قال جعفر: نعم! وتلا عليه سورة مريم من أولها إلى قوله تعالى:
فأشارت إليه قالوا كيف نكلم من كان في المهد صبيا * قال إني عبد الله آتاني الكتاب وجعلني نبيا * وجعلني مباركا أين ما كنت وأوصاني بالصلاة والزكاة ما دمت حيا * وبرا بوالدتي ولم يجعلني جبارا شقيا * والسلام علي يوم ولدت ويوم أموت ويوم أبعث حيا .
11
فلما سمع البطارقة هذا القول مصدقا لما في الإنجيل أخذوا وقالوا: هذه كلمات تصدر من النبع الذي صدرت منه كلمات سيدنا يسوع المسيح. وقال النجاشي: إن هذا والذي جاء به موسى ليخرج من مشكاة واحدة. انطلقا والله لا أسلمهم إليكما. فلما كان الغد عاد ابن العاص إلى النجاشي فقال له: إن المسلمين يقولون في عيسى ابن مريم قولا عظيما، فأرسل إليهم فسلهم عما يقولون فيه. فلما دخلوا عليه قال جعفر بن أبي طالب: فيه نقول الذي جاء به نبينا، يقول: هو عبد الله ورسوله وروحه وكلمته ألقاها إلى مريم العذراء البتول. فأخذ النجاشي عودا وخط به على الأرض وقال - وقد بلغت منه المسرة أكبر مبلغ: ليس بين دينكم وديننا أكثر من هذا الخط. وكذلك تبين للنجاشي بعد سماع الفريقين أن هؤلاء المسلمين يعترفون بعيسى ويقرون النصرانية ويعبدون الله. ووجد المسلمون في جوار النجاشي أمنا ودعة حتى رجعوا إلى مكة للمرة الأولى ومحمد ما يزال بها، حين بلغهم أن خصومة قريش هدأت. فلما رأوا المكيين ما يزالون ينزلون به وبأعوانه الأذى عادوا إلى الحبشة في ثمانين رجلا غير نسائهم وأطفالهم. أفكانت هجرتاهم هاتان لمجرد الفرار من الأذى، أم كان لهما - ولو في تدبير محمد وحده - غاية سياسية يجمل بالمؤرخ أن يجلوها؟
ومن حق مؤرخ محمد أن يسأل: كيف أمن محمد على أصحابه هؤلاء أن يذهبوا إلى أرض الحبشة والنصرانية دين أهلها، دين كتاب، ورسولها عيسى يقر الإسلام رسالته، ثم لا يخاف عليهم فتنة كفتنة قريش وإن تكن من نوع آخر؟ وكيف أمن هذه الفتنة والحبشة بلاد بها من الخصب ما ليس بمكة؛ فهي أشد من قريش فتنة؟ ولقد تنصر بالفعل أحد المسلمين الذين ذهبوا إلى الحبشة، فدل تنصره على أن خوف هذه الفتنة كان جديرا بأن يساور محمدا وقد كان لا يزال ضعيفا ، ولا يزال الذين اتبعوه في أشد الريب من قدرته على حمايتهم أو الانتصار به على عدوهم.
وأكبر الظن أن يكون ذلك قد دار بخاطر محمد، أن كانت سعة ذهنه وذكاء فؤاده وبعد نظره عدلا لسمو روحه وكرم نفسه وحسن أدبه ورقة عاطفته. لكنه كان مطمئنا من هذه الناحية تمام الطمأنينة؛ فقد كان الإسلام يومئذ، وإلى يوم مات صاحب الرسالة، في صفاء جوهره لم تشب نقاءه ولا سموه شائبة. وكانت نصرانية الحبشة كنصرانية نجران والحيرة والشام قد اندس إليها من شوائب الخلاف بين مؤلهي مريم ومؤلهي عيسى والمخالفين لهؤلاء وأولئك ما لا يخشى معه على أولئك الذين كانوا ينهلون من نبع الرسالة المصفى.
وفي الحق أن أكثر الأديان ما كانت تتخطى على الأزمان أجيالا معدودة حتى يندس إليها نوع من الوثنية، إن لم يكن من هذا الطراز الوضيع الشائع يومئذ في بلاد العرب فإنه وثنية على كل حال. والإسلام نزل عدو الوثنية اللدود في جميع صورها وأوضاعها. ثم إن النصرانية تعترف من ذلك التاريخ لطائفة رجال الدين بمكانة خاصة لم يعرفها الإسلام قط، وكان يومئذ أشد ما يكون عليها سموا، ومنها براءة. ثم إنه كان يومئذ وبقي في جوهره دين السمو بالنفس الإنسانية إلى الذروة العليا من السمو. فلم يدع صلة بين المرء وربه غير العمل الصالح والتقوى، وأن يحب الإنسان لأخيه ما يحب لنفسه. لم تبق أصنام ولم يبق كهنة ولم يبق عرافون ولم يبق شيء يحول دون أن تسمو الروح الإنسانية لتتصل بالوجود كله صلة خير ومعروف، ليكون جزاؤها عند الله أكبر من عملها أضعافا مضاعفة.
