Futuhaat Makkiyya
الفتوحات المكية في معرفة الاسرار الملكية
Daabacaha
دار إحياء التراث العربي
Daabacaad
الأولى
Sanadka Daabacaadda
1418هـ- 1998م
Goobta Daabacaadda
لبنان
وليس يعرف ألا من علامته . . . دنيا وآخرة والشرع مثبتها أعلم أيدك الله ان الغني صفة ذاتية للحق تعالى فان الله هو الغني الحميد أي المثنى عليه بهذه الصفة وأما الغني للعبد فهو غنى النفس بالله عن العالمين قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ليس الغنى عن كثرة العرض لكن الغنى غنى النفس خرجه الترمذي والعرض المال وهذه كلمة نبوية صحيحة فان غنى الانسان عن العالم لا يصح ويصح غناه عن المال فان الله سبحانه قد جعل مصالح العبد في أستعمال أعيان بعض الأشياء وهي من العالم فلا غنى له عن أستعمالها فلا غنى له عن العالم فلذلك خصصه بالمال فلا يوصف بالغني عن العالم ألا الله تعالى من حيث ذاته جل وتعالى والغنى في الانسان من العالم فليس الانسان بغنى عن الغنى فهو فقير إليه وأعلم ان الغنى وان كان بالله والعزة وان كانت بالله فانهما صفتان لا يصح للعبد ان يدخل بهما على الله تعالى وان كان بالله فيهما فلا بد ان يتركهما فيدخل فقيرا ذليلا ومعنى الدخول التوجه إلى الله فلا يتوجه إلى الله بغناه به ولا بعزته به وانما يتوجه إلى الله بذله وأفتقاره فان حضرة الحق لها الغيرة ذاتية فلا تقبل عزيزا ولا غنيا وهذا ذوق لا يقدر أحد على انكاره من نفسه قال تعالى مؤدبا لنبيه صلى الله عليه وسلم في ظاهر الأمر وهو يؤدبنا به لنتعلم أما من أستغنى فانت له تصدى فكان مشهود محمد صلى الله عليه وسلم الصفة الألهية وهو الغنى فتصدى لها لما تعطيه حقيقتها من الشرف والنبي في ذلك الوقت في حال الفقر في الدعوة إلى الله وان تعم دعوته وعلم ان الرؤساء والأغنياء تبع الخلق لهم أكثر من تبع من ليس له هذا النعت فإذا أسلم من هذه صفته أسلم لأسلامه خلق كثير والنبي صلى الله عليه وسلم له على مثل هذا حرص عظيم وقد شهد الله تعالى عندنا له بذلك فقال عزيز عليه ماعنتم أي عنادكم يعز عليه للحق المبين حريص عليكم في ان تسلموا وتنقادوا إلى ما فيه سعادتكم وهو الايمان بالله وما جاء من عند الله ومع هذا الحضور النبوي أوقع العتب عليه تعليما لنا وإيقاظا له فان الانسان محل الغفلات وهو فقير بالذات وقد أستحق الجاه والمال ان بستغني بهما من قاما به ولذلك قال أما من أستغنى وما قال أما من هو غني فانه على التحقيق ليس بغني بل هو فقير لما أستغنى به فقال صلى الله عليه وسلم ان الله أدبني فأحسن أدبي فمن مكارم الأخلاق الأقبال على الفقراء والأعراض عن الأغنياء بالعرض من جاه أو مال فإذا رئ ممن هذه صفته الفقر والذلة بنزوله عن هاتين المرتبتين وجب على أهل الله الأقبال عليهم فانهم ان أقبلوا عليهم وهم مستحضرون لما هم عليه من الجاه والمال تخيلوا ان أقبال أهل الله عليهم لجاههم ولما لهم فيزيدون رغبة في بقاء ما هم عليه فلذلك منع الله أهله ان يقبلوا عليهم ألا بصفة الزهد فيهم فإذا أجتمع في مجلس أهل الله من هو فقير ذليل منكسر وغني بما له ذو جاه في الدنيا أظهر القبول والأقبال على الفقير أكثر من أظهاره على الغنى ذي الجاه لانه المقصود بالأدب الذي أدب الله تعالى به نبيه صلى الله عليه وسلم غير ان صاحب هذه الصفة يحتاج إلى ميزان الحق في ذلك فان غفل عنه كان الخطا أسرع إليه من كل شيء وصورة الوزن فيه ان لا يرى في نفسه شغوفا عليه ولا يخاطبه أعني لا يخاطب هذا الغني ولا ذا الجاه بصفة قهر تذله فانه لا يذل تحتها بل ينفر ويزيد عظمة وانت مأمور بالدعوة إلى الله فأدعوه كما أمر الله نبيه صلى الله عليه وسلم ان يدعو الناس تعليما له ولنا فانا مخاطبون بالدعاء إلى الله كما قال أدعوا إلى الله على بصيرة انا ومن أتبعني وقال له أدع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة فان جادلوك فجادلهم بالتي هي أحسن وقال ' لو كنت فظا غليظ القلب لانفضوا من حولك ' هذه هي الصفة اللازمة التي ينبغي ان يكون الداعي عليها ولا يجعل في نفسه عند دعائه لمن هذه نعوته من عباد الله طمعا فيما في أيديهم من عرض الدنيا ولا فيما هو عليه من الجاه فان العزة لله ولرسوله وللمؤمنين فلا تخلعن ثوبا ألبسكه الله وليس له تصرف ألا في هذا الموطن فهذا معنى الحكمة وما عتب الله نبيه صلى الله عليه وسلم في الأول ألا لعزة قامت بنفس أولئك النفر مثل الأقرع بن حابس وغيره فقالوا لو أفرد لنا محمد مجلسا جلسنا إليه فانا نانف ان نجالس هؤلاء الأعبد يعنون بذلك بلالا وخبابا وغيرهما فرغب النبي صلى الله عليه وسلم لحرصه على إيمانهم ولعلمه انه يرجع لرجوعهم إلى الله ما انزل جبرا لقلوب الفقراء فانكسر الباقي من نفوس أولئك الأغنياء الأعزاء وقيل له ما عليك ألا البلاغ وليس عليك هداهم ولكن الله يهدي من يشاء ونزل الله عليه ' عبسى وتولى ' والآيات وانزل عليه ' وأصبر نفسك مع الذين يدعون ربهم الآيات وفيها وقل الحق من ربكم فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر ثم ذكر ما للظالمين عند الله في الآخرة فطريقة الأرشاد والدعاء إلى الله ميزانها الغني بالله عما في أيديهم وما يكون بسببهم فان لم تكن في نفسك بهذه المثابة فلا تدع وأشتغل بدعاء نفسك إلى الأتصاف بهذه الصفات المحمودة عند الله ولا تتعد الحد الذي انت عليه ولا تخط في غير ما تملكه فتكون غاصبا والصلاة في الدار المغصوبة لا تجوز بخلاف والدعاء إلى الله صلاة والأخلاص فيها الحرية عن أسترقاق من يدعوهم إليه فهذا هو محل الغنى بالله وهنا يستعمل فان عدلت به إلى غير هذا فقد أخسرت الميزان والله يقول ' ولا تخسروا الميزان وان لا تطغوا في الميزان فتخرجوه عن حده ' وهو قوله ' لا تغلوا في دينكم ' والغلو والطغيان هما الرفعة فوق الحد الذي يستحقه المتغالي فيه والله يقول الحق وهو يهدي السبيل
Bogga 262