Futuhaat Makkiyya
الفتوحات المكية في معرفة الاسرار الملكية
Daabacaha
دار إحياء التراث العربي
Daabacaad
الأولى
Sanadka Daabacaadda
1418هـ- 1998م
Goobta Daabacaadda
لبنان
قد تقدم ذكر الخلاف في وقتها وفي هذا الخبر عندي نظر لكون رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يثبت الهاء في العدد أعني في الستة فقال وأتبعه ستا من شوال وهو عربي واليام مذكرة والصوم لا يكون إلا في اليوم وهو النهار فلا بد من إثبات الهاء فيه فهذا سبب كون الحديث منكر المتن مع صحة طريق الخبر فيترجح عندي أنه اعتبر في ذلك الوصال فوصل صوم النهار بصوم الليل والليلة مقدمة على النهار لأن النهار مسلوخ منها أو تكون لغة شاذة تكلم بها رسول الله صلى الله عليه وسلم في مجلس كان فيه من هذه لغته ومع هذا فمن استطاع الوصال في هذه الأيام الستة فهو أولى عملا بظاهر لفظ الخبر والوصال لم يقع النهي عنه نهي تحريم وإنما راعى الشفقة والرحمة في ذلك بظاهر الناس لئلا يتكلفوا الحرج والمشقة في ذلك ولو كان حراما ما واصل بهم صلى الله عليه وسلم وقد ورد أنه صلى الله عليه وسلم قال إن هذا الدين متين فأوغل فيه برفق وقال من يشاد هذا الدين يغلبه وخرج مسلم عن أنس بن مالك واصل رسول الله صلى الله عليه وسلم في آخر شهر رمضان فواصل ناس من المسلمين فبلغه ذلك فقال لو مد لنا الشهر لواصلنا وصالا يدع المتعمقون تعمقهم فمن لم يقدر أن يواصلها كلها فليواصل حتى السحر في كل يوم فتدخل الليلة في الصوم كل ليلة ويكون حد السحر لفطرها فحد الغروب للنهار في حق من لا يواصل في الصحيح إنه عليه السلام قال ' أيكم أراد أن يواصل فليواصل حتى السحر ' خرجه البخاري عن أبي سعيد ومما يؤيد قولنا أنه أراد الرحمة بالناس في ذلك ما خرجه مسلم أيضا عن عائشة قالت نهاهم النبي صلى الله عليه وسلم عن الوصال رحمة لهم قالوا إنك تواصل قال إني لست كهيئتكم إني أبيت يطعمني ربي ويسقيني فكوشف صلى الله عليه وسلم بحال تلك الجماعة التي خاطبهم إنهم ليست لهم هذه الحال وإنه ما أراد بذلك أنه مختص به دون أمته فإنا قد وجدناه ذوقا من نفوسنا في وصالنا فيتنافى حال الوصال فأطعمنا ربنا وسقانا في مبيتنا ليلة وصالنا فأصبحنا أقوياء لا نشتهي طعاما ورائحة الطعام الذي أكلناه الذي أطعمناه ربنا يشم منا ويتعجبون الناس من حسن رائحته فسألونا من أين لك هذه الرائحة في هذا الذي طعمت فما رأينا مثلها فمنهم من أخبرته بالحال ومنهم من سكت عنه فلو كان هذا خصوصا برسول الله صلى الله عليه وسلم ما نلناه فصح لنا الوصال والفطر فجمع لنا بين الأجرين والفرحتين وحكمة الوصال أن الحق قال الصوم له وأمرنا بما هو له وجعله عبادة لا مثل لها فإذا فرق بالفطر بين اليومين فما واصل فإذا لم يفطر تحقق الوصال فيشير بذلك إلى إيصال صوم العبد بالصوم المضاف إلى الحق ليبين له أن للعبد ضربا من التنزيه بالصوم كما أن للحق من الصوم التنزيه فهو إشعار حسن للعارفين وكذا هو في نفس الأمر فإن العبد له تنزيه يخصه ولا سيما إذا كان عمله تنزيه الحق فإن عمله يعود عليه وهو التنزيه فإن تنزيه الحق ما هو بتنزيه المنزه بل هو تعالى منزه الذات لنفسه ما نحن نزهناه فلذلك يعود تنزيهنا علينا حين حرمه غيرنا فمن قدر على الوصال في هذه الستة الأيام فهو أحق وأولى فإن وجد أحد نقلا عن العرب في اللسان حذف الهاء في عدد المذكر حمل الحديث على تلك اللغة ولقد روينا أن الله حين أنزل على نبيه صلى الله عليه وسلم ' ومكروا مكرا كبارا ' لم يعرف هذا اللحن الحاضرون ولا عرفوا معناه فبينما هم كذلك إذ أتى أعرابي قد أقبل غريبا فدخل على رسول الله صلى الله عليه وسلم فسلم