Futuhaat Makkiyya
الفتوحات المكية في معرفة الاسرار الملكية
Daabacaha
دار إحياء التراث العربي
Daabacaad
الأولى
Sanadka Daabacaadda
1418هـ- 1998م
Goobta Daabacaadda
لبنان
فكم بين شخص بالملائك ملحق . . . وبين شخيص ملحق بالبهائم أعلم أنه لما وصلت إلى هذا المنزل في وقت معراجي الذي عرج بي ليريني من آياته سبحانه ما شاء ومعي الملك قرعت بابه فسمعت من خلف الباب قائلا يقول من ذا الذي يقرع باب هذا المنزل المجهول الذي لا يعرف ألا بتعريف الله فقال الملك عبد الحضرة عبدك محمد بن نور ففتح فدخلت فيه فعرفني الحق جميع ما فيه ولكن بعد سنين من شهودي إياه فكان ذلك شهودا صوريا من غير تعريف ثم بعد ذلك وقع التعريف به ولما عرفني بأنه منزل مجهول قصم ظهري ولما وقع التعريف به رأيته كله قواصم ألا أن يعصم الله مما رأيت فخفت فسكن الله روعى بما جلى لي فرأيت في هذا المنزل تحول الصور الحسية في الصور الجسمية كما يتشكل الروحانيون في الصور فتخيلت أن تلك الصور الأول ذهبت فحققت النظر فيها فلم أدركها حتى أعطيت القوة عليها فتحولت فأدركت المطلوب فإذا هو على نوعين في التحول النوع الواحد أن تعطي قوة تؤثر بها في عين الرائي ما شئته من الصور التي تحب أن تظهر له فيها فلا يراك ألا عليها وأنت في نفسك على صورتك ما تغيرت لا في جوهرك ولا في صورتك ألا أنه لا بد أن تحضر تلك الصورة التي تريد أن تظهر للرائي فيها في خيالك فيدركها بصر الرائي في خيالك كما تخيلتها ويحجبه ذلك النظر في الوقت عن أدراك صورتك المعهودة هذا طريق وطريقة أخرى يتضمنها هذا المنزل وذلك أن الصورة التي أنت عليها عرض في جوهرك فيزيل الله ذلك العرض ويلبسك ما أردت أن تظهر به من صور الأعراض من حية أو أسد أو شخص آخر أنساني وجوهرك باق وروحك المدبر جوهرك على ما هو عليه من العقل وجميع القوى فالصورة صورة حيوان أو نبات أو جماد والعقل عقل أنسان وهو متمكن من النطق والكلام فإن شاء تكلم وأن شاء لم يتكلم بأي لسان شاء الحق أن ينطقه به فحكمه حكم عين الصورة في المعهود ومن هذا الباب يعرف نطق الجمادات والنبات والحيوان وهي على صورها وتسمعها كنطق الأنسان كما أن الروح إذا تجسد في صورة البشر تكلم بكلام البشر لحكم الصورة عليه وليس في قوة الروحاني أن يتكلم بكلام غير الصورة التي يظهر فيها بخلاف الأنسان وهو في غير صورة الأنسان وهذا منزل الممسوخ من هذه الحضرة تمسخ الصورة الحسية في الدنيا والآخرة ومن هذا المنزل تمسخ البواطن فترى الصورة أناسي وفي الباطن غير تلك الصورة من ملك أو شيطان بصورة حيوان مناسب لما هو باطنه عليه من كلب أو خنزير أو قرد أو أسد وكل ذلك يخالف ما تطلبه أنسانيته أما عال وأما دون ومسخ البواطن قد كثر في هذا الزمان كما ظهر المسخ في الصور الظاهرة في بني أسرائيل حين جعلهم الله قردة وخنازير ولا بد في آخر الزمان أن يظهر المسخ في هذه الأمة ولكن في اليهود منها لا في المسلمين فإن الايمان يحفظهم فما يمسخ من هذه الأمة ألا يهودي أو منافق يظهر الأسلام ويخفي اليهودية وأنما ألحقنا اليهود بهذه الأمة لأن أمة النبي ليست قبيلته وأنما أمته جميع من بعث إليهم ومحمد صلى الله عليه وسلم بعث إلى الناس عامة فجميع الناس أمته من