Hamayan Zad
هميان الزاد إلى دار المعاد
" من أحب لقاء الله أحب الله لقاءه، ومن كره لقاء الله كره الله لقاءه "
ويجوز بقاء الظن على حقيقته، فيكون لقاء الله ثوابه، إذ لا يحزمون لأنفسهم بالجنة، إذ لا يعلمون ما حالهم عند الله تعالى، والظاهر أن كم خبرية للتكثير، أى كثير من الفئات غلبت للفئات الكثيرة فئة كثيرة بفئة قليلة غالبة، وهذا تذكير لأنفسهم، وتشجيع لمن قال { لا طاقة لنا اليوم بجالوت وجنوده } وقولهم فى الجواب { غلبت فئة كثيرة } دليل على أن القائلين { لا طاقة } إلخ إنما قالوه خوفا من كثرة جنود طالوت، لكن قد لاحظوا مع ذلك ولو قوة ما فى القول للكثرة، والقوة وإلا لم يهابوا، إلا إن أراد إظهار العجز ولم يكن، وأجاز بعضهم أن تكون استفهامية، أى أخبرونا بعدد الفئات القليلات الغالبات، الكثيرات، لنزداد شجاعة ويقينا، والاستفهامية هنا مرجوحة، والراحج الخبرية، وهى للتكثير، ومن مزيدة فى تمييزكم إن أجيز زيادتها فى الإيجاب، أو اعتبرنا الاستفهامية كأدات النفى بانتفاء العلم فيهما، والخبرية تشبه الاستفهامية، أو هى للبيان والتمييز محذوف، أى كم شئ هو فئة، ولا ينا فى التكثير بكم التقليل بقوله { قليلة } ، لأن التكثير بها منظور فيه إلى جملة كل فئة، والتقليل بقولة { قليلة } ، منظور فيه إلى إفراد الفئة، والفئة بوزن فعة محذوف اللام من قولك فأوت رأسه إذا شققته فأوى حذفت لامه وهو الواو، وعوض عنها التاء، أو بوزن علة محذوف العين معوض عنها التاء من قولك فاء بمعنى رجع، ووجه ذلك أن الفئة من الناس يرجع بعضهم إلى بعض، وهم أيضا كقطعة فتجمع جمع سلامة للمذكر، لأنهم من باب سنة وثبة، ولو كان لفظها بالتاء، وليس علما لعاقل ولا لغيره، ولا صفة كذلك، وإذن الله إرادته ومعنى كون الله مع الصابرين أنه ناصرهم ومثيبهم على ما صبروا عليه من الطاعت كالجهاد.
[2.250]
{ ولما برزوا } أى لما برز طالوت والمؤمنون المقاتلون معه، أى ظهروا، قولك أرض براز أى ظاهره غير مستوية بعمارات أو شجر أو غور، فهم كذلك ظهروا لأجل عدم ساتر لدنوهم. { لجالوت وجنوده } وهم مشركون، واللام للتعدية أو للتعليل، أى لأجل جالوت، أى لأجل قتال جالوت وجنوده، متعلقة ببرزوا على الوجهين، ويجوز تعليقها بحال محذوفة، أى متصافين لقتال جالوت وجنوده. { قالوا ربنا أفرغ } أى اصبب. { علينا صبرا } التجأوا حين رأو قلتهم وكثرت جنود جالوت إلى الله تعالى، منادين بلفظ رب، لإشعاره بعبوديتهم له، فيصلح حالهم، هو دون غيره، وسألوه إفراغ الصبر فى قلوبهم، لأن الصبر هو ملاك الأمر، واختاروا للفظ الإفراغ مبالغة، كأنه قيل أعطنا كلما يمكن أن يعطى لمخلوق من الصبر، حتى لا يبقى منه شئ، كقولك افرغ الإناء أى أخله من جميع ما فيه، وذكروا لفظ على لكثرته حتى يستعليهم ويكون فيهم كالمصروف. { وثبت أقدامنا } أى ثبت أقدامنا التى نمشى بها فى الأرض بتقوية قلوبنا، ولا نفر عن القتال، أو قلوبنا فهو كناية أريد بها معناها ولازمه، وأخروا هذا عن طلب إفراغ الصبر، لأنه يترتب على الصبر. { وانصرنا على القوم الكافرين } أخروا طلب النصر لترتب النصر غالبا على الضمير، وتثبيت القدم، ولإشعار ذلك بالظفر وتسببه فى الظفر رتب عليه هزم عدوهم بالفاء فى قوله { فهزموهم.. }
