<1/1>بسم الله الرحمن الرحيم

مقدمة الكتاب

الحمد لله الذي أوضح لمعالم السنة سبيلا، وجعلها على أحكام الشريعة دليلا، ومهد بها لمشارع الهداية وصولا، والصلاة والسلام على محمد المبعوث للعالمين رسولا، المؤيد بالبراهين القاطعة، والحجج الساطعة والآيات الباهرة. أظهره الله بها على الكفرة الجاحدة، وغيرهم من الملحدة المتنافرة، وأمده بالكتاب الناطق واللسان الصادق، رحمة وبشرى للمؤمنين، وموعظة وذكرى للمتقين؛ فشفا بهما من ظمأ القلوب غليلا، وصار سيف الحق ببرهانهما صقيلا، وصلى الله عليه وعلى آله وأصحابه وأتباعه بكرة وأصيلا. وبعد:

فلما كان علم الأحاديث النبوية من أنفس ما يقتنى، وأعز ما يشتغل بتوصيله ويعتنى، صنف فيها الحفاظ المبرزون مصنفات كثيرة، لاشتمالها على المنافع الدينية والدنيوية، وكان من أصحها رواية، وأخفها رعاية تصنيف أبي يعقوب يوسف بن إبراهيم الوارجلاني المسمى بكتاب الترتيب أجراه الربيع بن حبيب أولا، لكون أحاديثه غير مرسلة، بل هو عن أبي عبيدة مسلم بن أبي كريمة عن جابر بن زيد عن ابن عباس وغيرهم عن النبي عليه السلام ورضي الله عنهم أجمعين.

Bogga 1

غير أن في بعض أحاديثه صعوبة وإجمالا يحتاجان إلى الحل والبيان، والكشف عن وجه عرائسه الحسان، غمست بذلك في خدرها زمانا فلا تستطاع، ولم تتعلق بنيلها الأطماع، إلى أن من الله على عباده المؤمنين وأوليائه المتقين، المجدين في طلب العلم، المجتهدين مثل العالم العلامة، البحر الحبر الفهامة، الجامع بين المعقول والمنقول، الشيخ أبي عبد الله محمد بن عامر بن أبي ستة السدويكشي، رجع من مصر القاهرة البهية، إلى جزيرة جربة <1/2> الفاخرة المحمية، في رجب سنة ثمان وستين وألف، فشمر عن ساق الجد والاجتهاد، في شرح هذا الكتاب وغيره من كتب الأصحاب، وحل صعوبتها، وبين مجملها ومشكلها ترغيبا للطلاب، ورجاء جزيل الثواب من الملك الوهاب، جازاه الله بحسن صنيعه الجنة العلية، والغرف البهية في جوار خير البرية صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه الخيرية، وهذا أول كلامه بعد قول المصنف.

<1/3>الباب الأول

في النية

قوله: «نية المؤمن خير من عمله».

بدأ رحمه الله بحديثي النية تنبيها للطالب على مزيد الاعتناء والاهتمام بحسن النية، والإخلاص في الأعمال، فإنه روحها الذي به قوامها، وبفقده تصير هباء منثورا.

قال الشيخ أبو طاهر رحمه الله في القواعد بعد ذكر الحديث ومعناه والله أعلم: "إن النية في نفسها خير من الأعمال إذا كانت لا تصح إلا بها، ونية المؤمن اعتقاده طاعة الله ولو عاش ألف سنة، وإن مات دونها انقطع عمله ولم تنقطع نيته" إلى آخره.

وقوله رحمه الله: «ونية المؤمن» هو بالواو فيما رأيناه من النسخ، والظاهر أن يكون بالواو ليكون توجيها ثانيا للحديث. وحاصل التوجيهين: إنما كانت النية أفضل من الأعمال إما لتوقف صحة العمل عليها، وإما لأنها مستدامة والعمل منقطع، ثم ظهر أن الأولى صنيعه رحمه الله، فتكون خيرية النية معللة بوجهين: أحدهما توقف الأعمال عليها، والثاني دوامها مع انقطاع العمل.