جميع الملل فمنهم من آمن ومنهم من كفر ومنهم من أسلم وأما دخول الجن في دينه صلى الله عليه وسلم فكان دخولهم في دينه مثل ما كان دخول من لم يبعث إليه نبي في وقته في دين نبي وقته ثم أن ذلك النبي الذي ما بعث إليه إذا لم يكن ذلك الداخل ممن بعث إليه نبي آخر تجري أحكامه على من بعث إليه بما بعث به فإن لكل نبي شرعة ومنهاجا فهكذا كان إيمان الجن برسول الله صلى الله عليه وسلم وأما ما ذكرناه من مسخ البواطن فقول النبي صلى الله عليه وسلم يخبر عن ربه في صفة قوم من أمته أنهم أخوان العلانية أعداء السريرة ألسنتهم أحلى من العسل وقلوبهم قلوب الذئاب يلبسون للناس جلود الضان من اللين فهذا هو مسخ البواطن أن يكون قلبه قلب ذئب وصورته صورة أنسان فالله العاصم من هذه القواصم وطريقة أخرى في التحول في الصورة وهي أن تبقي صورة هذا الشخص على ما كانت عليه ويلبس نفسه صورة روحاني يجد ذلك الروحاني في أي صورة شاء هذا الشخص أن يظهر للرائي فيها ويغيب هذا الشخص في تلك الصورة وهي عليه كالهواء الحاف به فتقع عين الرائي على تلك الصورة الأسدية أو الكلبية أو القردية أو ما كانت كل ذلك بتقدير العزيز العليم وطريقة أخرى وهي أن يشكل الهواء الحاف به على أي صورة شاء ويكون الشخص باطن تلك الصورة الهوائية المشكلة في الصورة التي أراد أن يظهر فيها ولكن أن وقع من تلك الصورة نطق فلا يقع إلا بلسان المعروف عند الرائي فيسمع النعمة فيعرفها ويرى الصورة فينكرها لا يتمكن لمن هذه حالته أن يزول عن نغمته وهذه قوة الجن لمن يعرفهم فإنهم يظهرون فيما شاؤه من الصور والنغمة منهم نغمة جن لا يقدرون على أكثر من ذلك ومن لا معرفة له بهذا القدر فلا معرفة له الجن إلا أن ثم أقواما تلعب الجن بعقولهم فتخيل لهم في عيونهم صورا مثل ما يخيل الساحر الحبال في صورة حيات ساعية فيحسبون أنهم يرون الجن وليسوا بجن وتكلمهم تلك الصور فيما يخيل إليهم وليست الصور بمتكلمه بخلاف تجسد الجن في أنفسهم فمن عرف من العارفين نغمات كا طائفة عرف ما رأى ولم يطرأ عليه تلبيس فيما رآه وقد رأينا جماعة بالأندلس ممن يرون الجن من غير تشكيل وفي تشكلهم منهم فاطمة بنت ابن المثنى من أهل قرطبة وكانت عارفة بهم من غير تلبيس ورأيت طائفة بمدينة فاس ممن كانت الجن تخيل لهم صورا في أعينهم وتخاطبهم بما شاؤا لتفتنهم وليسوا بجن ولا بشكل جن منهم أبو العباس الزقاق بمدينة فاس وكان قد لبس عليه الأمر في ذلك فكان يخيل إليه أن الأرواح الجنية تخاطبه ويقطع بذلك وسبب ذلك الجهل بنغمتهم فكان إذا قعد عندي وحضر مجلسي يبهت ثم يصف ما يرى فاعلم أنه يخيل له فكان يصل في ذلك إلى حد الملاعبة والمصاحبة والمحادثة وربما يقع بينه وبين ذلك الذي شاهده مخاصمة في أمور ومناكرة فتضره الجن من طريق آخر وهو يتخيل أن تلك الصور منها صدر الضرر وغلب عليه ذلك رحمة الله وكان أبو العباس الدهان وجميع أصحابنا يشاهدون ذلك منه فمن عرف النغمات لم تلتبس عليه صورة أصلا وقليل من يعرف ذلك ويغترون بصدق ما يظهر من تلك الصور في أوقات فهذا قد بينا لك مراتب التحول في الصور من هذا المنزل وفيه من هذا الظهور في الصور عجائب جمة تهر العقول وأعظمها تغير المزاج إلى مزاج آخر مع بقاء الجوهر لا بد