Hiba
الحباء في الإيصاء
[المتن]
بسم الله الرحمن الرحيم
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ، ومن سيئات أعمالنا ، من يهده الله فلا مضل له ، ومن يضلل فلا هادي له . وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله .
( يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون ) . ( يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة ، وخلق منها زوجها وبث منهما رجالا كثيرا ونساء ، واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام إن الله كان عليكم رقيبا ) . ( يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وقولوا قولا سديدا ، يصلح لكم أعمالكم ويغفر لكم ذنوبكم ومن يطع الله ورسوله فقد فاز فوزا عظيما ) 0
وبعد :
فهذه رسالة لطيفة للشيخ العلامة نعمان خير الدين الالوسي (1252-1317ه) عنوانها الحباء في الايصاء ، تمثل بحثا محررا في أحكام الوصية والايصاء التقطه مؤلفه من رد المحتار على الدر المختار للعلامة الفقيه ابن عابدين الحنفي 0
ترجمة المؤلف :
Bogga 1
هو الشيخ العلامة الفقيه خاتمة المحققين (1) خير الدين نعمان بن أبى الثناء السيد محمود المفتى المفسر ابن السيد عبد الله أبو البركات البغدادي الآلوسي الحسني الحسيني الحنفي المذهب ، السلفي العقيدة 0 ولد ببغداد في 12 المحرم من سنة 1252ه (30/4/1836م) ، ونشأ بها ، وولي القضاء في بلاد متعددة منها : الحلة، فسار سيرة مرضية حمد عليها وحبب إلى القلوب، وزار مصر في طريقه إلى الحج ، ورحل إلى سورية وبلاد الأناضول واجتمع بفضلائها ، ثم قصد القسطنطينية ، فحاز إعجابهم ، وعاد يحمل لقب رئيس المدرسين بالمدرسة المرجانية ، وكان شغوفا بالمطالعة وميالا إلى جمع الكتب النادرة ، وجمع خزانة كتب نادرة(1) 0 والأسرة الآلوسية مشهورة في العراق تنسب إلى آلوس قرية على الفرات قرب عانات ، نبغ فيها علماء وأدباء منهم السيد محمود والد نعمان المذكور ، كان معروفا بالفضل والأدب وجودة الخط وقوة الحافظة 0 يحكى عنه قال : ما استودعت ذهني شيئا فخانني(1)0
قال أحمد مترجميه : " ولد في أرض التعصب الأعمى الذميم تحت سماء الجور والاعتساف ولكنه نشأ بفطرته حر الضمير نير البصيرة وربي على الآداب الإسلامية الفاضلة فشب مسلما عاقلا فاضلا غيورا على مصالح الأمة والوطن والدين " (2)0
وقال العلامة محمد بهجة الأثري (1320-1417ه ): " كان عقله أكبر من علمه ، وعلمه أبلغ من إنشائه ، وإنشاؤه أمتن من نظمه . وكان جوادا وفيا ، زاهدا ، حلو المفاكهة ، سمح الخلق " (3)0
توفي يوم السابع من المحرم سنة 1317ه (29/5/1899م) في مدرسته بجانب مرقد مرجان تحت القبة وكان نبأ وفاته شديدة الوطأة على عارفي فضله ونبله (4) 0
من شيوخه :
Bogga 3
والده العلامة المفسر أبو الثناء الالوسي ، والسيد العلامة المفسر صديق حسن خان (ت1307ه ) ، والشيخ علي علاء الدين الموصلي ، والشيخ احمد عبيد العطار محدث الشام في عصره (ت1218ه ) ، والعلامة حسين بن محسن الانصاري السبعي اليماني(ت1327ه ) ، والعلامة الفقيه عبد الغني الميداني الحنفي(ت1268ه ) ، والسيد احمد بن عيسى النجدي الحنبلي (ت1329ه) ، والعلامة الفقيه محمود بن حمزة الدمشقي الحمزاوي الحنفي (ت1305ه ) ، والشيخ عبد الرحمن الكزبري محدث الشام ، والسيد حسين البوجعدي العذري (ت1322ه ) وغيرهم ممن لهم الباع الطولى في العلوم الشرعية في عصرهم 0
