Hanin Ila Kharafa
الحنين إلى الخرافة: فصول في العلم الزائف
Noocyada
والذكريات الضمنية ليست أكثر دقة من الذكريات الصريحة؛ فقد يتسنى لنا أحيانا أن نتذكر بنودا من المعلومات بدقة كبيرة، أما الذكريات الخاصة بأحداث الحياة فهي دائما عرضة للخطأ، كما أن الأحداث المصحوبة بانفعال قوي ليست أفضل تذكرا من الأحداث الخالية من الانفعالات. وقد دلت الدراسات الإمبيريقية على أن شهادة الشهود قد تكون محرفة بدرجة تدعو للدهشة، كذلك تثبت الدراسات أن استدعاء الأحداث التاريخية الدرامية هو أيضا تشوهه المخططات المعرفية المسبقة.
وصفوة القول أن الذاكرة ليست تسجيلا سطحيا لمثيرات خام، فما يذخر في الذاكرة هو في الحقيقة بناءات تم تشييدها وفقا للمخططات المعرفية، وهي نتاج ثقافي بالدرجة الأساس. (2) الدراسات الثقافية للذاكرة
كان بارتلت هو أول سيكولوجي تجريبي يدرس موضوع الثقافة والذاكرة بطريقة منضبطة. ذهب بارتلت إلى أن هناك مبدأين يحكمان تنظيم الذاكرة؛ الأول: هو عملية التذكر الإنشائي، يقول بارتلت بأن الثقافات هي تجمعات منظمة من الأفراد ذات عادات ومؤسسات وقيم مشتركة، تتكون لدى الأفراد عواطف قوية تجاه النشاطات المرتبطة بالمؤسسات والقيم الاجتماعية، تشكل هذه القيم وتجسدها الثقافي الميول النفسية لاختيار أنواع بعينها من المعلومات لتذكرها، وتشكل المعرفة التي تم تمثلها تحت تأثير هذه العواطف القوية البنيات التي تقوم عليها عملية التذكر، فيكون تذكر المحتوى المعرفي في المجالات الغنية بالبنيات أفضل مما هو عليه في المجالات الأقل اعتبارا وقيمة حيث تقل العواطف القوية، وبالتالي تشح البنيات التي ترشد عملية التذكر، كمثال لهذا المبدأ يروي بارتلت قصة راع يعمل لدى أحد أصحاب المزارع استطاع تذكر تفاصيل دقيقة خاصة بعملية شراء عدد من البقر: ثمن كل بقرة، والعلامة الخاصة بها، وملاكها السابقين.
2
افترض بارتلت أيضا وجود نوع آخر من التذكر يكون فيه الترتيب الزمني هو المبدأ التنظيمي: «هناك نوع من التذكر هو أقرب ما يكون إلى ما يسمى الحفظ عن ظهر قلب أو «الصم»
rote memory . يعد الصم خاصية من خواص حياة ذهنية ذات اهتمامات قليلة نسبيا وجميعها عينية في طابعها إلى حد ما وليس من بينها اهتمام مسيطر.»
3
وكمثال لذلك يسرد بارتلت وقائع جلسة تحقيق لم تستطع فيه الشاهدة أن تدلي بما حدث إلا بأن تسرد كل ما مر بها من أحداث منذ قيامها من النوم في الصباح وحتى وقوع الجريمة، ويخلص بارتلت من ذلك إلى أن بعض الثقافات تشجع التذكر التتابعي المفرط والذي أطلق عليه اسم «الصم».
وقد قام س. ف. نيدل بتجارب ميدانية وسط كل من اليوروبا والنيوب في نيجيريا. وهما شعبان يختلفان اختلافا صارخا في نواح عديدة على الرغم من أنهما يعيشان جنبا إلى جنب وتحت نفس الظروف العامة، ولديهما أنظمة اقتصادية وتنظيمات اجتماعية متشابهة ويتحدثان لغات متقاربة. يتميز دين اليوروبا بنسق تراتبي هرمي معقد من الآلهة لكل إله فيه واجباته ووظائفه المحددة، وقد طور اليوروبا فنونا تشكيلية واقعية ومسرحا واقعيا. وعلى النقيض من ذلك كان دين النيوب يتمركز حول قوة غامضة مجردة غير شخصية، وكانت الأشكال الفنية لديهم متطورة جدا في الفنون الزخرفية، ولم يكن لديهم تراث مسرحي شبيه بما لدى اليوروبا.
قام نيدل بتأليف قصة يمكن استخدامها لاختبار التذكر في كلتا الجماعتين، وقد جاءت النتائج مؤكدة لتوقعاته: فقد تذكر اليوروبا البنية المنطقية للقصة والعبارات ذات الدلالة والأحداث الحاسمة في مجرى القصة ولم يأبهوا للكليشيهات غير الدالة، بينما تذكر النيوب الكليشيهات كما هي بالضبط وأقحموا على القصة عناصر من عندهم تخلق صورة ملموسة حية لوقائع القصة.
Bog aan la aqoon