Bogga 2

ثم قوله: «خير من عمله» يحتمل أن المراد خير من عمله الذي تجرد عن النية، وهو المناسب للتوجيه الأول، فيكون أفعل التفضيل على بابه، على حد {اصحاب الجنة يومئذ خير مستقرا وأحسن مقيلا}[الفرقان:24] يعني أنهم حازوا أصل الفعل. ويحتمل أنه خير من عمله مطلقا وهو المناسب للتوجيه الثاني، لدوامها وانقطاعه، فيكون أفعل على بابه، والله أعلم.

<1/4>وفي كلام بعضهم ما يدل على أن معنى كون "نية المؤمن خير من عمله" أن النية أحد أقسام كسب العبد، فإنه يكون بالقلب والجوارح واللسان، وهي تكون عبادة بانفرادها بخلاف القسمين الأخيرين، ولأن القول والعمل يدخلهما الفساد بالرياء، بخلاف النية، والله أعلم.

وزاد في الجامع الصغير في هذا الحديث: "وعمل المنافق خير من نيته، وكل يعمل على نيته؛ فإذا عمل المؤمن عملا نار في قلبه نور". ولعل هذه الزيادة لم تثبت عند المصنف رحمه الله ولذلك تركها، ولم يتكلم شارح الجامع على هذا الحديث بشيء.

وسمعت عن بعض فقهائهم أن هذا الحديث ورد على سبب، وذلك أن عثمان أراد أن يحفر بئرا في موضع فسبقه إليها بعض المنافقين فحفرها فقال عليه السلام: "نية المؤمن" إلى آخره، والمعنى أن نية المؤمن الذي هو عثمان خير من عمل ذلك المنافق؛ ولكن لا يناسبه بقية الحديث عندهم، فالظاهر الأول، والله أعلم.

Bogga 3

والنية؛ قال الراغب: "تكون مصدرا واسما من نويت، وذكر غيره أنه يجوز فيها التشديد على أنها من نوى بمعنى قصد، فأصل نية (نوية) فاجتمعت الواو والياء وسبقت إحداهما بالسكون فقلبت الواو ياء وأدغمت الياء في الياء، كما في سيد وميت، ويجوز فيها التخفيف على أنها من نوى بمعنى (بعد وأبطأ) لأن النية وسيلة لحصول المنوي مع بعده لعدم الوصول إليه بالجوارح وحركاتها الظاهرة، وأصلها نوية بكسر النون فأعل إعلال سنة" وهي لغة: القصد الذي عززه القلب، وشرعا: قصده المقترن بالفعل، أي إلا في الصوم، لقوله عليه السلام: "لا صوم لمن لم يبيت الصيام من الليل"؛ وكذلك الكفارات. وعند قومنا يجوز تقديم النية على الشروع في الفعل، ويستحب عندنا وعند الشافعية وبعض أصحاب مالك مساعدة اللسان لها خلافا للمشهور من مذهب مالك، ومحلها القلب؛ وقيل الدماغ. ورد بأن هذا لا مجال للراد فيه بل يتوقف على السمع، والأدلة السمعية دالة على الأول كقوله تعالى {ومآ أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين} [البينة:5] والإخلاص إنما يكون بالقلب. <1/5> قال العلقمي في الحديث الثاني: "قال بعضهم: والنية في الحديث محمولة على المعنى اللغوي ليحسن تطبيقه على ما بعده" وتقسيمه بقوله: «فمن كانت هجرته» إلى آخره فإنه تفصيل لما أجمله واستنباط للمقصود عما أصله على أهل الإشارة.

قال بعضهم: "النية جمع الهم في تنقية العمل للمعمول له وأن لا يسنح في السر ذكر غيره، وقال بعضهم: نية العوام في طلب الأغراض مع نسيان الفعل، ونية الجهال التحصن عن سوء القضاء ونزول البلاء، ونية أهل النفاق التزين عند الله وعند الناس، ونية العلماء لحرمة ناصبها لا لحرمتها، ونية أهل التصوف ترك على ما يظهر منهم من الطاعات، ونية أهل الحقيقة في ربوبية تولدت عن عبودية". انتهى كلام الطيبي.

Bogga 4

وإنما شرعت لتمييز العبادة من العادة، كالغسل يكون للجنابة تنظيفا وعبادة، أو لتمييز العبادات بعضها عن بعض كالتيمم يكون للجنابة والوضوء؛ وصورتهما واحدة، والصلاة تكون فرضا ونفلا، وكذلك الصوم والحج وغير ذلك.

