Hasad Falsafi
الحصاد الفلسفي للقرن العشرين : وبحوث فلسفية أخرى
Noocyada
9
وورث عصر التنوير هذه الفكرة لا ليؤكد جانبها الديني، وإنما للتدليل على تميز الإنسان وتفوقه العقلي على سائر الكائنات. ولعل عبارة كانط التالية تلخص فكر التنوير بأكمله. «أن الإنسان هو الكائن الوحيد على الأرض الذي يملك العقل أو الفهم، وهو على يقين سيد الطبيعة بلا نزاع، وإذا نظرنا إلى الطبيعة باعتبارها نسقا غائيا متكاملا، فقد ولد الإنسان ليكون الغاية النهائية لها.»
10
وهذا النص يؤكد ارتباط ثلاثة عوامل أساسية رسخت المركزية البشرية ألا وهي العقل، والسيادة أو السيطرة، والغائية. فقد استطاع الإنسان بفضل العقل أن يسيطر على الطبيعة ليصبح هو محور الكون وغايته، أو محور الدائرة ومركزها. وكانت هذه أيضا هي الفكرة التي أكدها فرويد في معرض كلامه عن التسامي بالعدوان البشري بالتوجه ناحية المجال الحيوي، وبعيدا عن البشر الآخرين، فلكي «يصبح الإنسان عضوا في المجتمع البشري، عليه أن يتوجه - بمساعدة التقنية المسترشدة بالعلم - لمهاجمة الطبيعة وإخضاعها للإرادة البشرية.»
11
إن فكرة استخدام القوة العقلية للعلم لقهر الطبيعة وغزوها بالحرب أو الإخضاع - كما ترى ماري ميدجلي - ظلت فكرة عادية تماما عند العديد من المفكرين، على الأقل في كل من العالمين الرأسمالي والشيوعي، ولعل النص الذي أوردته يؤكد هذا الرأي: «يسهل التنبؤ بأنه في المستقبل، عندما يبلغ العلم والتقنية الكمال الذي لا يمكن تخيله، ستصبح الطبيعة كالشمع الطيع في يد الإنسان، حيث سيكون قادرا على أن ينطلق في أي شكل يختار»،
12
وليست الإنجازات العلمية والتقنية هي وحدها التي ساعدت على السيطرة على الطبيعة، وإنما التقدم في الدراسات التاريخية، التي مجدت الإنسان باعتباره صانع التاريخ ومحقق الإنجازات البشرية، قد ساعد أيضا على اتساع الفجوة بين الإنسان والطبيعة. ولعل كل هذه المظاهر أو السمات المعبرة عن المركزية الإنسانية هي وليدة فلسفات الذات والنموذج المعرفي الذي وضعه ديكارت - كما سبق القول - وجعل الذات في مقابل عالم الأشياء، بحيث انتهى هذا النموذج العقلي بعد سلسلة طويلة من التطورات إلى عقلانية أداتية، وإلى نوع من التقنية المدمرة التي قال عنها هيدجر في مقاله الشهير عن التقنية «إن التقنية أو الصنعة هي الفاعلية العنيفة للمعرفة»، ولقد أدت التقنية طبقا لهذا النموذج إلى غزو وحشي للواقع، وأصبحت الذات «متجردة من كل دور أخلاقي وسياسي وجمالي؛ لأن دورها مقصور على الملاحظة «المحضة» والقياس والحساب المحض»،
13
كنتيجة طبيعية لسيادة النظر إلى الطبيعة نظرة كمية مكنت من السيطرة عليها. ومع أننا بطبيعة الحال لا نرفض هذا الجانب الكمي الذي ساعد على تقدم العلوم الطبيعية تقدما هائلا، إلا أن من الضروري ألا يغيب عن بالنا أنه جانب واحد فقط من جوانب الواقع، ولا يستوعب كل جوانبه.
Bog aan la aqoon