868

Hamayan Zad

هميان الزاد إلى دار المعاد

Gobollada
Aljeeriya

[5.23]

{ قال رجلان من الذين يخافون } عقاب الله، أو يعظمونه بهيبة، وهما يوشع وكالب، هذا هو المشهور الذى هو مذهب الجمهور، وقيل الرجلان من الجبارين أسلما وسارا الى موسى، فصارا ينصحان بنى اسرائيل وقالا قاتلوا الجبارين فانهم أجسام عظام بلا قلوب، ولا تخافوهم ارجعوا اليهم فانكم غالبوهم وعلى ما قالوا، وفى يخافون لبنى اسرائيل، والذين للجبارين، والعائد ضمير الجبارين محذوف تقديره يخافونهم، أى رجلان من الجبارين الذين يخافهم بنو اسرائيل. ويدل لذلك قراءة بعضهم يخافون بالبناء للمفعول، أى من الجبارين الذين يخافهم غيرهم، وذلك الغير بنو اسرائيل، وعلى تفسير الجمهور يكون معنى هذه القراءة من بنى اسرائيل الذين يخوفهم النقباء بالجبارين، فيستثنى من النقباء يوشع وكالب، فانهما لا يخوفانهم بالجبارين، أو يكون المعنى من المسلمين الذين يخوفهم الله أو غيرهم بالتذكير أو بالوعيد، أو يخوفهم التذكير أو الوعيد فيتأثرون بالخوف، وعلى تفسير الجمهور فى هذه القراءة بأوجهه يكون من أخاف يخيف، وهذه القراءة أنسب بتفسير الرجلين بأنهما من الجبارين أسلما وتابا. { أنعم الله عليهما } نعت ثان لرجلان، أو حال من رجلان أو من ضميرهما فى من الذين، أو مستأنف معترض بين القول ومفعوله الذى هو قوله تعالى { ادخلوا عليهم الباب فإذا دخلتموه فإنكم غالبون وعلى الله فتوكلوا إن كنتم مؤمنين } ادخلوا على الجبارين باب مدينتهم، ولعل الرجلين علما بأن بنى اسرائيل اذا دخلوا الباب غلبوا الجبارين من اخبار موسى عليه السلام بذلك، ومن قوله

كتب الله لكم

وقيل من غلبة الظن، وما علما من عادة الله فى نصر رسله، وما عهدا من صنع الله لموسى فى قهر أعدائه، وما عرفا من ضعف القلوب الجبارين، وأيضا من مظان الغلبة أن يفجأهم ويأخذوا عليه المضيق وهو الباب، فيمنعوهم البروز للصحراء، فيتيسر عليهم الكر فى المدينة، والباب للضيق مع عظم أجسامهم المقتضية للصحراء، فلذلك قال { ادخلوا عليهم الباب } فالله عز وجل يجعل الهيبة فى قلب من يشاء لمن يشاء. ولما جعل الله الخوف من الحية والعقرب ونحوهما، ترى الرجل لا يسكن قلبه، ويضطرب فى دار فيها ذلك مع عظم جسمه، وصغر جسم ذلك، فمثل ذلك جعل الله فى قلوب الجبارين لبنى اسرائيل، ومن كلام العام اذا رأيت طويلا هاربا فاعلم أن وراءه قصيرا، وانما ذلك أسباب الأشياء مستقلة. انما تفيد ان أفادهم الله جل جلاله منها، ولذلك أمرهم بالتوكل على الله وحده، والفاء فى فتوكلوا صلة مؤكدة، أو فى جواب أما محذوفة واما تفيد التوكيد، كأنهما قالا هذا ما عليكم فعله بالجارحة، وأما بالقلب فعلى الله توكلوا، والحاء فى ايجاب التوكل حتى قالا ان كنتم مؤمنين أى مصدقين بالله ورسوله أو بوعده لرسوله بالنصر.

[5.24]

{ قالوا يا موسى إنا لن ندخلها أبدا ما داموا فيها فاذهب أنت وربك فقاتلا إنا هاهنا قاعدون } خاطبهم الرجلان، وأجابوا موسى مبالغة فى ابطال كلامهما، والتهاون به، ومسارعة الى قطع الدخول البتة، ولأن كلامهما مما أراد موسى عليه السلام وارتضاه، فهو كلامه وقد مر أنهما لما قالا ما يليق بذلك أرادوا رجعهما، ولما قالوا ذلك وهموا بالانصراف الى مصر خر موسى وهارون قدامهم ساجدين لله تعالى، خائفين من الله، طالبين للطفه وخلعة نبيا يبين الله أن يجعل لهما، ولمن معهما مخرجا وغناء عن هؤلاء، والله أعلم. قيل وخرق يوشع وكالب ثيابهما، ولعل ذلك جائز فى شريعتهما على غير سخط قضاء الله، وقولهم اذهب أنت وربك فقاتلا شرك بالله تعالى، اذ وصفوه بالانتقال وبالحلول والتركيب والحدوث ونحو ذلك من النقائص اللازم ذلك كله على وصفه بالانتقال، وكذا وصفوه تعالى بالقتال الذى هو حركة وسكون، وتحول وعلاج، وذلك كله شرك كما عبدوا العمل، وقالوا اجعل لنا الها، وطلبوا رؤية الله جهرة، فهم مجسمة، وأشركوا بذلك، لأنه لفظ شرك، ولو أرادوا بذلك مجرد مخالفة ما أمروا به لا حقيقة الانتقال والقتال لكانوا مشركين باللفظ، منافقين بالمعنى، واذا استحضرت شركهم بعبادة العجل، وقولهم اجعل لنا الها مع مصاحبتهم نبى الله ورؤيتهم المعجزات لم يكن لك أن تستبعد اشراكهم فى الآية. ولو قيل ببعده ويضعف أن يقال مرادهم، وربك معين لك أو يعينك، لأن فيه تقدير لا يخرج اليه كون الكلام لمتورع، أى لا تقوى ولا ورع لهم، ولأن فقاتلا ينافى هذا التقدير منافاة ظاهرة تحتاج الى تكلف دعوى قاتل يا موسى بسلاحك، وربك باعانته اذ هذا جمع بين الحقيقة والمجاز، أو دعوى عموم المجاز. والحاصل أن الله عز وجل قد وصفهم بقوله