قال ابن حجر: "فلا تجب في عبادة لا تكون عادة أولا تلتبس بغيرها كالإيمان بالله، والمعرفة به، والخوف والرجاء، والنية، والقراءة والأذكار، حتى خطبة الجمعة على الأوجه، لتمييزها بصورتها مع لزوم التسلسل أو الدور لو اتفقت النية على نية، ولزوم التناقض المحال لو توقفت المعرفة عليها، إذ هي قصد المنوي؛ ولا يقصد إلا ما يعرف، فيلزم أن يكون الإنسان عارفا بالله تعالى قبل معرفته به، فيكون عارفا به غير عارف به في حال واحدة، إلى أن قال: ولا تجب في المتروك كترك الزنا إلا لحصول ثواب الترك، لأن القصد اجتناب المنهي وهو حاصل بانتفاء وجوده، وإن لم تكن نية. إلى آخره، وكذا لا تجب في إزالة النجاسات، ورد المغصوب والعواري والودائع وقضاء النفقات، وغير ذلك مما هو معقول المعنى، إلا إذا أراد حصول الثواب"، والله أعلم.

قول: "الأعمال بالنيات ولكل امرئ ما نوى". هذا الحديث متفق على صحته، وهو مجمع على عظم موقعه وجلالته وكثرة فوائده، وأنه أصل عظيم من أصول الدين.

<1/6> قال أبو عبيد: "ليس في الأحاديث أجمع وأغنى وأكثر فائدة منه"، ومن ثم قال أبو داود: "إنه نصف العلم، ووجهه أنه أصل أعمال القلب والطاعة المتعلقة بها، وعليه مدارها"، فهو قاعدة عظيمة للدين، ومن ثم كان أصلا في الإخلاص أيضا، وأعمال القلب تقابل أعمال الجوارح بل تلك أجل وأفضل. بل هي الأصل فكان نصفا، بل أعظم النصفين كما تقرر.

Bogga 5

وقال كثيرون، منهم الشافعي: "إنه ثلث العلم"، قال البيهقي: "لأن كسب العبد إما بقلبه أو بلسانه وجوارحه، فالنية أحدها وأرجحها لأنهما تابعان لها صحة وفسادا، وثوابا وحرمانا، ولا يتطرق إليها رياء ونحوه بخلافهما". ومن ثم ورد "نية المؤمن خير من عمله" إلى آخره، قاله ابن حجر، ثم قال: وقال الشافعي أيضا: "إنه يدخل في سبعين بابا. ولم يرد به المبالغة، خلافا لمن وهم فيه، لأن من تدبر مسائل النية في متفرقات الأبواب وجدها تزيد على ذلك، إذ يدخل في ربع العبادات بكماله، وكنايات العقود والحلول والإقرار والأيمان، إلى آخر ما أطال فيه، قال بعضهم: "وليس متواترا كما زعمه بعض الناس بفقد شرط التواتر في أوله، ولكنه مجمع على صحته".

وهو ظاهر كلام المصنف رحمه الله حيث قال: "وبهذا السند فإن ابن عباس رضي الله عنه راو لهذا الحديث عن النبي من غير واسطة، خلافا لما ذكره القوم في كتبهم أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قد انفرد برواية هذا الحديث عن النبي. قال اللخمي: "وقد روي من حديث أبي سعيد الخدري وأبي هريرة وابن عباس، وابن عمر ومعاوية"، قالوا: ولا يصح سنده إلا من حديث عمر بن الخطاب رضي الله عنه انتهى، ووافقه على ذلك ابن حجر حيث قال: إذا لم يرو هذا الحديث غيره من طريق صحيح، وإن رواه عنه نحو عشرين صحابيا انتهى، وذكر كل منهما أنه لم يروه عن عمر رضي الله عنه إلا علقمة بن وقاص الليثي، ولم يروه عن علقمة إلا محمد بن إبراهيم التميمي، ولم يروه عن محمد إلا يحيى بن سعيد الأنصاري، وروى عن يحي نحو مائتين وخمسين رجلا انتهى، واللفظ للخمي.

