Tani waa Wax Walba
هذا هو كل شيء: قصائد من برشت
Noocyada
ولكنه التقى في برلين بعدد كبير من أصدقائه ومعاونيه القدامى من الأدباء والموسيقيين ورجال المسرح، كما انهالت عليه العروض لتكوين فرقته المعروفة بفرقة برلين وتقديم عروضها بصورة مؤقتة على بعض المسارح المتوفرة ريثما ينتهي العمل في إعداد مسرحه الشهير في المكان والمبنى الذي صمم على اختياره دون غيره (وهو مسرح الشيفباوردام الذي شغله مع فرقته بعد ذلك بثلاث سنوات وتولت الإشراف عليه زوجته وممثلته الأولى «الأم شجاعة» هيلينة فيجل)، وهكذا حسم تردده وبقي مع «شعبه» وجمهوره وأصدقائه في برلين. وتوالت صور التكريم والاحتفاء: عدد خاص عنه من المجلة الأدبية الشهرية في ذلك الحين، وهي مجلة المعنى والشكل، مجلد يضم مائة قصيدة مختارة من شعره، جائزة الدولة من الطبقة الأولى (1951م). وأهم من ذلك كله فرصة البداية الجديدة في التمرينات والتجارب الجماعية لتحقيق مشروعه المسرحي وتطبيق نظريته التي طال الجدل حولها عن المسرح الملحمي أو الجدلي الذي يستفز المشاهد لاتخاذ مواقف نقدية ويحول بينه وبين الاندماج الوجداني فيما يدور أمامه على الخشبة، ويحفزه - كما هو معروف وكما سبق القول - على مراجعة ثوابت حياته وواقعه والعمل على تغييرها.
10
ولا يمكننا في هذا الحيز المحدود أن نتابع عمله الجماعي الشاق والعروض التي أعدها (ومنها أوبرا محاكمة لوكولوس التي حققت نجاحا ساحقا جعل بيروقراطيي الحزب الواحد الموحد يتراجعون عن قرارهم بمصادرتها!) والنصوص الكلاسيكية ل (موليير وسوفوكليس وشيكسبير وغيرهم) التي اقتبسها وصاغها في لغة وشكل ومضمون مختلف يلائم نزعته الاشتراكية والإنسانية الحرة، ويساهم في التخلص من أعباء الماضي ومراجعة قيمه «البرجوازية» الفاسدة. وسطع إشعاع مسرحه وعاش أزهى وأمجد فترات ازدهاره طوال السنوات العشر التي استمرت منذ افتتاحه مع بداية الخمسينيات وحتى إقامة سور برلين الشهير (1959-1960م) بعد وفاته بحوالي ثلاث سنوات، وذلك قبل أن يتعرض للأزمات التي تلاحقت عليه حتى هدم ذلك السور مع تحقق حلم الوحدة الألمانية في أواخر الثمانينيات. ويؤسفني القول بأنه لم يبلغ إلى علمي شيء عن المصير الذي انتهى إليه الآن.
ولا بد قبل أن نختم هذا التقديم من وقفة قصيرة أمام «أزمة» الوجود المغترب التي مر بها ذلك اليوم المرعب العصيب الذي اشتعلت فيه ثورة العمال في برلين الشرقية في السابع عشر من شهر يونيو سنة 1953م وسحقتها القوات الروسية المحتلة بالدبابات. والمشكلة شائكة والآراء حولها لا تزال مختلفة ومتضاربة حتى يومنا الحاضر، وما فتئت بعض الأصوات تردد الاتهامات السابقة بالسلبية والضعف والخوف من اتخاذ الموقف المنتظر من كاتب وشاعر مثله حيال تلك المحنة التي كشفت عن فشل حكومة «دولة العمال والفلاحين» والأخطاء والإجراءات القمعية التي ارتكبتها وهددت بإلقاء التجربة الاشتراكية برمتها والعمال والفلاحين أنفسهم في نيران السخط العاصف والغضب الجارف. والثابت اليوم أن برشت لم يقف موقف المتفرج ولم يقصر في توجيه اللوم إلى الحكومة والحزب؛ فقد سارع في اليوم نفسه بإرسال خطابين إلى رأس النظام الحاكم (وهو فالتر ألبرشت) ورئيس وزرائه أوتوجرو تيفول لم ينشر منهما في الصحف الرسمية غير العبارات التي يؤكد فيها الشاعر تضامنه مع الحزب الاشتراكي الموحد، مع إسقاط الفقرات التي اتهم فيها الحكومة والحزب بإملاء الاشتراكية من أعلى وإرهاق العمال بحصص الإنتاج المضاعفة والتضييق عليهم بدلا من إشراكهم بالاقتناع الحر في الإصلاح والبناء، ومع السكوت التام عن مطالبته الصريحة بإجراء حوار عام حول الأوضاع المتردية والوسائل الكفيلة بإنقاذ المنجزات التي تحققت من أيدي العناصر الفاشية المخربة التي تسللت إلى صفوف العمال بتحريض من الرأسماليين والنازيين الذين أعادوا تنظيم أنفسهم والإعداد لحرب ثالثة. وكان هذا أيضا هو مضمون الخطاب الذي أرسله إلى ناشر أعماله «زور كامب» ردا على الاتهامات التي راحت مختلف الدوائر الغربية تلقيها على رأسه.
