Hamayan Zad
هميان الزاد إلى دار المعاد
" إن أحدا نحبنا ونحبه وإنه يمثل يوم القيامة بين الجنة والنار يحتبس عليه أقوام يعرفون كلا بسيماهم هم إن شاء الله من أهل الجنة وإن أحدا على ركن من أركان الجنة ".
{ رجال } سعداء يحبسون عليه بين الجنة والنار عقابا لهم لكثرة تلذذهم بالمعاصى، وقلة عبادتهم، غير أنهم ماتوا على التوبة، هذا ما ظهر، وعن حذيفة، وابن مسعود، وابن جبير، والضحاك قوم استوت حسناتهم وسيئاتهم، والميزان يرجح بمثقال ذرة، ولم يرجح لهم وقد ماتوا على خير فيدخلون الجنة بعد القضاء بين الخلق، فلسعادتهم وموتهم تائبين استحقوا الجنة، ومحيت سيئاتهم بحسناتهم، وحبسوا بعدم زيادة حسناتهم، فلا إشكال ولو استشكله أو ستة، ولا ينافى هذا كون سيئاتهم تبدل حسنات، لأن أثر هذا الإبدال فى الدرجات، أو لأن معنى الإبدال توفيقه إلى عمل الحسنات بدل السيئات. ويقول حذيفة قال ابن عباس، وقالا إن الله يأمر بهم إلى عين الحياة، وحافتاه قضبان الذهب مكللة باللؤلؤ، ترابه المسك، يلقون فيه فتلمح ألوانهم وتبدو فى نحورهم شامة بيضاء، يعرفون بها، ويقال لهم تمنوا ما شئتم، فيتمنوا حتى تنقطع أمنيتهم، فيقال لهم ذلك وسبعون ضعفا بالموحدة، ويدخلون الجنة، ويعرفون بتلك الشامة، ويسمون مساكين أهل الجنة، وذلك بعد أن يستشفعوا الأنبياء فلا يشفعون، فيشفع فيهم نبينا.
وذكر الطبرى عن بعض، عنه صلى الله عليه وسلم أنهم قوم قتلوا فى سبيل الله عصاة لآبائهم وأنهم آخر من يدخل الجنة، ولم يصح هذا عنه صلى الله عليه وسلم، لأن من مات عاقا لوالديه لا يدخل الجنة أبدا، كما تدل عليه الأحاديث، وقال بن الجوزى قوم أرضوا آباءهم دون أمهاتهم، أو أمهاتهم دون آبائهم، وفيه ما ذكرت، وقيل خرجوا إلى الجهاد بغير إذن آبائهم، ولعله جهاد مستغنى عنهم، فانظر شرحى على النيل . وعن ابن عباس أنهم أولاد الزنى، وفيه أنه لا تبعة عليهم أو نقصان يلحقهم من زنى آبائهم، فضلا عن أن يحبسوا لذلك، وقيل أهل الفترة، وعندنا أهل الفترة إلى النار، وقيل أولاد المشركين وهو قريب، وقيل قوم كانت لهم صغائر لم تكفر عنهم بالآلام والمصائب فحبسوا لينالهم غم، وهو حسن. وعن ابن عباس هم العباس وحمزة وعلى وجعفر ذو الجناحين، وعندنا أنهم فى الولاية إلا عليا فإن الصحيح أنه لم يتب، قال يعرفون محبهم ببياض الوجوه، ومبغضهم بسوادها، وعند أصحاب الذنوب العظام، ولا يصح عندنا هذا إلا إن ماتوا على التوبة، فكان الحبس قصاصا، وهم على كل قول من الأقوال السابقة آخر أهل الجنة دخولا، وحبستهم قصاص. وقال مجاهد قوم صالحون فقهاء علماء، فكونهم على الأعراف للتلذذ، وليرى شرفهم، وقيل هم عدول