Futuhaat Makkiyya
الفتوحات المكية في معرفة الاسرار الملكية
Daabacaha
دار إحياء التراث العربي
Daabacaad
الأولى
Sanadka Daabacaadda
1418هـ- 1998م
Goobta Daabacaadda
لبنان
اعلم أن المال يقبل أنواع العطاء وهو ثمانية أنواع لها ثمانية أسماء فنوع يسمى الإنعام ونوع يسمى الهبة ونوع يسمى الصدقة ونوع يسمى الكرم ونوع يسمى الهدية ونوع يسمى الجود ونوع يسمى السخاء ونوع يسمى الإيثار وهذه الأنواع كلها يعطي بها الإنسان ويعطى بسبعة منها الحق تعالى وهي ما عدا الإيثار فإن قال أجنبي فمن أي حقيقة إلهية ظهر الإيثار في الكون وهو لا يعطى على جهة الإيثار لأنه غني عن الحاجة والإيثار إعطاء ما أنت محتاج إليه إما في الحال وإما بالمآل وهو أن تعطي مع حصول التوهم في النفس إنك محتاج إليه فتعطيه مع هذا التوهم فيكون عطاؤك إيثارا وهذا في حق الحق محال فقد ظهر في الوجود أمر لا ترتبط به حقيقة إلهية فنقول قد قدمنا أن الغنى المطلق إنما هو للحق من حيث ذاته معرى عن نسبة العالم إليه فإذا نسبت العالم إليه لم تعتبر الذات فلم تعتبر الغنى وإنما اعتبرت كونها إلها فاعتبرت المرتبة فالذي ينبغي للمرتبة هو ما تسمت به من الأسماء وهي الصورة الإلهية لا الذات من حيث عينها بل من كونها إلها ثم إنه أعطاك الصورة التي هي الخلافة وسماك بالأسماء كلها على طريق المحمدة فقد أعطاك ما هي المرتبة موقوفة نسبتها إليه وهي الأسماء الحسنى فإن قلت فإن المعطى لا يبقى عنده ما أعطاه قلنا هذا يرجع إلى حقيقة المعطى ما هو فإن كان محسوسا فإن المعطى يفقده بالإعطاء وإن كان معنى فإنه لا يفقده بالإعطاء ولهذا حددنا الإيثار بإعطاء ما أنت محتاج إليه ولم تتعرض لفقد المعطي ولا لبقائه فإن ذلك راجع إلى حقيقة الأمر الذي أعطيت ما هو فاعلم ذلك فمن هذه الحقيقة مصدر الإيثار في العالم وما بعدها البيان بيان فالإنعام إعطاء ما هو نعمة في حق المعطى إياه مما يلائم مزاجه ويوافق غرضه والهبة الإعطاء لينعم خاصة والهدية الإعطاء لاستجلاب المحبة فإنها عن محبة ولهذا قال الشارع ' تهادوا تحابوا ' والصدقة إعطاء من شدة وقهر وإباية فأما في الإنسان لكونه جبل على الشح فمن يوق شح نفسه وإذا مسه الخير منوعا فإذا أعطى بهذه المثابة لا يكون عطاؤه لا عن قهر منه لما جبلت النفس عليه وفي حق الحق هذه النسبة حقيقة ما ورد من التردد الإلهي في قبة نسمة المؤمن ولا بد له من اللقاء يريج قبض روحه مع التردد لما سبق في العلم من ذلك فهو في حق الحق كأنه وففي حق العبد هو لا كأنه أدبا إلهيا ودليل العقل يرمي مثل هذا لقصوره وعدم معرفته بما يستحقه الإله المعبود والحق بهذه الحقيقة التي هي عليها عباده فقبلتها العقول السليمة من حكم أفكارها عليها بصفة القبول التي هي عليه حين ردتها العقول التي هي بحكم أفكارها وهذه هي المعرفة التي طلب منا الشارع أن نعرف بها ربنا ونصفه بها لا المعرفة التي أثبتناه بها فإن تلك مما يستقل العقل بإدراكها وهي بالنسبة إلى هذه المعرفة بازلة فإنها ثبتت بحكم العقل وهذه ثبتت بالأخبار الإلهي وهو بكل وجه أعلم بنفسه منا به والكرم العطاء بعد السؤال حقا وخلقا والجود العطاء قبل السؤال حقا لا خلقا فإذا نسب إلى الخلق فمن حيث أنه ما طلب منه الحق هذا الأمر الذي عينه الخلق على التعيين وإنما طلب الحق منه أن يتطوع بصدقة وما عين فإذا عين العبد ثوبا أو درهما أو دينا أو ما كان من غير أن يسأل في ذلك فهو الجود خلقا وإنما قلنا لا خلقا في ذلك لأنه لا يعطي على جهة القربة إلا بتعريف إلهي ولهذا قلنا حقا لا خلقا وإذا لم يعتبر الشرع في ذلك فالعطاء قبل السؤال لا على جهة القربة موجود في العالم بلا شك ولكن غرض الصوفي أن لا يتصرف إلا