وبغض النظر عن التفصيلات الكثيرة المعقدة عن هذا الموضوع الذي لا يزال الغموض يحيط به، ومع التسليم بأن جذوره العميقة تتوغل في أسئلة ومشكلات أعم وأشمل (كعلاقة الأديب والفنان بالسلطة، والعلاقة بين الفن والسياسة وطبيعتها وحدودها، وموقف الكاتب من الحقيقة نفسها وطرق تصورها والبحث عنها ... إلخ) فيبقى علينا أن نوجه سؤالين أخيرين ونحاول الإجابة عليهما: هل صحيح أن برشت لم ينظر إلى أحداث ذلك اليوم المرعب المضطرب - شأنها في ذلك شأن سائر الأحداث السياسية والوقائع اليومية - إلا من حيث هي في صميمها - أو على الأقل بالنسبة إليه - مجرد تجارب فنية وجمالية؟ وهل أثرت فظائع ذلك اليوم على شخصيته وإنتاجه واعتقاده الأساسي بضرورة التغيير؟
أما السؤال الأول فيأتي الرد عليه من جانب الروائي الأشهر جنتر جراس. وربما لا يخلو هذا الرد - في تقديري على الأقل - من الإجحاف أو الاختلاق الذي لا يقوم على أساس ثابت من الواقع الفعلي، أو يقوم على أحسن الفروض على الخيال الفني غير المنزه عن الغرض.
فقد نشر جراس في أوائل السبعينيات مسرحية بعنوان «العامة يجربون التمرد» (والتجريب هنا بمعنى تقديم بروفاتها على خشبة المسرح) وعرضت المسرحية وأثارت موجات عارمة من الضجيج والأخذ والرد، فهي تصور برشت مع معاونيه وأعضاء فرقته أثناء العمل المشترك في إعداد النص الذي اقتبسه عن مسرحية كريولان لشكسبير، ويندفع إلى المسرح عدد من العمال من مختلف الحرف كأنهم جنود مهزومون يائسون قد لجئوا إليه وعلى وجوههم وملابسهم وفي أصواتهم الغاضبة آثار المعركة الدامية التي ما تزال مشتعلة اللهب. لقد جاءوا يستنجدون بالكاتب والشاعر المرموق في عيون الدولة والشعب للتوقيع على بيان يستنكرون فيه الأحداث البشعة ويطالبون بإيقاف المذبحة والبدء الفوري في التهدئة والإصلاح. ويدرك برشت بحساسيته المسرحية أو بمكره الفني أنه أمام حريق يتطلب العمل على إطفائه ولا تجدي معه البطولات الفردية الصارخة. ويستدرجهم شيئا فشيئا لعرض الأحداث والتجارب التي مروا بها وعاناها كل واحد منهم على حدة وكيف وصل الأمر إلى ما وصل إليه. ويكتشف قادة العمال بعد كل هذه «البروفات» أنهم قد خدعوا ووقعوا في فخه فيخرجون وهم يلعنونه بأفظع الشتائم ويتهمونه بالجبن والانتهازية وإخفاء رأسه في الرمال المسرحية.
وتتواصل الأحداث وتمتد ألسنة اللهب، ويهدد الحريق الشامل المدينة وأهلها وإنجازاتها التي تحققت بالكفاح والعرق والدموع، وتدور العجلة الجهنمية دورتها التاريخية المعروفة فتتدخل دبابات السلطة المحتلة وتسدل الأستار على النيران المطفأة والجراح النازفة. ويرجع العمال مرة أخرى - إذا لم تخني الذاكرة - فيتواصل الحوار ويوقع الشاعر على البيان وينصرفون. هل كان في وسع برشت أن يفعل أكثر مما فعل؟ أيمكن أن نحمله أوزار السلطة الغبية الطاغية وهو الذي لا يملك إلا سلطة ضميره الفني والإنساني؟ وهل نلومه أخيرا على عكوفه - حتى في ذلك اليوم الفظيع - على عمله الجاد على أمل تحقيق شيء من التغيير في الميدان الذي وهبه حياته وكفاحه وعذابه في المنفى وفي الوطن؟
أسئلة تتصل كما ترى بالأسئلة التي طرحناها قبل قليل.
وأما عن السؤال الثاني فقد عرفنا كيف انكب على عمله المسرحي منذ عودته إلى برلين وتأسيس فرقته وتخصيص مسرح خاص به وتعاونه مع أصدقائه وزملائه وأبنائه من الأجيال الشابة على إتقان العروض المسرحية من تأليفه أو إعداده. لقد دأب هنا أيضا على إحداث التغيرات الهامة في فن التأليف الدرامي الملحمي وفن التمثيل والإلقاء بما يطابق نظرياته، وتجديد فن الفرجة أيضا لإحداث التغير المنشود لدى المتلقي أو المشاهد. ثم داهمته أحداث السابع عشر من يونيو فكادت أن تقتلعه من جذوره وتشده إلى هاوية العدمية واليأس واللامعنى، لولا إصراره على مواصلة كفاحه في سبيل التغيير في كل مجال يمكن أن يتناوله قلمه ويؤثر به على القراء والمستمعين والمشاهدين.
Bog aan la aqoon