Tani waa Wax Walba
هذا هو كل شيء: قصائد من برشت
Noocyada
تعرف برشت في ذلك الحين على المخرج المسرحي الكبير إرفين بسكاتور وتوثقت صلته بمسرحه السياسي الذي توسع في إدخال الوسائل التقنية عليه وفي تفسير الأحداث من جانبها الاجتماعي والتاريخي. وقد كان لتعاون برشت معه أكبر الأثر على تطوره الفني، حتى ليقال إن تعبير المسرح الملحمي أو الدراما الملحمية يرجع إلى بسكاتور أو هو الذي ساعد على الأقل على نشره والترويج له.
وكان عام 1927م هو عام المجموعة الشعرية الأولى لبرشت التي تعرف باسم «تبتلات البيت» والتي دلت على أنه شاعر أصيل بقدر ما هو كاتب مسرحي موهوب. والحق أن قصائده الغنائية كانت تسير دائما جنبا إلى جنب مع مسرحياته، إن لم تكن أقدر منها على الكشف عن طبيعته الشاعرية الحقة. وقد تأثر في هذه المجموعة بأشعار فرانسوا فيون (الذي طالما اتهم برشت بالسرقة عنه!) ورديارد كبلنج ورامبو، وعبر فيها بلغة قوية نفاذة الطعم والرائحة عن الإحساس بالتشرد والضياع، والشعور الغريزي الحيواني الغارق في بهجة الوجود وعذابه، والآلام التي تعانيها الخليقة الممزقة «على هذا الكوكب غير المأمون».
وانفصل برشت في ذلك العام عن زوجته الأولى، وتعرف على زوجته الثانية هيلينيه فيجل، وهي الممثلة التي ارتبط اسمها باسمه، وقامت بأداء معظم أدوار النساء في مسرحياته، حتى إن أغلب هذه الأدوار كتب تحت تأثيرها أو فصل على قدها (وأشهر أدوارها هو دور الأم شجاعة في المسرحية المعروفة بهذا الاسم). وسجل هذا العام نفسه (1927م) أول عمل مشترك لبرشت مع الموسيقي كورث فيل - الذي ارتبط اسمه به فيما بعد، وأصبح ملحنه الأول غير منازع - إذ قام بتلحين بعض الأغاني المختارة من «تبتلات البيت» وعرضت باسم «مهاجوني» في الاحتفالات الموسيقية السنوية في بادن - بادن، ثم تطورت فيما بعد إلى أوبرا «سقوط وازدهار مدينة مهاجوني» التي يجد القارئ بعض أغانيها في هذه المجموعة. على أن الانتصار الحقيقي الذي أحرزاه معا كان بعرض أوبرا القروش الثلاثة في 31 أغسطس من العام التالي (1928م) على مسرح الشفباوردام الذي أصبح بعد ذلك بأكثر من عشرين سنة هو المقر الدائم لفرقة برشت المعروفة باسم فرقة برلين. وقد اقتبس برشت هذه الأوبرا عن «أوبرا الشحاذ» التي ألفها الإنجليزي جون جاي في عام 1728م وترجمتها إلى الألمانية مساعدته إليزابيث هاوبمتان وحشدها بأغنيات من تأليفه ومن تأليف الشاعر الفرنسي الشريد فرانسوا فيون.
حاول برشت في هذه الأوبرا أن يسخر سخرية مرة من العادات الشائعة في المجتمع الرأسمالي، وأن يصوره عالما من اللصوص والآفاقين والشحاذين، كما حاول أن يهاجم الأوبرا التقليدية. وهكذا بدأ النقد الاجتماعي يسير جنبا إلى جنب مع النقد الفني، كما بدأت تظهر ملامح الشكل المسرحي الجديد الذي دعمته الكتابات النظرية فيما بعد.
