Futuhaat Makkiyya
الفتوحات المكية في معرفة الاسرار الملكية
Daabacaha
دار إحياء التراث العربي
Daabacaad
الأولى
Sanadka Daabacaadda
1418هـ- 1998م
Goobta Daabacaadda
لبنان
بالفقر فخري وبالفاقات سلطنتي . . . على الوجود فلا أدري ولا أدري ألا ترى التاجر رب المال الغزير والخير الكثير الذي لو قسم ماله عليه وعلى أهله وأولاده وأتباعه طول أعمارهم لكفاهم وفضل عنهم ومع هذا يخاطر بماله ونفسه في ركوب البحار والسبل المخوفة في طلب زيادة درهم فما أخرجه عن أهله وهون عليه مفارقة وطنه وولده ودعته وأحوجه إلى ركوب هذه الأخطار إلا فقره وتوهمه تحصيل هذا الدرهم الزائد على ما عنده وربما تلفت نفسه وماله بغرق أو قطاع طريق أو أسر المحقق عنده الحاصل في أمر متوهم يمكن أن يحصل ويمكن أن لا يحصل فإذا أراد من هذه حالته من التجار وتخرجه فاقته ولابد له من السفر فليحول نيته إلى نية أخرى فينظر إلى الجهة التي يقصدها في سفره ويعلم أن الله قد سخر عباده في قضاء حوائج بعضهم لبعض فيقول إن البلد الفلاني يحتاجون إلى كذا وكذا ويذكر السلع التي يطلبها أهل ذلك البلد يا رب فإن قعدت أنا وغيري ولم أحمل إليهم هذا الذي يحتاجون إليه كلفناهم التعب ومفارقة الأولاد بالوصول إلينا لتحصيل ما يحتاجون إليه فنحن نؤثر تعبنا على تعبهم ونحمل إليهم ما يحتاجون إليه ويكون ما يكسبه من زيادة الدرهم تبعا لهذه النية هكذا يكون متجر الموفقين الصادقين الذين قال رسول الله صلى الله عليه وسلم فيهم في الحديث الصحيح التاجر الصدوق يحشر يوم القيامة مع النبيين والصديقين والشهداء فانظر ما أحسن هذه النسبة بهذا التنبيه فإن النبي صلى الله عليه وسلم والأنبياء عليه السلام جاؤا من عند الله إلى عباد الله بما يحتاجون إليه مما فيه سعادتهم فأجروا على ذلك الأجر التام وهذا حال التاجر لمن عقل يقول تعالى ' هل أدلكم على تجارة تنجيكم من عذاب أليم مع حصول المشقة في ذلك من مفارقة الأهل في دخلوه في الإيمان دونهم ومفارقة الوطن بالهجرة إلى دار الإسلام فانظر ما أعجب كلام النبوة وهذا كله من تحويل الحالات لهذا يحول رداءه من يستسق ومن لم يوفق إلى هذا النظر الذي له فيه الأجر التام والمعرفة الصحيحة أخرجه ما يخرج الناس اليوم وهو الفقر الذي قام به لطلب تلك الزيادة المتوهمة التي يمكن أن تحصل ويمكن أن لا تحصل مع كثرة المال الذي يقع له به الغنى لو استغنى فلما لم يكن عنده غنى في نفسه بما عنده وقام به الخوف على ماله والفقر إلى الزيادة خاطر بنفسه وماله وعمي عن علمه بأن المسافر وماله علي قلت فأزعجه هذا الفقر المتوهم وحال بنيه وبين أهله وولده وأحبابه وهو على غاية من السرور والفرح بذلك السفر لتوهمه حصول الأرباح فحال الشاكر وفقره إلى طلب الزيادة أولى فإن الزيادة محققة والربح هناك متوهم فإن الله صادق في إخباره ثم إن الشاكر الذي له هذه الزيادة المحققة بشكره هو في أهله لا يفارق وطنه ولا أهله ولا ولده ولا يغري بنفسه ولا يركب الأخطار ولا يتعب بدنه ولو تصدق بماله كله فهو كتاجر باع بنسيئة فهو له مدخر يجده يوم فقره وحاجته عند الله فإن رزقه الذي تقوم به نشأته وأرزاق عياله لابد منها يأتي بها الله كما قال لقمان يا بني إنها إن تك مثقال حبة من خردل فتكن في صخرة أو في السموات أو في الأرض يأت بها الله إن الله لطيف خبير فهذا تاجر باع بنسيئة إلى أجل وأجله زمان القيامة فهو حلول الأجل فهذا يا أخي حكمة تحويل الرداء وصل اعتبار كيفية تحويله وهو على ثلاث مراتب يجمعها كلها العالم إذا أراد أن يخرج من الخلاف الذي بين علماء الشريعة وهو أن يرد ظاهره باطنه وباطنه ظاهره وأعلاه أسفله وأسفله أعلاه والذي على يمينه على يساره والذي على يساره على يمينه وكل ذلك تأكيد في الإشارة إلى تحويل الحالة التي هم عليها فأما اعتبار ظاهر الرداء وباطنه فهو تأثير أعمال ظاهره في باطنه أعني في قلبه بما تنتج له هذه الأعمال وأعمال