من تلاميذه :
ولداه : الشيخ علي علاء الدين (ت1340ه ) ، ومحمد ثابت (ت1329ه ) 0
الشيخ العلامة المحدث شمس الحق العظيم أبادي شارح سنن أبي داود (ت1329ه )0
السيد العلامة عيسى صفاء الدين البندنيجي ( ت1282ه ) 0
السيد خضر بن يوسف البغدادي العاني ( ت1345ه ) 0
العلامة المحدث السيد عبد الكريم بن عباس الازجي الشيخلي الحسني أبو الصاعقة ( ت 1379ه) 0
له التآليف النافعة الكثيرة منها :
جلاء العينين في مجلد مطبوع بمصر . الجواب الفسيح في رد عبد المسيح في مجلدين مطبوع في لاهور . الحباء في الايصاء رسالة في الوصية ، سلس الغانيات في ذوات الطرفين من الكلمات في علم اللغة . شقائق النعمان في العقائد . الطارف والتالد في إكمال حاشية سيدنا الوالد على شرح القطر . غالية المواعظ في حزئين مرتب على خمسين مجلسا مطبوع بمصر ، الأجوبة النعمانية عن الاسئلة الهندية - في العقائد 0
نسبة المخطوط :
لا شك في نسبة المخطوط إلى مصنفه ، وممن عزاه إليه العلامة إسماعيل باشا البغدادي (1) 0
والمخطوط مما طبعه ابنه السيد علي علاء الدين الآلوسي في الآستانة سنة 1328 ه 0
وصف المخطوط :
Bogga 4
تقع في 9 ورقات ، قياسها 24 ×16 سم ، تحمل الرقم 10/9526 بخط علي بن محمد حسن الايرواني على نسخة المؤلف سنة 1311ه مجاميع ، وهي النسخة المعتمدة في التحقيق 0
ومنه نسخة أخرى استكتبها المؤلف مقابلة عليه سنة 1320ه تقع في 7 ورقات ، مسطرتها 28 ×20 سم تحمل الرقم 5690 مجاميع ، وكلاهما في مكتبة الأوقاف(1) 0
عملنا في المخطوط :
1 0 ضبط النص ، ومقارنة نصوصه بالأصول التي أخذ منها 0
2 0 التعليق على بعض المواطن ، تكميلا للفائدة 0
3 0 تخريج الأحاديث النبوية الواردة في الأصل 0
4 0 ترجمة بعض الأعلام إذا تعلق بالترجمة فائدة ترجع إلى الأصل 0
5 0 الإحالة إلى المصادر المعتمدة للزيادة في الإيضاح 0
والله الموفق لا رب سواه ، والحمد لله رب العالمين ، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله صحبه وسلم 0
{ النص المحقق }
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله المبدي المعيد ، المتفضل بالعفو ومن عنده المزيد ، والصلاة والسلام على سيدنا محمد خاتم الأنبياء ، وآله وصحبه الأوصياء الأمناء ، ولائمة المجتهدين الذين هم نجوم الاهتداء في الدين 0
أما بعد :
Bogga 5
فلما كنت السنة الحادية والثلثماية بعد الألف من هجرة ذي الرسالة والشرف ، في دار الخلافة القسطنطينية ، حماها الله تعالى من كل محنة ، وحفظها من كل فتنة ، وأدام خليفتها الأعظم في الملة الإسلامية ، امرني حضرة صدرها الأعظم ، الوزير الافخم ، صاحب الدولة والأبهة والعطوفة ، مشهور الآفاق بالفضايل المعروفة ، خير الدين باشا التونسي (1)، لا برحت الألطاف الإلهية خافقة عليه حينما يصبح ويمسي ، أن الخص له أبحاثا من كتب الأئمة والفقهاء ، تتعلق بإسقاط ما في الذمة ، وصلوات كانت واجبة الأداء ، وشيئا من مباحث الايصاء ، موضحا لما كتبه شيخ مشايخنا العلامة السيد محمد أمين بن عابدين (2) ، لا برحت أعماله المتصلة تملى عند الكرام الكاتبين ،فشرعت في ذلك مرتبا لما هنالك على مقدمة وثلاثة فصول وخاتمة ، نسأل الله تعالى حسنها ، عندما تقرب شمس الحياة من الأفول ، ومنه سبحانه الهداية في البداية والنهاية 0