وبدأ برشت في عام 1930م نشر مسرحياته في كراسات متتابعة تحت عنوان «محاولات» زودها بملاحظات وتعليقات يغلب عليها الطابع التعليمي والتجريبي الذي أراد به أن يستبدل الدرس والتعليم بالمتعة الفنية. على أنه ما لبث في المرحلة الأخيرة من حياته الفنية أن تراجع عن هذا الموقف المتطرف، وربط ربطا جدليا حيا بين الاستمتاع والتعليم. وقد ظهرت أولى هذه المسرحيات التعليمية في الاحتفالات الموسيقية السنوية في بادن - بادن، عام 1929م، وهي طيران لندبرج، وتكاد أن تكون تمجيدا للإنسان في العصر الصناعي، وتأكيدا لانتصاره على الطبيعة. وكانت ثانيتها هي مسرحية بادن التعليمية عن التفاهم، وهي تؤكد دور المجتمع كما تحبذ زوال الفرد في مجتمع لا اسم له. كما بدأ العمل في ذلك العام نفسه في مسرحية من أهم مسرحياته وهي «جان دارك قديسة المذابح» (أو السلخانات)، وتدور حول صراع فتاة من متطوعات جيش الخلاص مع رجال الأعمال في بورصة شيكاغو لإنقاذ مصير عمال السلخانات، وبدلا من أن ترتفع إلى السماء كالقديسين والشهداء تهبط إلى الأرض لتدعو الإنسان إلى الخلاص من مضطهديه ومستغليه.
وكتب برشت مسرحيته التعليمية الثالثة التي تدور حول التضحية بالفرد في سبيل المجموع، وهي مسرحية «قائل نعم» التي اقتبسها عن الترجمة الإنجليزية التي قام بها «آرثر آلي» لمسرحية النو اليابانية «تانيكو» وتدور حول التضحية بصبي صمم على الاشتراك في رحلة مضنية في الجبل، ولكنه سقط مجهدا في الطريق ووافق على أن يلقى به في الهاوية حتى لا تتوقف الرحلة عن سيرها. وقد عرضت المسرحية لأول مرة في برلين باسم «أوبرا مدرسية» ولحنها كورت فيل، وأضاف إليها برشت، بعد مناقشتها مع تلاميذ المدارس، مسرحية مضادة سماها «قائل لا» عدل فيها عن وحشية التقليد القديم الذي كان يقضي بتضحية الصبي.
3
وتصل المسرحيات التعليمية إلى غايتها كما تبلغ التضحية بالفرد في سبيل المجموع ذروتها القاسية الرهيبة في مسرحيته المعروفة باسم «الإجراء» التي وضع ألحانها هانز أيزلر، وهي تروي حكاية جماعة من الدعاة الثوريين في إحدى مناطق الصين يقتلون زميلا لهم فشل في أداء المهمة التي كلفه بها الحزب نتيجة لتغلب النزعة العاطفية عليه، فقتلوه بعد أن اعترف بأخطائه ورضي هو نفسه بأن يضحي به في سبيل المجموع. وقد تراجع برشت بعد ذلك عن تزمته المذهبي في هذه المسرحية التي ضاق بها ورفض عرضها رفضا مطلقا في سنواته الأخيرة.
وفي عام 1930م كتب برشت مسرحية تعليمية أخرى هي الاستثناء والقاعدة، أثناء إقامته في المصيف الفرنسي لا لافاندو على شاطئ البحر الأبيض المتوسط. وتبين المسرحية (التي مثلها مسرح الجيب بالقاهرة في فبراير عام 1964م) كيف أن الفعل الخير يصبح هو الاستثناء من القاعدة في مجتمع يسوده الشر ويحتدم فيه صراع المصالح والطبقات. حتى إذا قدم الضعفاء والفقراء الخير أسيء فهمه من جانب المستغلين والأقوياء، وراح القانون أيضا يبرر سلوك هؤلاء. وقد نشرت المسرحية لأول مرة في عام 1937م، كما مثلت لأول مرة كذلك في فلسطين في أغسطس عام 1938م على مسرح جيفات حاييم.
وفي عام 1931م أعد برشت مسرحية هاملت للإذاعة واشترك مع كاسبارنيهر في إخراج أوبرا «ازدهار وسقوط مدينة مهاجوني» التي سبقت الإشارة إليها على مسرح «كورفور ستتدام» في برلين، كما راح يعمل في «مسرحة» رواية الأم المشهورة لماكسيم جوركي وحولها إلى مسرحية تعليمية (يتعلم منها ممثلوها قبل كل شيء!) تصور تطور الأم العاملة التي تقتنع بالمبادئ الماركسية.
Bog aan la aqoon