وما قدروا الله حق قدره

وقيل أرادوا بقولهم وربك أخاه هارون، وكان أكبر من موسى، كما يعظم الأكبر باسم التعظيم كالأب والسيد، أو بمعنى وصاحبك وهو هارون عليه السلام، وذلك ضعيف، ودام فى تأويل مصدر بدل من أبدا بدل البعض، فان دوام الجبارين فيها بعض الأبد، أو بدل مطابق على تقدير استشعار دوامهم فيها أبد الدنيا، وأبد حياة بنى اسرائيل القائلين ومن يخلفهم، ولما قالوا ما قالوا، قالوا يا موسى أتصدق اثنين يوشع وكالب وتكذب عشرة باقى النقباء، وأيس من خيرهم قال ما حكى الله عز وجل عنهم بقوله { قال رب إنى لا أملك }

[5.25]

{ قال رب إنى لا أملك إلا نفسى وأخى فافرق بيننا وبين القوم الفاسقين } أخى معطوف على نفسى لا على الياء، لعدم اعادة الخافض والمعنى لا أملك الا طاعة نفسى وأخى، أى حصلت لى طاعة نفسى وطاعة أخى، لأن الحر لا يكون مملوكا، وذلك ظاهر التأويل، حتى كأنه لا يلاحظ غيره، لأن الطاعة هى المراد بالذات ولو من العبد المملوك، ويجوز أن يكون أخى معطوفا على ياء انى، وتقدر جملة تعطف على لا أملك عطفا لمعمولين على معمولى عامل، أى وان أخى لا يملك الا نفسه كقولك ان زيدا قائم وعمرا قاعد. ويجوز عطف أخى على المستتر فى أملك لوجود الفصل بقوله { إلا نفسى } فيقدر الا ومدخولها أيضا، فيكون عطفا لمعمولين على معمولى عامل واحد، أى لا أملك الا نفسى ولا أخى الا نفسه، أى ولا يملك أخى الا نفسه، أو يقدر عطف فقط على نفسى بدون الا أى لا أملك أنا وأخى الا نفسى ونفسه، ويجوز أن يكون أخى معطوفا على محل ان واسمها على أنهما معا بمنزلة المبتدأ، اذ لم يغير الجملة الى المفرد، بل أفادت التأكيد فقط، كما غيرتها أن بالفتح فيقدر لأخى خبر، فيكون العطف من عطف جملة على أخرى، وكأنه قيل أنا لا أملك الا نفسى، وأخى لا يملك الا نفسه، وانما كررت أنا للتأكيد ليفيد ما تفيد أن لكن ان رجعنا التأكيد اللفظى الى الخبر. وأولى من ذلك أن تقول أنا لا أملك تحقيقا الا نفسى، ولا مانع من عطف جملة مجردة من أن على أن واسمها وخبرها بلا حاجة الى تنزيل ان واسمها بمنزلة المبتدأ وهو ظاهر واضح، وأما أن يعطف أخى على محل اسم أن على أن محله الرفع، ويقدر الا نفسى والا أخى الا نفسه، فالصحيح المنع، اذ لا يظهر هذا المحل، بل لا نسلم أن هناك محلا. وأجاز الكوفيون وابن مالك عطف أخى على ياء نفسى، لعدم أشراطهم اعادة الجار فى العطف على الضمير المجرور المتصل، والجار هنا المضاف وهو لفظ نفس، ولو أعيد لقيل الا نفسى ونفس أخى، وانما قال الا نفسى وأخى وهو هارون، ومع أن معهما يوشع وكالب، لأنه لم يثق بهما كل الوثوق لما جرب من تلون أحوال قومه مع طول الصحبة، فلم يذكر الا النبى المعصوم، أو لم يذكرهما تقليلا لهما لفرط ضجره عندما سمع قول قومه، حتى أنه نزلهما منزلة العدم، اذ لا يقعان من الجبارين موقع ما أراد، ويجوز أن يريد بأخى جنس الأخ فى الدين، فيشمل هارون ويوشع وكالب، وانما قال موسى { رب إنى لا أملك } الآية اشتكاء الى الله، وتضرعا واستنزالا لنصر الله جل جلاله، ومعنى { افرق بيننا وبين القوم الفاسقين } احكم بيننا وبين هؤلاء الخارجين عن طاعتك من بنى اسرائيل بما يستحقون من العذاب، وثبتنا على طاعتنا، فالفرق بمخالفة الجزاء قيل وباعد بيننا وبينهم، وخلصنا من صحبتهم.

Bog aan la aqoon