فأقول : المقدمة في الإيصاء
أجمع العلماء أن الوصية مستحبة حال الصحة ، لكل من له مال أو عنده لأحد مال وعلى تأكدها في المرض (1)0
Bogga 7
فقد اخرج الشيخان والجماعة عن ابن عمر ( رضي الله تعالى عنهما ) {1/أ} أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال :" ما حق امرئ مسلم أن يبيت ليلتين ، وله شيء يريد أن يوصي فيه ، إلا ووصيته مكتوبة عند رأسه " (2) 0 ورواه الطحاوي بلفظ : " لا يحل لامرئ مسلم له مال 000 " (3) 0 وقال الإمام الشافعي : " معنى الحديث ما الحزم والاحتياط للمسلم إلا أن تكون وصيته مكتوبة عنده " (1) ، وفي رواية : ليلة أو ليلتين ، وفي أخرى ثلاث ليال ، قال الحافظ ابن حجر : " وكان ذكر الليلتين والثلاث لرفع الحرج ، لتزاحم أشغال المرء التي يحتاج إلى ذكرها ففسح له بهذا القدر ليتذكر ما يحتاج إليه ، واختلاف الروايات فيه دال على انه للتقريب ، لا للتحديد ، والمعنى لا يمضي عليه زمان وان كان قليلا إلا ووصيته مكتوبة ولذلك قال ابن عمر : " لم أبت ليلة منذ سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول ذلك إلا ووصيتي عندي " (2) 0
وقد استدل بهذا الحديث مع قوله تعالى : ( كتب عليكم إذا حضر أحدكم الموت ..الآية ) ( البقرة :180 ) ، جماعة من السلف على وجوب الوصية ، وحكاه البيهقي عن الشافعي في القديم ، وبه قال داود وابن جرير وآخرون 0 وذهب الجمهور إلى أنها مندوبة ، وأجابوا عن الآية بأنها منسوخة0
Bogga 8
وقد اختلف القائلون بالوجوب فقال أكثرهم : تجب الوصية في الجملة 0 وقال آخرون : تجب للقرابة الذين لا يرثون خاصة 0وقال بعضهم : وجوب الوصية في الآية والحديث يختص بمن عليه حق شرعي ، يخشى أن يضيع على صاحبه إن لم يوص به كالوديعة والدين ونحوهما(3) 0 قال(1) : وعرف من مجموع ما ذكرنا أن الوصية قد تكون واجبة ، وقد تكون مندوبة ، فيمن رجا منها كثرة الأجر ، ومكروهة في عكسه ، ومباحة فيمن استوى الأمران فيه ، ومحرمة كما ثبت عن ابن عباس ( رضي الله تعالى عنهما ) : " الإضرار في الوصية من الكبائر " رواه سعيد بن منصور موقوفا ، والنسائي مرفوعا (2) 0 وعن أبي هريرة ( رضي الله عنه ) ، عن رسول الله- صلى الله عليه وسلم - قال : " إن الرجل ليعمل أو المرأة بطاعة {1/ب} الله تعالى ستين سنة ، ثم يحضرهما الموت فيضارون في الوصية ، فيجب لهما النار " 0 ثم قرأ أبو هريرة : ( من بعد وصية يوصي بها أو دين غير مضار وصية من الله 000 الآية ) ( النساء :12 ) 0 رواه أبو داود والترمذي (1) 0
وروى الإمام احمد وابن ماجه : " إن الرجل ليعمل بعمل أهل الخير سبعين سنة ، فإذا أوصى حاف في وصيته فيختم له بشر عمله ، فيدخل النار ، وان الرجل ليعمل بعمل أهل الشر سبعين سنة فيعدل في وصيته ، فيدخل الجنة " (2) 0