القيامة يشهدون على الناس بأعمالهم، وهم فى كل أمة، واختاره النحاس، وقال الزجاج، وابن الأنبارى أنبياء أجلسهم الله هناك تشريفا، وليطلعوا على أهل الجنة والنار، ومقادير الجزاء، وقيل الشهداء كانوا هنا للشريف، ولا بأس فى هذه الأقوال. وقال أبو مجلز لا حق بين حميدهم ملائكة موكلون على التمييز بين الكافر والمؤمن، سماهم رجالا، لأنهم بصورة الرجل، ويخاطبون بخطاب الذكر، وليسوا بإناث، وقد ضعفه الطبرى، بأن الرجل فى لسان العرب للذكر الآدمى. { يعرفون كلا } من أهل الجنة وأهل النار { بسيماهم } بعلامتهم، كبياض الوجوه ونضرتها، وسواد الوجوه وزرقة العيون، يعرفونهم بالسيماء إلهاما أو مع تعليم الملائكة أن علامة كذا لأهل كذا، ووزن سيما فعلى كذكرى، فالياء أصل والألف للتأنيث من سام إبله إذا علمها وأرسلها فى المرعى، وسام الشىء وسومه علمه، أو من وسمه بمعنى علمه أيضا، فقدمت السين على الواو، وقلبت الواو ياء لكسر ما قبلها كما قيل إن الجاه من الوجه، فذلك قلب مكنى وهو تقديم حرف على آخر، باعتبار ذلك يكون الوزن عدلا إلا إن كان ذلك اشتقاقا كبيرا كجيد وجدب، فالوزن فعلى أيضا وقد يرد ممدودا، ويقال سيماء بزيادة ياء بعد الميم.
{ ونادوا أصحاب الجنة } إذا نظروا إليهم { أن سلام عليكم } سلمكم الله سبحانه من الآفات، وبلغكم مناكم { لم يدخلوها } حينئذ { وهم يطمعون } فى دخولها بعد، قال الحسن ما جعل الله ذلك الطمع فى قلوبهم إلا لكرامة يريدها بهم. وقرىء وهم طامعون، وقرأ ابن لقيط وهم ساخطون ولم يدخلوها مستأنف وهم يطمعون حال من الواو، والضمائر لأصحاب الأعراف، ويجوز كون لم يدخلوها نعت لرجال، أو حال من واو نادوا، أو الطمع فى دخول الجنة يرجح أن أصحاب الأعراف آدميون، ولا يعين ذلك لجواز طمع الملائكة فى دخولها ليتلذذوا بذكر الله وخدمة أهل الجنة، وينجوا من عذابه، ويجوز أن يكون المعنى لم يدخلوها طامعين، بل دخلوها وقد غلب عليهم الإياس، ويؤيده قراءة ابن لقيط المذكورة، ويجوز أن يكون جملة لم يدخلوها حالا من أصحاب والواو لهم، أى نادى أصحاب الأعراف أصحاب الجنة، والحال أن أهل الجنة لم يدخلوها قبل، وطمع أهل الأعراف لأن نورهم لم يطف كما طفى نور المنافقين.
[7.47]
{ وإذا صرفت } وقرأ الأعمش قلبت { أبصارهم } أبصار أصحاب أهل الأعراف { تلقاء أصحاب النار } أى أثبت نظرهم فى جهة أصحاب النار وتجاههم { قالوا } نعوذ بالله { ربنا لا تجعلنا مع القوم الظالمين } أنفسهم بالشرك والمعاصى، وهم أصحاب النار، أى لا تجعلنا معهم فى النار، وقال أبو مجلز الهاء فى أبصارهم لأهل الجنة، يقولون قبل دخولها وهم طامعون ربنا لا تجعلنا الخ.