Bogga 6

والعجب منهما كيف يثبتان الرواية عن عمر لجماعة من الصحابة ثم يقصرونها على علقمة بن وقاص ومن ذكر بعده، ولعل هذا بالنظر إلى ما صح عندهم، وهي <1/7> بشهادة نفر في قصرها على عمر وعلى علقمة عن عمر، ومن حفظ حجة على من لم يحفظ، وذكروا أنه روي في الصحيحين عندهم بألفاظ "إنما الأعمال بالنيات. إنما الأعمال بالنية. الأعمال بالنيات. العمل بالنية" قال اللخمي: وجه إفراد النية على إحدى الروايتن لكونها مصدرا، وإنما جمعت في رواية بالنيات لاختلاف أنواعها ومعانيها، لأن المصدر إذا اختلفت أنواعه جمع نحو العلوم والحلوم والأشغال، فمتى أريد مطلق النية من غير نظر لأنواعها تعين الإفراد، ومتى أريد ذلك جمعت. انتهى.

ثم قوله: «الأعمال» قال ابن حجر الهيثمي: هي حركات البدن؛ فيدخل فيها الأقوال ويتجوز بها عن حركات النفس وأثرها، أي أثر الأعمال على الأفعال لئلا يتناول أفعال القلوب وهي لا تحتاج لنية، وأل فيها للعهد الذهني، أي غير العادية لعدم توقف صحتها على نية، أو للاستغراق وهو ما حكي عن جمهور المتقدمين؛ ولا يرد عليه نحو الأكل من العاديات، ونحو قضاء الديون من الواجبات، لأن من أراد الثواب عليها احتاج إلى نية كما يأتي، لا مطلقا لحصول المقصود بوجوده وصورته. انتهى.

وقوله: «بالنيات» يجوز فيه التشديد والتخفيف على ما تقدم، والباء للسببية، وقيل للمصاحبة، فعلى الأول هو جزء من العبادة وهو الأصح، وعلى الثاني شرط، قاله ابن حجر، وقال العلقمي: قال شيخنا: قال الكراطني: الباء للمصاحبة، وقيل: للاستعانة، وقال ابن فرحون في إعراب العمدة: هي للسببية، أي إنما الأعمال ثابت ثوابها بسبب النيات، وتحتمل الإلصاق لأن كل عمل يلتصق بنيته، وقال الحافظ ابن حجر يحتمل أن تكون للسببية بمعنى أنها مقدمة للعمل، فكأنها سبب في إيجاده، ولا بد من محذوف يتعلق به الجار والمجرور، إلى آخره، يعني لأنه وقع خبر المبتدإ.

Bogga 7

قال اللخمي ناقلا عن شيخه تقي الدين في شرح العمدة: "فمن أوجب النية قدره (إنما الأعمال مجزية أو معتبرة بالنيات، أو إنما صحة الأعمال أو اعتبار الأعمال بالنيات)، فيكون إنما حذف المضاف وأقيم المضاف إليه مقامه، ومن لم يوجبها قدره (إنما الأعمال كاملة بالنيات، أو إنما كمال الأعمال بالنيات). وحجة الأول من حيث إن الصحة أكثر لزوما للحقيقة من الكمال، فالحمل عليها أولى،لأن <1/8> ما كان ألزم للشيء كان أقرب خطورا للبال عند إطلاق اللفظ. وهذا الحديث أصل في وجوب النية في سائر العبادات انتهى". يعني إلا ما قام الدليل على إخراجه من هذا العموم، كأن تكون عبادة معقولة المعنى كغسل النجاسات، أو تكون من باب الترك كترك الزنا وشرب الخمر ونحو ذلك، إلا إذا أراد حصول الثواب على ذلك فلا بد من النية كما تقدم، والله أعلم.