وقد استدل من قال بعدم وجوب الوصية بما ثبت في صحيح البخاري وغيره عن عائشة ( رضي الله تعالى عنها ) أنها انكرت أن يكون رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أوصى ، قالت :" متى أوصى وقد مات بين سحري ونحري" (3) 0
قالوا : ولو كانت الوصية واجبة لما تركها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - 0
واجيب :
Bogga 10
بان المراد بنفي الوصية منه - صلى الله عليه وسلم - نفي الوصية بالخلافة لا مطلقا ، بدليل انه قد ثبت عنه- صلى الله عليه وسلم - الوصية بعدة أمور كأمره - صلى الله عليه وسلم - في مرضه لعائشة بإنفاق الذهيبة ، كما ثبت من حديثها (1) 0
وعن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة كما في المغازي لابن إسحاق قال : " لم يوص رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عند موته إلا بثلاثة لكل من الداريين والرهاويين والاشعريين بجاد(2) مائة وسق من خيبر ، وان لا يترك في جزيرة العرب دينان ، وان ينفذ بعث أسامة " (3) 0
Bogga 11
وفي صحيح مسلم عن ابن عباس( رضي الله تعالى عنهما ) : " وأوصى بثلاث : أن يجيزوا الوفد بنحو ما كنت أجيزهم 000 " الحديث (4) 0 واخرج الإمام احمد والنسائي عن انس ( رضي الله تعالى عنه ) : " كانت غاية وصية رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حين حضره الموت الصلاة وما ملكت أيمانكم " (1) 0
واستدلوا أيضا على توجيه نفي من نفى الوصية مطلقا إلى الخلافة بما في صحيح البخاري عن عمر ( رضي الله تعالى عنه ) قال : " مات رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ولم يستخلف " (2) 0
وبما أخرجه احمد {2/أ} والبيهقي(3) عن علي كرم الله تعالى وجهه لما ظهر يوم الجمل قال : " يا أيها الناس إن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لم يعهد لنا في هذه الإمارة شيئا 000 " الحديث (4) 0
Bogga 12
واعلم : أن الوصية لا تجوز لوارث (5)، ولا تجوز إلا بالثلث ، أو اقل منه 0(6) روى الجماعة عن سعد بن آبي وقاص ( رضي الله تعالى عنه ) انه قال : " جاءني رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يعودني من وجع اشتد بي فقلت : يا رسول الله إني قد بلغ بي من الوجع ما ترى ، وأنا ذو مال ، ولا يرثني إلا ابنة لي افأتصدق بثلثي مالي ؟ قال : لا 0 قلت : فالشطر يا رسول الله ؟ قال : لا0 قلت : فالثلث ؟ قال : الثلث والثلث كثير ، أو كبير ، انك إن تذر ورثتك أغنياء خير من أن تدعهم عالة يتكففون الناس " (1) 0 وعن أبي الدرداء عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : " إن الله تعالى تصدق عليكم بثلث أموالكم عند وفاتكم زيادة في حسناتكم ، ليجعل لكم زيادة في أعمالكم " رواه الدارقطني (1) 0 وروى الإمام احمد وأبو داود عن أبي زيد الأنصاري أن رجلا اعتق ستة اعبد عند موته ليس له مال غيرهم فاقرع بينهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، فاعتق اثنين ،وأرق أربعة 0وفي رواية قال فيه : " لو شهدته قبل أن يدفن ، لم يدفن في مقابر المسلمين " (1) 0
وقد اخذ بالقرعة الإمام احمد وغيره (2)وعند الإمام أبي حنيفة : يعتق من كل واحد ثلثه ، ويستسعى في باقيه(3).
Bogga 15