منه الحامل لهذه الصورة فإن لم يبق الجوهر فما تحول قط ولكن هذا جوهر آخر في صورته ما تبدل ولا هو ذلك كما أن زيد أليس عمرا ومن هذا المنزل أيضا وزن أبي بكر الصديق بالأمة فرجح هذا منزل حضرة الوزن بين المخلوقين من كل ما سوى الله ومن عرف ما في هذا المنزل وشاهد حكمه ورفعت له موازين الخلق على ما وضعهم الله عليه من الحال والمقام عرف فضل الملائكة بعضهم على بعض وفضل الناس بعضهم على بعض وفضل الجن بعضهم على بعض وفضل الحيوان بعضه على بعض وفضل النبات بعضه على بعض وفضل الجماد بعضه على بعض والمفاضلة بين الملائكة والبشر وبين الجن والبشر وبين الجماد والنبات والبشر ويعرف مفاضله كل جنس مع غير جنسه ومن هنا يعرف فضل الحجر الأسود مع كونه جمادا وهو يمين الله فإنظر هذه الرتبة وهو جماد وانظر في فرعون وأبي جهل وهو إنسان ومن هذا المنزل إذا وقفت على هذه المفاضلات رأيت الجنة فيمن تسرى من هؤلاء الأجناس وأنواع الأجناس وأنواع الأنواع إلى آخر درجة وهي أشخاص النوع الأخير ويشاهد أيضا سريان النار في الأجناس بين حروز مهرير وفي أنواع الأجناس وأنواع الأنواع حتى تنتهي إلى أشخاص النوع الأخير فتحكم على كل من تشاهده بما تشاهده فإنك إنما تشاهده بمآله لا بوقته وهنا يقع تلبيس من حضرة خيالية في مقابلة هذه الحضرة فيشاهد ما يعطيه شاهد الوقت فيحكم عليه بالمآل وهو تلبيس شيطاني من الصفة التي ذكرناها آنفا من كون الجن والشياطين تخيل للناس صورا عنهم وعن غيرهم وليس بحقيقة وهذه المسئلة التبس الأمر فيها على أبي حامد الغزالي وغيره وممن التبس عليه الأمر في ذلك من الشيوخ الذين أدركناهم أبو أحمد بن سيد بون بوادي أشت فكان يقول هو وأمثاله أن الإنسان إنما يطرأ عليه التلبيس ما دام في عالم العناصر فإذا ارتقى عنها وفتحت له أبواب السماء عصم من التلبيس فإنه في عالم الحفظ والعصمة من المردة والشياطين فكل ما يراه هنالك حق فلنبين لك الحق في ذلك ما هو وذلك أن الذي ذهبت إليه هذه الطائفة القائلون بما حكيناه عنهم من رفع التلبيس فيما يرونه لكونهم في محال لا تدخلها الشياطين فهي محال مقدسة مطهرة كما وصفها الله وذلك صحيح أن الأمر كما زعموه ولكن إذا كان المعراج فيها جسما وروحا كمعراج رسول الله صلى الله عليه وسلم وأما من عرج به بخاطره وروحانيته بغير انفصال موت بل بفناء أو قوة نظر يعطي إياها وجسده في بيته وهو غائب عنه بفناء أو حاضر معه لقوة هو عليها فلا بد من التلبيس أن لم يكن لهذا الشخص علامة إلهية بينه وبين الله يكون فيها على بينه من ربه فيما يراه ويشاهده ويخاطب به فإن كان له علامة يكون بها على بينة من ربه والإلتلبيس يحصل له وعدم القطع بالعلم في ذلك أن كان منصفا وقد يكون الذي شاهده حقا ويكون معصوما محفوظا في نفس الأمر ولكن لا علم له بذلك فإذا كان على بينة من ربه حينئذ يأمن التلبيس كما أمنته الأنبياء عليهم السلام فيما يلقي إليهم من الوحي في بيوتهم وذلك أن الشيطان لا يزال مراقبا لحال هذا المريد المكاشف سواء كان من أهل العلامات أو لم يكن فإن له حرصا على الإغواء واتلبيس ولعلمه بأن الله قد يخذل عبده بعد عصمته مما يلقى إليه فيقول عسى ويعيش بالترجي والتوقع وإن عصم باطن الإنسان منه ورأى