كلا! لم يأن لقريش أن تذعن وأن تسلم وهي الآن أشد ما تكون خوفا من انتشار دعوة محمد بين قبائل العرب بعد أن انتشرت بمكة. وقد بقي لديها سلاح لجأت إليه منذ الساعة الأولى ولا يزال لها في قوته وفي مضائه مطمع، ذلك سلاح الدعاية: الدعاية بكل ما تنطوي عليه من مجادلة وحجج ومهاترة وترويج إشاعات وتوهين لحجة الخصم، واستعلاء بالدليل على دليله، الدعاية على العقيدة وعلى صاحب العقيدة واتهامه فيها واتهامها لذاتها. الدعاية التي لا تقف عند حدود مكة، والتي لم تكن بحاجة إليها كحاجة البادية وقبائلها وشبه الجزيرة وسائر أهلها. كان التهديد والإغراء والإرهاب والتعذيب بعض ما يغني عن الدعاية في مكة، لكنها لم تكن لتغني عنها شيئا عند الألوف الذين يفدون إلى مكة كل عام في التجارة والحج، والذين يجتمعون في أسواق عكاظ ومجنة وذي المجاز ليحجوا إلى الكعبة بعد ذلك مقربين إلى أصنامهم، ناحرين عندها، ملتمسين منها البركة والمغفرة؛ لذلك فكرت قريش منذ استحرت الخصومة بينها وبين محمد في تنظيم الدعاية عليه. وكانت في تفكيرها هذا أشد إمعانا منذ فكر هو في مبادأة الحاج بدعوتهم إلى عبادة الله وحده لا شريك له. وهو قد فكر في هذا بعد السنين الأولى من بعثه؛ فهو قد بدأ نبيا منذ بعثه إلى أن جاءه الوحي أن ينذر عشيرته الأقربين. فلما أنذر قريشا وأسلم منها من أسلم، وألح في الكفر والعناد من ألح، ألقى عليه أن يدعو قومه والعرب جميعا ليلقي عليه من بعد ذلك أن يدعو الناس كافة.
لما فكر في مبادأة الحاج من مختلف قبائل العرب بالدعوة إلى الله، اجتمع نفر من قريش إلى الوليد بن المغيرة يتشاورون: ماذا عسى أن يقولوا في شأن محمد للعرب القادمين إلى موسم الحج، حتى لا يختلف بعضهم على بعض ويكذب بعضهم بعضا. واقترح بعضهم أن يقولوا: إن محمدا كاهن؛ فرد الوليد هذا الرأي أن ليس ما يقول محمد بزمزمة
1
الكاهن ولا بسجعه. واقترح آخرون أن يزعموا أن محمدا مجنون؛ فرد الوليد هذا الرأي بأنه لا تبدو عليه لهذا الزعم ظاهرة. واقترح غيرهم أن يتهموا محمدا بالسحر؛ فرد الوليد بأن محمدا لا ينفث في العقد ولا يأتي من عمل السحرة شيئا. وبعد حوار اقترح الوليد عليهم أن يقولوا للحاج من العرب إن هذا الرجل ساحر البيان، وإن ما يقوله سحر يفرق به بين المرء وأبيه، وبين المرء وأخيه، وبين المرء وزوجه، وبين المرء وعشيرته. وكان لهم عند العرب من الحجة على قولهم هذا ما أصابهم في مكة من فرقة وتخاذل وتناحر، بعد أن كانت مكة مضرب المثل في العصبية وفي قوة الرابطة. وانطلقت قريش في الموسم تحذر الحاج الاستماع إلى هذا الرجل وسحر بيانه، حتى لا يصيبها ما أصاب مكة فتكون فتنة تصلى نارها جزيرة العرب جمعاء.
ولكن دعاية كهذه لا يمكن أن تقوم وحدها أو تقاوم سحر هذا البيان الذي يؤمنون إليه. فإذا جاء الحق في هذا البيان الساحر فما يمنع الناس أن يؤمنوا به؟ هل كان الاعتراف بالعجز وتبريز الخصم دعاية ناجعة في يوم من الأيام؟! فلتكن لقريش إلى جانب هذه الدعاية دعاية أخرى. ولتلتمس قريش هذه الدعاية عند النضر بن الحارث. وقد كان هذا النضر من شياطين قريش، وكان قد قدم الحيرة وتعلم بها أحاديث ملوك الفرس وعباداتها وأقوالها في الخير والشر وفي عناصر الكون. فأخذ كلما جلس محمد مجلسا يدعو فيه قومه إلى الله، ويحذرهم عاقبة من قبلهم من الأمم التي أعرضت عن عبادة الله يخلف محمدا في مجلسه ويقص على قريش حديث فارس ودينها، ثم يقول: بماذا يكون محمد أحسن حديثا مني؟ أليس يتلو من أساطير الأولين ما أتلو؟! وكانت قريش تذيع أحاديث النضر من طريق الرواية دعاية على ما ينذر محمد الناس به وما يدعوهم إليه.
وكان محمد يكثر من الجلوس عند المروة إلى مبيعة غلام نصراني يقال له جبر، فكانت قريش تزعم أن جبرا النصراني هذا هو الذي يعلم محمدا أكثر ما يأتي به، فإذا كان لأحد أن يخرج على دين آبائه فالنصرانية أولى. وروجت قريش لزعمها هذا، فنزل في ذلك قوله تعالى:
ولقد نعلم أنهم يقولون إنما يعلمه بشر لسان الذي يلحدون إليه أعجمي وهذا لسان عربي مبين .
2
بهذه الضروب وأمثالها من الدعاية جعلت قريش تحارب محمدا ترجو أن تبلغ بها منه أكثر مما يبلغ منه الأذى وممن اتبعه العذاب. على أن قوة الحق في الصورة الواضحة البسيطة التي صور فيها على لسان محمد كانت تعلو على ما يقولون، وما تفتأ لذلك تزداد كل يوم بين العرب انتشارا. قدم الطفيل بن عمرو الدوسي مكة، وكان رجلا شريفا شاعرا لبيبا، فمشت إليه قريش تحذره محمدا وأن قوله كالسحر، يفرق بين المرء وأهله، بل بين المرء ونفسه، وأنهم يخشون عليه وعلى قومه مثل ما أصابهم بمكة، وأن الخير في ألا يكلمه ولا يستمع إليه.
وذهب الطفيل يوما إلى الكعبة، وكان محمد هناك، فسمع بعض قوله فإذا هو كلام حسن؛ فقال في نفسه: «واثكل أمي! والله إني لرجل لبيب شاعر ما يخفى علي الحسن من القبيح، فما يمنعني أن أسمع من هذا الرجل ما يقول؟! فإن كان حسنا قبلته، وإن كان قبيحا تركته.» واتبع محمدا إلى بيته وأظهره على أمره وما دار بنفسه؛ فعرض محمد عليه الإسلام وتلا عليه القرآن، فأسلم وشهد شهادة الحق، ورجع إلى قومه يدعوهم إلى الإسلام، فلباه بعضهم وأبطأ بعض؛ وما زال الطفيل بهم يدعوهم سنين متعاقبة حتى أسلم أكثرهم، وانضموا إلى النبي بعد فتح مكة وبعد أن بدأ النظام السياسي يأخذ في الإسلام صورة معينة.
Bog aan la aqoon