعتمد إحداها على الأخرى في هذه اللحظة على نحو يشبه حلقات سلسلة معلقة من خطاف في السقف، فهنا يكون السقف هو العلة الأولى أو العلة غير المعلولة؛ لأنه ليس حلقة معلقة من أي شيء آخر، ولكن ليس ثمة سبب معقول يدعو إلى رفض التسلسل إلى ما لا نهاية، وذلك بشرط واحد هو ألا يفضي إلى تناقض؛ فسلسلة الأعداد الجذرية التي تزيد عن الصفر وتصل إلى الواحد بما فيها الواحد نفسه لا متناهية، ومع ذلك فليس لها عضو أول. أما في حالة الحركة فإن مسألة التسلسل لا يتعين حتى طرحها؛ ذلك لأن أي جسمين متجاذبين يدوران حول بعضهما، وكأنهما شمس وكوكب، يظلان على هذا النحو إلى ما لا نهاية.
Bog aan la aqoon