عليه وقال يا محمد إني رجل من كبار قومي بضم الكاف وتشديد الباء فعلم الحاضرون أن هذه اللفظة نزلت بلحن ذلك العربي وأصحابه فعلموا معناها فيما بعد أن يكون حذف الهاء جائزا في عدد المذكر في لغة بعض الأعراب ولو كان ذلك لم يقدح فيما ذهبنا إليه من الحقائق المشهودة لنا فيكون الشارع العالم يقصد الأمرين معا في هذه اللفظة في حق من هي لغته وفي حق من ليست له بلغة وجعلها ستا ولم يجعلها أكثر ولا أقل وبين أن ذلك صوم الدهر لقول الله تعالى من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها على هذا أكثر العلماء بالله وهذا فيه حد مخصوص وهو أن يكون عدد رمضان ثلاثين يوما فإن نقص نزل عن هذه الدرجة وعندنا أنه يجبر بهذه الستة من صيام الدهر ما نقصه بالفطر في الأيام المحرم سومها وهي ستة أيام يوم الفطر ويوم النحر وثلاثة أيام التشريق ويوم السادس عشر من شعبان يجبر بهذه الستة الأيام ما نقص بأيام تحريم الصوم فيها والاعتبار الآخر وهو المعتمد عليه فيصوم هذه الأيام من كونها ستة لا غير إن الله تعالى خلق السموات والأرض وما بينهما في ستة أيام وكنا نحن المقصود بذلك الخلق فأظهر في هذه الستة الأيام في مقابلة تلك لأن نكون فيها متصفين بما هو له وهو الصوم كما اتصف هو بما هو لنا وهو الخلق ولهذا كان أحمد السبتي ابن أمير المؤمنين هارون الرشيد يصوم ستة أيام من كل جمعة ويشتغل بالعبادة فيها فإذا كان يوم السبت احترف فيما يأكله بقية الأسبوع وبهذا سمي السبتي فلقيته بالطواف يوم جمعة بعد الصلاة وأنا أطوف فلم أعرفه غير أني أنكرته وأنكرت حالته في الطواف فإني ما رأيته يزاحم ولا يزاحم ويخترق الرجلين ولا يفصل بينهما فقلت هذا روح تجسد بلا شك فمسكته وسملت عليه فرد علي السلام وماشيته ووقع بيني وبينه كلام ومفاوضة فكان منها أني قلت لم خصصت يوم السبت بعمل الحرفة فقال لأن الله سبحانه ابتدأ خلقنا يوم الأحد وانتهى الفراغ منه في يوم الجمعة فجعلت تلك الأيام لي عبادة لله تعالى لا أشتغل فيها بما فيه حظ لنفسي فإذا كان يوم السبت انفردت لحظ نفسي فاحترفت في طلب ما أتقوت به في تلك الأيام هكذا كل جمعة فإنه سبحانه نظر إلى ما خلق في يوم السبت فاستلقى ووضع إحدى يديه على الأخرى وقال أنا الملك لظهور الملك ولهذا سمي يوم السبت والسبت الراحة ولهذا أخبر تعالى أنه ما مسه من لغوب فيما خلقه واللغوب الإعياء فهي راحة لا عن إعياء كما هي في حقنا فتعجبت من فطنته وقصده فسألته من كان قطب الزمان في وقتك فقال أنا ثم ودعني وانصرف فلما جئت المكان الذي أقعد فيه للناس فقال لي رجل من أصحابي من المجاورين يقال له نبيل بن خزر بن خزرون السبتي من أهل سبتة إني رأيت رجلا غريبا لا نعرفه بمكة يكلمك ويحادثك في الطواف من كان ومن أين جاء فذكرت له قصته فتعجب الحاضرون من ذلك فهذا اعتبار الستة الأيام من الوجه الصحيح وإنما حذف الهاء الشارع إن صحت الرواية لاعتبار الليالي لأنها دلائل الغيب بخلاف النهار والغيب مما انفرد به الحق فلا يطلع على غيبه أحدا إلا من ارتضى من رسول وكذلك علم الحكمة في الأشياء لا يكون علما إلا لأهل الله وأما أهل الفكر والقياس فإنهم يصادفون الحكمة بحكم الاتفاق فلا يكون علما عندهم وعند أهل العلم بالله يعلمون إن ذلك هو المراد بذلك الأمر فيكون علما لهم بذلك الاعتبار فيقصدونه لا بحكم الاتفاق فإن بعض الناس إذا رأى أهل الله في مثل هذا يقولون باحتماله لا يقطعون به حملا على نفوسهم ورتبتهم في العلم وهو قول الله تعالى في حق من هذه حالته ذلك مبلغهم من العلم فاعلم بذلك والله الموفق للصواب .
وصل في فصل غرر الشهر وهي الثلاثة الأيام في أوله
Bogga 767