Hamayan Zad
هميان الزاد إلى دار المعاد
" الدنيا عرض حاضر يأكل منه البر والفاجر "
{ قريبا } سهل التناول، ويجوز عندى أن يكون المعنى عرضا قريب الفناء، أو غير بعيد المرتبة والشأن، وذلك نفع مستطرد فى منافع الدنيا. { وسفرا قاصدا } متوسطا وقيل هين يسير { لاتبعوك } إلى تبوك لذلك العرض لا لله { ولكن بعدت } وقرأ عيسى بن عمرو، والأعرج بكسر العين، وقال أبو حاتم موافقة تميم { عليهم الشقة } وقرأ عيسى بن عمرو بكسر الشين، قال أبو حاتم تميم هو لغة وهى المسافة التى تقطع بمشقة. { وسيحلفون بالله } إذا رجعت من تبوك معتذرين، والباء متعلق بيحلف، لو استطعنا خروجا لخرجنا معكم، ولكن منعنا عدم قوة البدن، وعدم العدة، وهذا إخبار بغيب، والجواب للو وشرطها وجوابها جواب ليحلف، لا كما قال جار الله، والقاضى إن لخرجنا ساد مسد جوابى القسم والشرط، ولا يحتاج إلى تقدير القول، ويجوز أن يكون بالله قسما من كلامهم، فيعلق بمحذوف، فحينئذ يضمن يحلف المذكور معنى القول، أو يقدر القول أى يقولون بالله. { لو استطعنا لخرجنا معكم } وذلك ما ظهر لى وهو صحيح إن شاء الله، وقال جار الله يقدر القول على الوجهين، أى سيحلفون بالله يقولون لو استطعنا، أو سيحلفون يقولون بالله لو استطعنا، قال أبو الفتح، قرأ الأعمش بضم واو لو تشبيها بواو الجماعة المفتوح ما قبلها، المسكن ما بعدها، فتمنوا الموت، واشتروا الضلالة. { يهلكون أنفسهم } باليمين الفاجرة، كما ورد فى الحديث
" إنها تذر الديار بلاقع وإنها تورث النار "
والجملة بدل من يحلفون أو حال من واوه، أو من الضمير فى لخرجنا، وعلى الأخير فأصل الكلام لخرجنا معكم ونحن مهلكون أنفسنا بالشقة، أى لخرجنا معك صابرين على ذلك، وجىء بلفظ الغيبة. { والله يعلم إنهم لكاذبون } فى ادعاء الاستطاعة، قيل هم تسعة وثلاثون رجلا.
[9.43]
{ عفا الله عنك } كناية عن أنه فعل ما ينبغى أن لا يفعله وهو الإذن لهم فى القعود، كما بينه بقوله { لم أذنت لهم } وهذا عتاب وزجر عن المعاودة بعد العفو، وذلك عتاب على ترك الأولى لا ذنب، وذلك من اللطف والإكرام بمكان، بدأ بالعفو قبل ذكر ما عنه العفو، وقال عمرو بن ميمون الأودى صدع رسول الله صلى الله عليه وسلم برأيه فى قضيتين دون أن يؤمر فيهما بشىء هذه وأمر أسارى بدر فى الفداء، فعاتبه الله فيهما. وليس العتاب بعد حصول العفو مستحيلا، بل مستعمل كثير، وفائدته تأكيد الزجر والتوقيف على عين لا عن العفو، كما يعاتب السعيد يوم القيامة، وقد بشر فى قبره أو عند موته بالجنة، ذلك هو الذى ظهر لى. قال الشيخ هود رحمه الله، وجار الله، والقاضى ما حاصله إن العفو كناية عن أنه لم يصب فى الإذن، وأن العفو إنما يكون عن ذنب، وهو من روادف ذلك، ولا بأس بذلك، لأن المراد أن إذنه ولو كان غير ذنب لكنه كالذنب فى حقه صلى الله عليه وسلم، بل جوز بعضهم الصغائر فى حق الأنبياء، وقال السعد أجاز الكثيرون الصغائر على الأنبياء سهوا منهم عليهم السلام، ولكن فى عبارة جار الله خشونة، إذ قال أخطأت وبئس ما فعلت، وما كان يحسن له أن يعبر بذلك، وقد راعى الله سبحانه وتعالى مخافته ووقاره بتقديم العفو، وذكر الإذن المنبىء عن علو المرتبة، وقوة التصرف، وأراد الكلام فى صورة الاستفهام، وإن كان القصد إلى الإنكار. وقيل قوله { عفا الله عنك } استفتاح كلام بخير، كما تقول أعزك الله، وأصلحك الله ما فعلت فى أمرى، ولا ذنب هناك، أو فيه ترك الأولى، وفى حديث
" عفا الله لكم عن صدقة الخيل والرقيق "
مع أنه لم تلزم صدقة فيهما قط، بل قال القشيرى إنما يقول إن العفو ولا يكون إلا عن ذنب، ولم يعرف كلام العرب، وإن معنى { عفا الله عنك } لم يلزمك ذنب، كما يقال لا بأس عليك. وقيل المعنى عافاك الله، وقيل أدام لك العفو كيف يكون إذنه ذنبا، مع أن ذلك من جنس ما يتعلق إلى اجتهاده فى الحروب ومصالح الدنيا، قيل ومع أن الله سبحانه وتعالى قد قال له
فأذن لمن شئت منهم
قلت بل قال هذا فى المؤمنين، وآية هذه السورة فى المنافقين. { حتى يتبين } متعلق بمحذوف، أى هلا توقفت حتى يتبين، ويجوز أن يكون المراد الزجر عن معاودة مثل ذلك فيقدر لا تأذن لهم { لك الذين صدقوا } فى اعتذار { وتعلم الكاذبين } فيه، والفريقان منافقون، وقيل مختلطون، والصادقون مؤمنون وهو ضعيف، بل يجوز ألا يكون فيهم صادق فى اعتذاره أصلا، ولكن أتى الله بذلك الكلام تتميما للعتاب، كأنه قال لم أذنت لهم قبل تبين الصادق لو كان فيهم والكاذب، وقيل الذين صدقوا فى أنهم لو لم تأذن لهم لخرجوا معك، والكاذبين لأنهم لا يعرجون ولو لم تأذن لهم، وفى كتاب الناسخ والمنسوخ إن قوله سبحانه وتعالى { عفا الله عنك لم أذنت لهم } منسوخ بقوله
Bog aan la aqoon