[2.251]
{ فهزموهم } أى هزم طالوت ومن معه من المؤمنين، جالوت ومن معه المشركين، أى غلبوهم، وأصل الهزم الكسر. { بإذن الله } أى بإرادته وتأييده، فالباء من طريق باء الاستعانة أو أراد مصاحبين لنصره إياهم إجابة لدعائهم. { وقتل داود جالوت } وكان داود قصيرا نحيفا، وجالوت طويلا غليظا، قيل كان ظله ميلا لطون قامتة، وفى بيضة القتال التى يجعل على رأسه فى القتال ثلاثمائة رطل حديد، وكان يهزم الجيوش وحده، وكان رأس العمالقة وملكهم، وكان من أولاد عمليق ابن عاد، فأصله فى العرب وأمه بربرية، وقيل أصله البربر، واسم أبى داود إيشا، وكان ممن عبر النهر مع طالوت، ومعه ثلاثة عشر إبنا له، وقيل سبعة وداود أصغرهم، وكان يرمى بالقذافة، فقال لأبيه يوما يا أبت ما أرمى بقذافتى الا صرعته، فقال أبوه أبشر يا بنى فان الله قد جعل رزقك فى قذافتك، ثم أتاه مرة أخرى فقال ل. يا أبتاء لقد دخلت بين الجبال فوجدت أسدا رابضا فركبته، فأخذت بأذنه لم يهجنى. فقال أبوه أبشر يا بنى فإن هذا خيرا يريد الله بك، ثم أتاه يوما آخر فقال يا أبتا إنى أمشى بين الجبال فاسج فما يبقى جبل الآسج معى فقال يا بنى أبشر فإن هذا خيرا أعطاكه الله، وأرسل جالوت الجبار إلى طالوت ملك بنى إسرائيل أن ابرز إلى بنفسك أو أبرز إلى ما يقاتلنى فلكم ملكى، وإن قتلته فلى ملككم فشق ذلك على طالوت ونادى فى عسكره من قتل جالوت زوجته بنتى وناهفته ملكى، فهاب الناس جالوت، فسال طالوت نبيهم أن يدعو الله فدعا الله بذلك، فأتاه مخلك بقرن فيه دهن القدس وتنور حديد، وقيل له إن صاحبكم الذى يقتل جالوت هو الذى إذا وضع القرن على رأسه غلى حتى يدهن رأسه، ولا يسيل على وجهه، بل يكون كهيئة الإكليل، ويدخل فى هذا التنور فيملأه ولا يتقلل فيه، فدعا طالوت بنى إسرائيل وجربهم فلم يوافقه أحد منهم، فأوحى الله إلى نبيهم أن فى ولد إيشا من يقتل جالوت، فدعا طالوت إيشا وقال له أعرض على بنيك، فخرج له اثنا عشر أو ستة أمثال السوارى، فعرضهم على القرن فلم ير شيئا، فقال إيشا هل بقى ولد غير هؤلاه؟ فقال لا. فقال النبى يا رب قد زعم أن لا ولد له غيرهم، فقال له كذب. فقال النبى إن ربى قد كذبك فقال إيشا صدق ربى يانى الله إن لى ولدا صغيرا مسقاما اسمه داود، استحيب أن يراه الناس لقصر قامته، وحقارته، فجعلته فى الغنم يرعاها وهو فى شعب كذا، قيل وكان أصفر أزرق، فدعا به طالوت ويقال إنه خرج إليه فوجده فى الوادى، وقد سال الوادى ماء، وهو يحمل شاتين يعبر بهما المسيل إلى الزريبة التى يريح فيهما غنمه، فلما رآه طالوت قال هذا هو الرجل المطلوب لا شك فيه، فإنه يرحم البهائم، فهو بالناس أرحم، فدعاه ووضع القرن على رأسه فنش وفاض، وقال له طالوت، هل لك أن تقتل جالوت وأزوجك ابنتى وأجرى خاتمك فى ملكى؟ قال نعم.