والروح! الروح الذي هو أمر الله! الروح المتصل بأزل الزمن وأبده! هذا الروح ما عمل صالحا فلا حجاب بينه وبين وجه الله ولا سلطان لغير الله. يستطيع الأغنياء والأقوياء والشريرون أن يعذبوا الجسد وأن يحولوا بينه وبين ملاذه وشهواته وأن يهلكوه، لكنهم لن يصلوا إلى الروح ما دام صاحبه يريد به سموا فوق سلطان المادة وفوق سلطان الزمن واتصالا بالوجود كله. إنما يجزى الإنسان عن أعماله يوم تجزى كل نفس بما كسبت، يومئذ لا يجزي والد عن ولده ولا مولود هو جاز عن والده شيئا، ويومئذ لا ينفع الأغنياء مالهم، ولا الأقوياء قوتهم، ولا المتكلمين كلامهم؛ إنما هي الأعمال وحدها تشهد لصاحبها أو تشهد عليه. ويومئذ يقف هذا الوجود جميعا متسقة وحدته مجتمعا أزله وأبده، لا يظلم ربك أحدا. ولا تجزون إلا ما كنتم تعملون.
كيف يخاف محمد الفتنة على من علمهم هذه المعاني ومن بثها في نفوسهم فحلت منهم في سويداء القلب ومكان العقيدة والإيمان؟! ثم كيف يخاف عليهم الفتنة ومثله حاضر أمامهم بشخصه المحبوب، حتى ليحبه أحدهم أكثر من حبه نفسه وبنيه وأهله. شخصه الذي يضع هذه العقيدة فوق ملك الأرض والسماء والشمس والقمر ويقول لعمه: «والله لو وضعوا الشمس في يميني والقمر في يساري على أن أترك هذا الأمر حتى يظهره الله أو أهلك فيه ما تركته.» شخصه الذي يضيء بنور الإيمان والحكمة والعدل والخير والحق والجمال، الممتلئ إلى جانب ذلك تواضعا وبرا ومودة ورحمة. لذلك كان مطمئنا إلى هجرة أصحابه هؤلاء إلى الحبشة كل الاطمئنان. وكان أمنهم عند النجاشي وسكينتهم إلى دينهم بين قوم لا تربطهم بهم أواصر قربى أو عطف، مما جعل قريشا تشعر بما في إيذائها للمسلمين - وهم منهم وهم أهلوهم وأنسابهم - من ظلم ومن عنت ومن إمعان في الفجور، ومن تحميل كل ألوان الأذى لهؤلاء الذين ارتفعت نفوسهم فوق الأذى، فأصبح لا ينالهم سوء، وأصبحوا يرون في الصبر على البأساء قربى إلى الله ومغفرة منه.
وكان عمر بن الخطاب يومئذ رجلا في فتوة الرجولة، بين الثلاثين والخامسة والثلاثين. وكان مفتول العضل، قوي الشكيمة، حاد الطبع، سريع الغضب، محبا للهو والخمر، وفيه إلى ذلك بر بأهله ورقة لهم. وكان من أشد قريش أذى للمسلمين ووقيعة فيهم. فلما رآهم هاجروا إلى الحبشة ورأى النجاشي حماهم، شعر لفراقهم بوحشة، وبما لفراقهم وطنهم من ألم يحز في الكبد ويفري المهجة. وكان محمد يوما مجتمعا مع أصحابه الذين لم يهاجروا في بيت عند الصفا، ومن بينهم عمه حمزة وابن عمه علي بن أبي طالب وأبو بكر بن أبي قحافة وغيرهم من سائر المسلمين. وعرف عمر اجتماعهم، فقصد إليهم يريد أن يقتل محمدا كي تستريح قريش وتعود إليها وحدتها بعد أن فرق أمرها وسفه أحلامها وعاب آلهتها، ولقيه نعيم بن عبد الله في الطريق وعرف أمره فقال له: «والله لقد غشتك نفسك من نفسك يا عمر! أترى بني عبد مناف تاركيك تمشي على وجه الأرض وقد قتلت محمدا؟! أفلا ترجع إلى أهل بيتك وتقيم أمرهم؟!»
Bog aan la aqoon