Hasad Falsafi
الحصاد الفلسفي للقرن العشرين : وبحوث فلسفية أخرى
Noocyada
17
إن المجتمع الذي يقصده كون هو المجتمع العلمي، وما يسري على العلم باعتباره فرعا من فروع المعرفة، لا بد أن يسري بالضرورة على مجالات أو فروع المعرفة الأخرى، وبهذا المعنى يمكن لنا أن نتلمس الطريق إلى نموذج معرفي جديد يساعدنا على تغيير جذري في الوعي لإعادة تقييم موقفنا من الطبيعة. وإذا كان النموذج المعرفي السابق قد تمخض عن جعل البشر الكائنات الوحيدة القادرة على التقييم، بمعنى أنه جعلهم يقيمون البيئة الطبيعية تقييما أداتيا خالصا لتلبية مصالحهم الذاتية، فإن هذا النموذج قد وضع أسسا معرفية كان لها أثر سلبي على البيئة الطبيعية، وجردها من أية قيمة خاصة بها، كما قطع العلاقة الحميمة والمتوازنة التي كانت تربط الإنسان بالطبيعة في العصور الماضية. (2) نموذج معرفي جديد للخروج من أزمة الإنسان مع بيئته
ليس هدفنا من الكلام السابق أن يجرنا إلى الحديث عن ذاتية القيم أو موضوعيتها، فهذا أمر لم يحسمه التاريخ الطويل لعلم الجمال، وإنما نريد أن نؤكد النقطة الهامة في هذا الموضوع، وهي أن الإنسان هو الكائن الذي باستطاعته إدراك قيمة الأشياء بصرف النظر عما إذا كانت هذه القيمة نابعة من الذات المدركة (أي الإنسان) أو من الشيء المدرك (أي البيئة الطبيعية). وإذا صح أن الإنسان لا يستطيع أن يحيا بلا قيمة، فمن الصحيح أيضا أن الأشياء الطبيعية لا يمكن أن تحيا بدون أن يكون لها قيمة في ذاتها. بمعنى آخر إذا كان الكائن البشري له قيمة، وهو جزء من إبداعات هذه الأرض، فإن الأرض بكل ما فيها وما عليها ينطق بالقيمة. وإذا لم يكن هذا صحيحا، فكيف يثمر ما هو عديم القيمة (الأرض) كائنا (كالإنسان) له قيمة في ذاته، بل وله القدرة على التقييم. وما دمنا نعيب على النموذج المعرفي السابق أنه أدى في نهاية الأمر إلى إخضاع البيئة الطبيعية وقهرها بالعلم، ونطالب بنموذج آخر جديد ينصت إلى صوت الطبيعة، ويعيد الاعتبار لقوانينها ونواميسها الداخلية، فلا بد أن يتخذ هذا النموذج موقفا أكثر إنصافا من البيئة الطبيعية، وأعمق إيمانا بأن لها قيمة كامنة فيها وليست متوقفة على الإدراك كما يقول باركلي على سبيل المثال.
وربما يكون هذا الموقف الجديد قد عبر عنه أصدق تعبير عنوان كتاب بول تيلور
«احترام الطبيعة» الذي يؤكد أنه الموقف الوحيد الملائم لنظرة الإنسان إلى الطبيعة. فإذا كان النموذج السابق ينطلق من الاعتقاد في «النزعة المركزية الإنسانية»، فلا بد أن يأتي النموذج الجديد باعتقاد مختلف يقوم على «النظرة الحيوية إلى الطبيعة» التي ترتكز على احترام البيئة الطبيعية باعتباره «الموقف الأخلاقي الأساسي». هذه النظرة الحيوية المركزية إلى البيئة الطبيعية - من كونها رصيد البشرية وميراثها الذي ينبغي صيانته - هي التي تفسر وتبرر اتخاذ الإنسان لذلك الموقف الأخلاقي الذي ينعكس إيجابا عليه. ويثير هذا الموقف قضية هامة، وهي مسئولية الإنسان الأخلاقية تجاه البيئة الطبيعية، وضرورة أن يأتي النموذج المعرفي الجديد متضمنا نزعة أخلاقية متمركزة من حول البيئة الطبيعية في مقابل النزعة الأخلاقية السابقة المتمركزة من حول الإنسان، لإيجاد نوع من التناغم والانسجام بين الأخلاق البيئية (أي المتعلقة بتقييم القدرات البيئية وإمكاناتها) والأخلاق الإنسانية التي ينبغي أن تقنن بيئيا.
وبطبيعة الحال، فإن الحديث عن الأخلاق البيئية يفترض بشكل مسبق أن للطبيعة أو للمحيط البيئي بصفة عامة قيمة باطنة، من هنا يتبين لنا أن مشكلة النموذج المعرفي الجديد تعبر عن أزمة قيم، وأن بقاء البيئة الطبيعية وقدراتها على العطاء المتواصل مرتبط بتغير قيمنا تجاه البيئة من ناحية، والاعتراف من ناحية أخرى بأن للبيئة الطبيعية أيضا قيمة باطنة مستقلة عن العقل الذي يقيمها. وقد تبدو هذه نظرة رومانسية إلى الطبيعة باعتبارها ذاتا أو آخر، خاصة وأن هناك من ينكر أن يكون للبيئة الطبيعية قيمة خارج العقل. فها هو وليم جيمس يعلن في بداية القرن العشرين: «أن العالم بدون عقل المدرك ليس فيه جزء واحد يفوق في أهميته أي جزء آخر. وبدون عقل المدرك يبدو كل شيء سلبا ومواتا. وأيا كانت القيمة التي تبدو مشحونة بها عوالمنا، فما هي في الواقع إلا هدايا خالصة أضفاها عليها المدرك.»
18
ثم هناك أيضا في نهاية القرن العشرين من يعتقدون «أن علماء الأخلاق المهتمين بشئون البيئة قد ضلوا طريقهم بالبحث عن القيمة في الكائنات الحية مستقلة عن التقييم البشري، فقد أغفل هؤلاء الفكرة الأساسية في عملية تقييم أي شيء وهي حدوثها من وجهة نظر الشخص الذي يقوم بالتقييم، وأن البشر وحدهم هم الذي يخلعون القيمة على الأشياء.»
19
والحقيقة أن المشكلة ليست في النظرة الرومانسية إلى الطبيعة، ولا في النظرة الذاتية التي تجعل الإنسان مصدرا للقيمة؛ لأن كليهما سيجعل الإشكالية محصورة في دائرة محورها الإنسان. ولهذا يتعين علينا الآن أن نوضح أن القيمة كامنة في البيئة الطبيعية نفسها، وفي الكائنات الطبيعية ذاتها.
Bog aan la aqoon