فقال له هل أنست من نفسك شيئا تتفوى به على قتله؟ قال نعم، أنا أرعى الغنم فيجئ الأسد أو النمر أو الذيب فيأخذ شاة من الغنم، فأقوم فأقوم فأفتح لحييه عنها وأخرقهما إلى قفاه. فأخذ طالوت داود فأدخله العسكر، ومر داود فى طريقه بحجر فناداه يا داود احملنى فإنى حجر هارون الذى قتل به ملك كذا، فحمله، ثم مر بحجر آخر فقال له يا داود احملنى فإنى حجر موسى الذى قتل به كذا وكذا، ومر بحجر فقال احملنى فإنى حجرك الذى تقتل به جالوت، أى مع الحجرين قبله، فوضع الثلاثة فى مختلاته وتصاف العسكران، وقال جالوت من يبارزنى؟ فانتدب له داود عليه السلام فأعطاه طالوت فرسا وسلاحا، فلبس السلاح وركب وسار قريبا، ثم رجع إلى طالوت فقال من حوله جبن الغلام، فجاء فوقف على طالوت فقال له ما شأنك؟ فقال له داود عليه السلام لئن لم ينصرنى الله لم يغن عنى هذا السلاح شيئا، وإن نصرنى فلا حاجة لى به، فدعنى أقاتل كما أريد؟ قال نعم. فأخذ مخلاته وتقلدها، وأخذ المقلاع بيده ومضى نحو جالوت، فلما نظر إليه جالوت وقع الرعب فى جالوت وقال له أنت تبزلى؟ قال نعم. وكان جالوت على فرس أبلق علبه السلاح التام، فقال أتيتنى بالمقلاع والحجر كما يؤتى الكلب؟ قال نعم، أنت شر من الكلب. قال جالوت لا جرم لأقسمن لحمك بين سباع الأرض وطير السماء. وقال داود أو يقسم الله لحكمك. فقال داود باسم إله إبراهيم، وأخرج حجرا ثم قال باسم إله إسحاق، وأخرج حجرا ثم قال باسم آله يعقوب، وأخرج حجرا ووضعها فى مقلاعه، فصارت حجرا واحدا وأدار المقلاع ورمى به جالوت، فسخر الله له الريح فحملت الحجر حتى أصاب أنف البيضة، فخلط دماغ جالوت، وخرج من قفاه. وقيل لما خرج تفتت بإذن الله عز وجل، حتى عم جنود جالوت، فلم يبق منهم أحد إلا أصابه فلق كرى رسول الله صلى الله عليه وسلم الحفنة يوم بدر. وروى أنه لما أراد البروز إلى جالوت قال لإخوته هل يبرز إليه واحد منكم فسكتوا ولم يطيقوا. وروى أنه لما رماه بالحجر كسر البيضة من أنفها وخلص دماغه وخرج من قفاه، وقتل من ورائه ثلاثة عشر رجلا وخر جالوت صريعا قتيلا، فأخذه داود يجره حتى ألقاه.