أنوار الملائكة قد حفت بهذا العبد انتقل إلى حسه فيظهر له في صورة الحس أمورا عسى يأخذه بها عما هو بسبيله مع الله في باطنه وهذا فعله مع كل معصوم محفوظ بأنوار الملائكة حسا في باطنه حفظة من الملائكة فإن الشيطان يأتي إلى قلبه وهذا الشخص بكونه معصوما في نفس الأمر التي هو عليهامن ربه لا يقبل منه ما يلقى إليه هذا إن لم يكن متبحرا في العلم وبكون صاحب مقام مقصور عليه وأما أن كان صاحب تمكين ونبحر في العلم الإلهي أخذ ذلك منه فإنه رسول من الله إليه فإن كان محمودا فقلت عينه في مجرد الأخذ حيث أخذه عن الله ولم يلتفت إلى الواسطة لعلمه بمحلها عند الله من الطرد والبعد فينقلب خاسئا حيث أراد أمرا فلم يتم له بل كان فيه زيادة سعادة لهذا الشخص ولكن من حرصه على الأغواء يعود إليه المرة وإن كان الذي أتاه به مذموما قلب عينه فصار محمودا في حقه بأن يصرفه على المصرف المرضى فينقلب خاسئا حيث أراد أمرا فلم يتم له بل كان فيه سعادة لهذا الشخص فإن كان حال هذا الشخص الأخذ من الأرض أقام له الشيطان أرضا ليأخذ منها فأما أن يرده خاسئا ويفرق بين الأرضين وأما أن يكون متبحرا فيشكر الله حيث أعطاه أيضا أرضا متخيلة كما أعطاه أرضا محسوسة وينظر سر الله فيها ويأخذ منها ما أودع الله فيها من الأسرار التي لم يخطر ببال إبليس ويردها الله لهذا الشخص زيادة في ملكه وإن كان حاله السماء فإن الشيطان يقيم له سماء مثل السماء التي يأخذ منها ويدرج له من السموم القاتلة ما يقدر عليه فيعامله العارف بما ذكرناه في معاملته له بالأرض وإن لم يكن في هذا المقام لبس عليه وتجرع تلك السموم القاتلة ولحق بالأخسرين أعمالا وإن كان حاله في سدره المنتهي أو في ملك من الملائكة جلى له صورة سدرة مثلها أو صورة مثل صورة ذلك الملك وتسمى له باسمه ثم ألقى إليه ما عرف أنه يلقى إليه من ذلك المقام الذي هو فيه ليلبس عليه فإن كان من أهل التلبيس فقد ظفر به عدوه وإن كان معصوما ما حفظ منه فيطرده ويرمي ما جاء به أو يأخذه من الله دونه ويشكر الله على ما أولاه وما زاده ثم يرتقي هذا الشخص إلى حال هو أعلى فإن كان حاله العرش أو العماء أو الاسماء الإلهية ألقى إليه الشيطان بحسب حاله ميزانا بميزان فإن كان من أهل التلبيس كان كما ذكرناه وإن لم يكن انقسم أمره إلى ما ذكرناه فقد أعلمك أن الشيطان لا يجلى للشخص الأعلى ما هي عليه حالته في صورة ذلك على السواء وعلى ما استقر في ذهنه مما قررته الشريعة ألا ترى ابن صياد لما أظهر له أبليسه العرش أذ كان حاله وأبصر ذلك العرش على البحر لأنه رأى الله تعالى يقول وكان عرشه على الماء فجلي له العرش على البحر وهو قاعد عليه يأخذ عنه ابن صياد ويتخيل أنه يأخذ عن الله فإن الله قد قال على ما أخبره به رسول الله صلى الله عليه وسلم في قوله وكان عرشه على الماء فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم مإذا ترى قال أرى العرش قال أين قال على البحر فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم ذلك عرش أبليس وخبأ له رسول الله صلى الله عليه وسلم سورة الدخان من القرآن فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم ما خبأت لك فقال الدخ والدخ هي لغة في الدخان فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم أخسأ فلن تعدو قدرك يعني أنك ممن لبس عليه الأمر فإنه صلى الله عليه وسلم ما خبأله ألا سورة الدخان وهي تحوي على الدخان وعلى غيره فما خبأ له الدخان فأتاه باسم السورة لا بما خبأ له وما قال سورة الدخان وأنما قال الدخ ولم يأت في هذه السورة ألا الدخان لا الدخ وأن كان هو بعينه فلم يفرق ابن صيادين سورة الدخان وبين الدخان فجهل فلهذا قال له رسول الله صلى الله عليه وسلم أخسأ فلن تعدو قدرك حيث جاءه من هذه السورة بما يناسب أبليس الذي عرفه بذلك وهو أن الشيطان مخلوق من النار فما رأى من تلك الخبيئة ألا ما يناسبه وما عرف أنها سورة الدخان فألقى إلى ابن الصياد في روعه هذا القدر وذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم تلفظ باسم السورة عندما عينها في نفسه فسرقها الشيطان وأختطفها من لفظه ولو أضمرها رسول الله صلى الله عليه وسلم في نفسه ما عرفها أبليس فإنه ليس له على قلبه صلى الله عليه وسلم أطلاع ولا أستشراف بخلاف قلب الولي ولهذا أن النبي معصوم من الوسوسة في حال نزول الوحي وفي غيرها لا فرق ألا ترى الشيطان لما علم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بهذه المثابة والعناية من الله في عصمة قلبه من أستشراف أبليس عليه جاءه في الصلاة في قبلته بشعلة نار مخيلة فرمى بها في وجهه وغرضه أن يحول بينه وبين الصلاة لما يرى له فيها من الخير فإنه يحسده بالطبع فتأخر النبي صلى الله عليه وسلم إلى خلف ولم يقطع صلاته وأخبر بذلك أصحابه وأما الولي فقد يلقي إليه في قلبه وقد يسمع منه ما يحدث به نفسه فيطمع أن يلبس عليه حاله كما ذكرناه فمن كان على بينة من ربه فقد سعد وأرتفع الأشكال ولا بد للبينة التي يكون عليها أن تكون بينة له وأن لم تكن بينة فلا يقدر أن يحكم بها فإنه قد تكون علامة لا بينة فيتخيل أن العلامة هي البينة وليس كذلك فإن العلامة إذا لم تطن بينة وهو التحقق بها وبها يقطع النبيون والأولياء فيما يرد عليهم من الله ولقد أخبرني أبو البدر التماشكي البغدادي وهو من الفقراء الصادقين من أنظفهم ثوبا وأحسنهم عبارة قال لي جمع بيني وبين الشيخ رغيب الرحبي مجلس وكان من العارفين غير أنه لم يبلغ فيما نقل إلينا مبلغ العارفين المكملين في شغلهم أنه قال له عن رجل الوقت أنه رأى خلعة قد خرجت من الحضرة وقد أعطى علامة في ذلك الرجل وإلى الآن فما رآه لأنه لم ير تلك العلامة فقال له أبو البدر رضى الله عن جميعهم يا شيخ ألم تر بعد ذلك رجالا كثيرة فقال له نعم قال وكانوا من الأكابر قال نعم ولكن ما رأيت تلك العلامة في واحد منهم فقال له أبو البدر وما يدريك أن واحدا من أولئك الرجال الذين رأيتهم كان هو المقصود بتلك الخلعة وتغرب عليك حتى لا تعرفه فقال له رغيب قد يكون ذلك فهذا صاحب علامة ولكن ما هو على بينة في علامته فإن العلامة إنما هي الباطن لا تزول عنه وهو الي يكون بها على بينة من ربه في نفسه فإذا جلعت له العلامة في غيره كان ذلك الغير حاكما لها أن شاء ظهر له فيها وإن شاء لم يظهر فلذلك قال رغيب ما قال في العلامة ولم يبين من كان محل العلامة هل هو أو ذلك الرجل فلما أقر بوقوع ما قال له أبو البدر