في أمر يكون قربة ولا بد فلا مندرجة له عن مراعاة حكم الشرع في ذلك والسخاء العطاء على قدر الحاجة من غير مزيد لمصلحة يراها المعطي إذ لو زاد على ذلك ربما كان فيها هلاك المعطي إياه قال تعالى ' ولو بسط الله الرزق لعباده لبغوا في الأرض ولكن ينزل بقدر ما يشاء ' والإيثار إعطاء ما أنت محتاج إليه في الوقت أو توهم الحاجة إليه قال تعالى ' ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة ' وكل ما ذكرناه من العطاء فإنه الصدقة في حق العبد لكونه مجبولا على الشح والبخل كما أن الأم في الأعطيات الإلهية من هذه الأقسام الثمانية إنما هو الوهب وهو الإعطاء لينعم لا لأمر آخر فهو الوهاب على الحقيقة في جميع أنواع عطائه كما هو العبد متصدق في جميع أعطياته لأنه غير مجرد عن الغرض وطلب العوض لفقره الذاتي فما ينسب إلى الله بحكم العرض ينسب إلى المخلوق بالذات وما ينسب إلى الحق بالذات كالغني ينسب إلى المخلوق بالعرض النسبي الإضافي خاصة قال تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم ' خذ من أموالهم صدقة ' أي ما يشتد عليهم في نفوسهم اعطاؤها ولهذا قال ثعلبة بن حاطب هذه أخية الجزية لما اشتد عليه ذلك بعدما كان عاهد الله كما أخبرنا الله في قوله ' ومنهم من عاهد الله ' الآية فلما رزقه الله مالا وفرض الله الصدقة عليه قال ما أخبر الله به عنه وقوله ' بخلوا به ' هي صفة النفس التي جبلت عليه وهي إذا حكمت على العبد استبدله الله بغيره نسأل الله العافية وهكذا ورد وإن تتولوا عما سئلتموه من الإنفاق وبخلتم يستبدل قوما غيركم ثم لا يكونوا أمثالكم أي على صفتكم بل يعطون ما يسألون كما قال فإن يكفر بها هؤلاء فقد وكلنا بها قوما ليسوا بها بكافرين فإن الملك أوسع من أن يضيق عن وجود شيء فالصدقة أصل كوني والوهب أصل إلهي ومما يؤيد ما ذكرناه أن الملائكة قالت من جبلتها حيث لم ترد الخير إلا لنفسها وغلب عليها الطبع في ذلك عن موافقة الحق فيما أراد أن يظهره في الكون من جعل آدم خليفة في الأرض فعرفهم بذلك فلم يوافقوه لحكم الطبع في الطمع في أعلى المراتب ثم تستر عن تعظيمه إذ لو وقفوا مع وما ينبغي له من العظمة لوافقوه ما وافقوه وإن كانوا قصدوا الخير فقالوا أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك أي فنحن أولى من هذا فرجحوا نظرهم على علم الله في خلقه لذلك قال لهم إني أعلم ما لا تعلمون فوصفهم ينفي العلم الذي علم الحق من هذا الخليفة مما لم يعلموا وأثنوا على أنفسهم فمسئلتهم جمعت ذلك حيث أثنوا على أنفسهم وعدلوها وجرحوا غيرهم وما ردوا العلم في ذلك إلى الله فهذا من يخل الطبع بالمرتبة وهذا يؤيد أن الملائكة كما ذهبنا إليه تحت حكم الطبيعة وإن لها أثرا فيهم قال تعالى ما كان لي من علم بالملأ الأعلى إذ يختصمون والخصام من حكمها وقد ورد اختصام ملائكة الرحمة وملائكة العذاب في الشخص الذي مات بين القريتين فوصفهم بالخصام ولولا أن مرتبتها دون النفس وفوق الهباء لسرى حكمها ومن أراد أن يقف على أصل هذا الشان فلينظر إلى تضاد الأسماء الإلهية فيمن هناك ظهرت هذه الحقيقة في الجميع فهم مشاركون لنا في حكم الطبيعة من حكمها البخل والشح فيمن تركب منها وهو من الاسم المانع في الأسماء وسببه فينا إن الفقر والحاجة داني لنا ولكل ممكن ولهذا افتقرت الممكنات إلى المرجح لإمكانها فالمكون عن الطبيعة شحيح بخيل بالذات كريم بالعرض فما فرض الله الزكاة وأوجبها وطهر بها النفوس من البخل والشح إلا لهذا الأمر المحقق فالفرض منها أشد على النفس من صدقة التطوع للجبر الذي في الفرض والاختيار الذي في التطوع فإنه في الفرض عبد بحكم سيد وفي الاختيار لنفسه إن شاء وإن شاء .
Bogga 708