[7.48]
{ ونادى أصحاب الأعراف رجالا } من أهل الظلم والشرك رؤساء { يعرفونهم بسيماهم } أى يعرفون أنهم من أهل النار بسماهم من سواد وجه، وزرقة عين، فالياء متعلقة بيعرفون، وكما عرفوهم من أهل النار بالسيماء قد عرفوهم بأعيانهم أنهم فلان وفلان وفلان الذين كانوا فى الدنيا رؤساء لقوله { قالوا } أى أصحاب الأعراف { ما أغنى عنكم جمعكم } ما جمعتم من جنود وأموال وخدم، وما استفهامية إنكارية مفعول لأغنى، أى أى شىء جمعكم مفعول مطلق، أى أى إغناء أغنى جمعكم، أو نافية، والمفعول محذوف، أى لم يغن عنكم جمعكم شيئا، ورجح بعضهم الأول. { وما كنتم } { تستكبرون } عن الحق، أو على الخلق، وقرىء تستكثرون من الكثرة، أو المعنى يعرفونهم بأعيانهم فلان وفلان وفلان، الذين كانوا فى الدنيا رؤساء مشركين، وفيهم سيماء يضافون إليها تدل أنهم من أهل النار، فالباء متعلق بمحذوف حال من مفعول يعرفون، أو يعرفونهم فى أعيانهم بعلاماتهم التى يعرفونهم بها فى الدنيا ولو عظمت الأجساد، وتغيرت الوجوه والعيون، فتعلق الباء بيعرف أو يعرفونهم رؤساء شرك بعلامات تدل على ذلك، ولو لم يعرفوهم أنهم فلان وفلان متعلق بيعرف أيضا. وهذه الأوجه صالحة مع كون أهل الأعراف بشرا، ومع كونهم ملائكة، والمشهور أنهم يعرفون أعيانهم، قال الكلبى ينادونهم يا وليد بن المغيرة يا أبا جهل بن هشام، يا فلان، يا فلان فينظرون من النار إلى الجنة وبينهما الأعراف، فيرون فيها من استضعفوه من المسلمين كعمار وسليمان وصهيب وحباب وبلال.
[7.49]
{ أهؤلاء } المسلمون الضعفاء مبتدأ، والاستفهام تقرير { الذين } خبر { أقسمتم } بالله { لا ينالهم الله برحمة } جواب أقسمتم، أى حلفتم لا يدخلون الجنة، وذلك كله من مقول أصحاب الأعراف، قد قيل لهم { ادخلوا الجنة } بفضل الله ورحمته حال كونكم { لا خوف عليكم ولا أنتم تحزنون } فدخلوها كما رأيتموهم فيها ولا خوف عليهم ولا حزن، وذلك كله من مقول أصحاب الأعراف قبل دخولهم الجنة، وبعد دخول الضعفاء إياها والرؤساء النار، وعند سحبهم إليها، ويحتمل أن يكون أصحاب الأعراف ملائكة أو أنبياء أو مؤمنون شرفاء إذا قالوا إذ كفرت الرؤساء ذلك أشاروا إلى ضعفاء من المسلمين وهم خارج الجنة أهؤلاء الذين أقسمتم لا ينالهم الله برحمة، وقالوا لهم بإذن الله ادخلوا الجنة إلى آخره فيدخلونها. وقيل إذا قال أصحاب الأعراف للرؤساء ما أغنى عنكم جمعكم وما كنتم تستكبرون، قالت الرؤساء قد دخل الجنة الناس دونكم، والله لا تدخلونها أبدا، فتقول الملائكة للرؤساء أهؤلاء، يعنون أصحاب الأعراف الذين أقسمتم لا ينالهم الله برحمة، وذلك إنكار على الرؤساء، ثم يقولون لأصحاب الأعراف ادخلوا الجنة الخ، فحشوا الرؤساء، ويؤيد تفسيرى قراءة عكرمة ادخلوا الجنة، وقراءة طلحة بن مصرف، وابن وثاب، والنخعى أدخلوا الجنة بقطع الهمزة والبناء للمفعول، وأما قراءة الحسن، وابن هرمز أدخلوا بقطع الهمزة مفتوحة وكسر الخاء فى ادخلوا أنفسكم أو أدخلوهم يا ملائكة الله قائلين لهم لا خوف عليكم الخ. أو لا خوف عليكم مستأنف خطاب للذين تدخلهم الملائكة، فموافقة لقراءة الجمهور فى الصلاحية بالأقوال، ويجوز أن يكون قوله تعالى { ادخلوا الجنة } الخ فى أهل الأعراف بعد أن حبسوا ونظروا إلى الفريقين، وعرفوهم وقالوا ما قالوا بدون أن يحلف الكفار قصدوهم بقسمهم، بل قصدوا الضعفاء، وتبين فى الآيات أن الجزاء والتقدم والتأخر بحسب الأعمال، وأن العصاة يوبخهم المحسن والمسىء، وكأنك فى ذلك اليوم، فارغب فى حال السابقين.
Bog aan la aqoon