قوله: «ولكل امرئ ما نوى» في كتب قومنا (وإنما لكل امرئ ما نوى) قال ابن حجر الهيثمي: "أي جزاء الذي نواه دون الذي لم ينوه؛ ودون ما نواه غيره له، فاستفيد من هذه الجملة دون التي قبلها وجوب التعيين في نية ما يلتبس إلى آخره، وقال اللخمي: "إن قلت: ما فائدة قوله (وإنما لكل امرئ ما نوى)، بعد تقدم لفظ يقتضي العموم وهو قوله: (إنما الأعمال بالنيات)؟ قلت: فيه معنى جليل وهو أن اللفظ به يقتضي اشتراط النية لكل عمل؛ وذلك يقتضي منع الاستنابة في النية؛ فاعرفه. وقد استثني من هذا نية الولي عن الصبي في الحج، إذ لو نوى واحد عن غيره لصدق عليه أنه عمل بنيته وذلك ممتنع، فلما قال صلى الله عليه وسلم: (وإنما لكل امرئ ما نوى) أفاد النص على منع الاستنابة في النية فاعرفه، وقد استثنى من هذا نية الولي عن الصبي في الحج، والمسلم عن زوجته الذمية عند طهرها من الحيض على القول بذلك، وحج الإنسان عن غيره، انتهى".

Bogga 8

وهذا الحديث فيه زيادة في كتب قومنا لفظها (فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله، ومن كانت هجرته إلى دنيا يصيبها أو امرأة يتزوجها فهجرته إلى ما هاجر إليه) وتكلموا عليه بما يطول ذكره، فليراجع.

<1/9> الباب الثاني

في ابتداء الوحي

الظاهر من سوق كلامه رحمه الله أنه ترجم لشيء ولم يتكلم عليه، اللهم إلا أن يقال: أراد بابتداء الوحي كيفية نزوله مطلقا والله أعلم، وقد بين كيفية ابتداء الوحي في المواهب وغيره من كتب قومنا.

Bogga 9

قال في المواهب بعد كلام على كمية عمره صلى الله عليه وسلم، حين نزل عليه الوحي ما نصه: "وروى البخاري في التعبير من حديث عائشة: "أول ما بدأ به رسول الله صلى الله عليه وسلم من الوحي الرؤيا الصادقة في النوم، فكان لا يرى رؤيا إلا جاءت مثل فلق الصبح" وكان يأتي حراء فيتحنث فيه (وهو التعبد) الليالي ذوات العدد ويتزود لذلك، ثم يرجع إلى خديجة يتزود لمثلها، حتى جاءه الحق وهو في غار حراء، فجاءه الملك فقال: اقرأ فقلت: ما أنا بقارئ، فأخذني فغطني حتى بلغ مني الجهد ثم أرسلني فقال: اقرأ فقلت: ما أنا بقارئ، فأخذني فغطني الثانية حتى بلغ مني الجهد ثم أرسلني فقال: اقرأ فقلت: ما أنا بقارئ، فأخذني فغطني الثالثة حتى بلغ مني الجهد ثم أرسلني فقال: {اقرأ باسم ربك الذي خلق} حتى بلغ {ما لم يعلم}، فرجع بها ترجف بوادره حتى دخل على خديجة فقال: زملوني، فزملوه حتى ذهب عنه الروع، وقال: يا خديجة مالي؟، وأخبرها الخبر، ثم قال: قد خشيت على نفسي، فقالت له: كلا، أبشر. <1/10> فوالله لا يخزيك الله أبدا، إنك لتصل الرحم، وتصدق الحديث، وتحمل الكل، وتقري الضيف، وتعين على نوائب الحق، ثم انطلقت به خديجة حتى أتت ورقة بن نوفل بن أسد بن عبد العزى ابن قصي (وهو ابن عم خديجة أخي أبيها، وكان امرأ تنصر في الجاهلية، وكان يكتب الكتاب العربي، فيكتب بالعربية من الإنجيل ما شاء الله أن يكتب، وكان شيخا كبيرا قد عمي) فقالت له خديجة: أي ابن عم، اسمع من ابن أخيك، فقال له ورقة: ما ترى؟ فأخبره النبي صلى الله عليه وسلم ما رأى، فقال ورقة: هذا الناموس الذي أنزل على موسى، ياليتني فيها جذعا أكون حيا حين يخرجك قومك، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أومخرجي هم؟ فقال ورقة: نعم، لم يأت رجل قط بما جئت به إلا عودي به، وإن يدركني يومك أنصرك نصرا مؤزرا". ثم لم يلبث ورقة أن توفي.

Bogga 10

Hashiyat Tartib | Usul