في الدخول عليه في علامته علمنا قطعا إذا صدقنا رغيبا في دعواه أن العلامة كانت في غيره فإنه ما هو على بينة من ربه فعلامته فيه ما يكون في غيره فلذلك قد يمكن أن يصح ما قال أبو البدر أن يكون الرجل قد دخل عليه فيمن رأى من الرجال عليه وتغرب عليه فاعترض أبي البدر على هذا العارف اعتاض صحيح محرر في الطريق واقرار رغيب في ذلك اقرار صادق يدل على صدق دعواه إلا أنه قد يكون هذا الشيخ أبو السعود ابن الشبل شيخ أبي البدر المذكور أنه انتهر شخصا في ذكر عبد القادر بغيظ لا بسكون وهدو ووعرفه أنه يعرف عبد القادر كيف كان حاله في أهله وحاله في قبره لكان عبدا محضا ولكن عاش بعد هذا فقد يمكن أنه صار عبدا محضا لأنه لم ينتهر هذا الشخص لكونه أتى أمرا محرما في الشرع وإنما وصف أحوال عبد القادر وعظم منزلته فلو أنه وقع في محظور شرعي وانتهره وغضب عليه لم يخرجه ذلك عن أن يكون عبدا محضا فسبحان من أعطى أبا السعود ما أعطاه فلقد كان واحد زمانه في شأنه نعم لو كان هذا الذاكر تلميذا له لتعين عليه انتهاره إياه لأن انتهار من ترتيبه فإن كان من تلامذته فذلك الإنتهار لا يخرجه عن عبوديته فإن كان ذلك اظفنتهار من أبي السعود عن أمر إلهي خوطب به في نفسه لمصلحة الوقت في حق من كان أو لغيرة من الله على مقام قد أساء هذا المتكلم فيه الأدب فإنتهاره ذلك مما يحقق عبوديته لا يخرجه عنها وهذا هو الظن بحال أبي السعود لا الذي ذكرناه أو لا وإنما ذكرنا ذلك وهذا وما بينهما النستوفي الكلام على المقام بما يقتضيه من الوجوه على كمالها فلا بد أن يكون هذا الشيخ على واحد منها ولم يحكم عليه بواحد منها فأفدنا الواقف على هذا الكتاب معرفة هذا المقام وأحواله وإن الله ما أخبرني بحال من أحوال أبي السعود حتى نلحقه بمنزلته والله أعلم أي ذلك كان إلا أني أقطع أن ميزانه بين الشيوخ كان راجحا نفعا الله بمحبته وبمحبة أهل الله وقد أوردنا من هذا المنزل بعض ما يحو به من القواصم فإنها كلها مخوفة والله يقول الحق وهو يهدي السبيللم فيه الأدب فإنتهاره ذلك مما يحقق عبوديته لا يخرجه عنها وهذا هو الظن بحال أبي السعود لا الذي ذكرناه أو لا وإنما ذكرنا ذلك وهذا وما بينهما النستوفي الكلام على المقام بما يقتضيه من الوجوه على كمالها فلا بد أن يكون هذا الشيخ على واحد منها ولم يحكم عليه بواحد منها فأفدنا الواقف على هذا الكتاب معرفة هذا المقام وأحواله وإن الله ما أخبرني بحال من أحوال أبي السعود حتى نلحقه بمنزلته والله أعلم أي ذلك كان إلا أني أقطع أن ميزانه بين الشيوخ كان راجحا نفعا الله بمحبته وبمحبة أهل الله وقد أوردنا من هذا المنزل بعض ما يحو به من القواصم فإنها كلها مخوفة والله يقول الحق وهو يهدي السبيل
الباب الرابع والثمانون ومائتان في معرفة منزل المجاراة الشريفة
وأسرارها من الحضرة المحمدية
تجارت جياد الفكر في حلبة الفهم . . . تحصل في ذاك التجاري من العلم
بأسرار ذوق لا تنال براحة . . . تعالت عن الحال المكيف والكم
أغار على جيش الظلام صباحها . . . فاسفر عن شمسي واعلم عن كتمي
وأورى زناد الفكر نارا تولدت . . . من الضرب بالروح المولد عن جسم
فقمت على ساق الثناء ممجدا . . . فجاءت بشارات المعارف بالختم
Bogga 613