سقط من الأصل هنا عدة أسطر لا حاجة لابنتى فى المال، لا أكلفك ما لا تطيق، أنت رجل حربى وفى جبالنا أعداء لنا قلف، فإن قتلت منهم مائتى رجل وجئتنى بقلفهم زوجتك ابنتى، وأراد بذلك أن يكيده بأن تقتله الأعداء، فأتاهم فجعل كلما قتل منهم واحدا أنظم قلفته فى خيط حتى نظم مائتى قلفة، فجاء بها إلى طالوت والقاها بين يديه وقال أدفع لى امرأتى، فزوجه ابنته بين يديه وقال أدفع لى امرأتى، فزوجه ابنته وأجرى خاتمه فى ملكه، فمال الناس إلى داود وأحبوه، وأكثروا ذكره، فحسده طالوت. قال وهب كان الملوك يؤمئذ يتوكؤون على عصاة فى طرفها حديد، وكان بيد طالوت عصاة كذلك، وأعلاها رمانة ذهب، فدخل على داود فى بيته فرماه بها بغتة ليقتله، وحذره داود فمال هو فى مكانه فغرزت بالجدار، فقال له داود تعمدت قتلى؟ فقال طالوت لا بل أردت أن أوفقك على ثباتك الطعان وربط جأشك للأقران، قال داود فلقيتنى، كما قدرت بى. قال نعم، ولعلك فزعت؟ قال معاذ الله أن أخاف إلا الله، ولا نرجو إلا الله، ولا يدفع الشر إلا الله، وانتزعها داود من الجدار، ثم هزها هزة منكرة، وقال له أثبت كما ثبت لك، فأيقن طالوت بالهلاك، فقال أنشدتك الله بالحرمة التى بينى وبينك، وإنما أراد داود تخويفه، فقال داود إن الله تعالى كتب فى التوراة أن جزاء السيئة مثلها، واحدة بواحدة، والبادى أظلم. فقال طالوت أفلما تقول قول هابيل لأخيه قابيل
لئن بسطت إلى يدك لتقتلنى ما أنا بباسط يدى إليك لأقتلك إنى أخاف الله رب العالمين
فقال داود إنى عفوت عنك لوجه الله العظيم. ثم بعد ذلك أراد قتله، فأخبر بذلك ابنة طالوت رجل يقال له ذو العينين فأخبرت بذلك داود، وقالت له إنك مقتول الليلة. قال ومن يقتلنى؟ قالت أبى. قال وهل أجرمت جرما يوجب القتل؟ قالت حدثنى بذلك من لا يكذب، ولا عليك أن تغيب الليلة حتى تنظر مصداق ذلك فقال إن كان يريد ذلك فلا أستطيع خروجا ولكن ائتينى بزق خمر، فأتته به فوضعه فى مضجعه على سريره وسجاه، ودخل تحت السرير، فدخل طالوت نصف الليل، فقال لابنته أين بعلك؟ قالت هو نائم على سريره، فضربه بالسيف فسال الخمر، فلما وجد ريح الخمر قال يرحم الله داود ما أكثر شربه للخمر، وخرج، فلما أصبح علم أنه لم يفعل شيئا، فقال إن رجلا طلبت منه ما طلبت فحقيق ألا يدعنى حتى يدرك بثأره منى، فاشتد حجابه وحراسته، وأغلق دونه أبوابه، ثم إن داود أتاه ليلة وقد هدأت العيون، وأعمى الله عنه الحجبة، ففتح الأبواب ودخل عليه وهو نائم على فراشه، فوضع سهما عند رأسه وسهما عند رجليه، وسهما عن يمينه، وسهما عن شماله، وخرج، واستيقظ طالوت فعرف بالسهام فقال يرحم الله داود هو خير منى، ظفرت به قصدت قتله وظفر بى فكف عنى، ولو شاء لوضع هذا السهم فى حلقى، وما أنا بالذى آمنه، فلما كان من الليلة القابلة أتاه ثانيا، فأعمى الله عنه الحجاب، فدخل عليه وهو نائم فأخذ إبريق وضوئه وكوزه الذى يشرب منه، وقطع شعرات من لحيته، وشيئا من طرق ثوبه، وتوارى، فلما أصبح طالوت، ورأى ذلك، سلط على داود العيون وطلبه أشد الطلب، فلم يقدر عليه أحد، ثم إن طالوت ركب يوما فوجد داود يمشى فى البرية، فقال اليوم أقتله.
Bog aan la aqoon