باطنه أيضا المحمودة تظهر بالفعل على ظاهره مثل نيته أن يتصدق فيتصدق أو ينوي فعل خير ما فيفعله فما كان في باطنه قد ظهر بالفعل على ظاهره من أسر سريرة ألبسه الله رداءها ومن عمل عملا صالحا أثر له في نفسه وقلبه المحبة والطلب إلى الشروع في عمل آخر ولاسيما إن أنتج له ذلك العمل في الدنيا علما في نفسه كما قال صلى الله عليه وسلم من عمل بما علم أورثه الله علم ما لم يكن يعلم وقال تعالى ' إن تتقوا الله يجعل لكم فرقانا ' وأما تحويل أعلى الرداء وأسفله فهو إلحاق العالم الأعلى بالأسفل في التسخير وإلحاق العالم الأسفل بالأعلى في الطهارة والتقديس فينزل الأعلى رحمة بالأسفل ويرفع الأسفل عناية إلى رتبة الأعلى في النسبة إلى الله تعالى والافتقار إليه وإن الله كما توجه إلى أعلى الموجودات قدرا وهو القلم الإلهي والعقل الأول بما أعطاه من العلم والسعادة كذلك توجه إلى أدنى الموجودات قدرا وأشقاهم وأخسهم منزلة عند الله على حد واحد فإن الله من حيث ذاته ما فيه مفاضلة لأنه لا يتصف بالكل فيتحقق فيه البعض وما من جوهر فرد من العالم كله أعلاه وأسفله إلا وهو مرتبط بحقيقة إلهية ولا تفاضل في ذلك الجانب الأعز الأحمى فهو مستو على عرشه الأعلى ولو دليتم بحبل لهبط على الله اجتمع أربعة من الأملاك على الكعبة واحد نازل من السماء وآخر عرج من الأرض السفلى والثالث جاء من ناحية المشرق والرابع من ناحية المغرب فسأل كل واحد منهم صاحبه من أين جئت فكلهم قالوا من عند الله وروينا عن بعض شيوخنا حديثا يرفعه أو يبلغ به رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال إن الله في السماء كما هو في الأرض وإن الملأ الأعلى يطلبونه كما تطلبونه أنتم فساوى بين العالمين في الطلب ومعلوم ما بينهما من التفاوت في العرف واتفق لي في هذا من هذا السمك المالح فتخيل أصحابي أني حملته مجاهدة لنفسي لعلو منصبي عندهم عن حمل مثل ذلك وقالوا لشيخي ما قصر فلان في مجاهدته فقال حتى نسأله بأي نية حمله فسألني الشيخ بحضور الجماعة وذكر لي ما ذكروه فقلت لهم أخطأتم في التأويل علي والله ما نويت شيء من ذلك ولكني رأيت الله على علو قدره ما نزه نفسه عن خلق مثل هذا فأنزه عينه ولا فرق عند العارفين بن العالي والدون المعتاد هذا خلوف فم الصائم عند الله أطيب من ريح المسك وأين إدراك الشم من الرائحتين فلا تنظروا في الأشياء المتفاضلة إلا بارتباطها بالحقائق الإلهية وإذا كان هذا نظركم فإنكم لا تحقرون شيأ من العالم فلا تقس الله ولا تحمله على نفسك وخذ الأشياء على ما تعطيها الحقائق وأما تحويل ما هو على اليمين إلى الشمال وبالعكس فاعتباره أن صفات السعداء في الدعاء الخشوع والذلة وهم أهل اليمين في الدنيا فتتحول هذه الصفة على أهل الشمال في الدار الآخرة فكأن السعداء أخذوها منهم في الدنيا قال تعالى في حق السعداء الذين هم في صلاتهم خاشعون وقال خاشعين لله وقال أعني في عكس الصفة عليهم يخافون يوما تتقلب فيه القلوب والأبصار وقال في حق الأشقياء في الدار الآخرة خاشعين من الذل ينظرون من طرف خفي وقال ' وجوه يومئذ خاشعة عاملة ناصبة تصلى نارا حامية ' وتحويل آخر وهو أن يتصف العبد السعيد في الآخرة بما يتصف به العبد الشقي في الدنيا في الثروة والملك والسلطان فينقلب إليه المؤمن في الآخرة ويتحول إليه ويتحول عنه الكافر في الآخرة فيظهر المؤمن في الآخرة بنعيم الكافر الشقي في الدنيا ويظهر الكافر المنعم في الدنيا في الآخرة بصفة الشقاء والبؤس الذي كان فيه المؤمن في الدنيا فهذا اعتبار اليمين والشمال في تحويل الرداء وصل في اعتبار وقت التحويل وهو في الاستسقاء في أول الخطبة أو بعد مضي صدر الخطبة فاعلم أن اعتبار التحويل في أول الخطبة هو أن يكون الإنسان في حال نظره لربه بربه فينظر في أول الخطبة لربه بنفسه وهو قوله في أول الصلاة حمدني عبدي فلو كان حال المصلي في وقت الحمد حال فناء بمشاهدة ربه أنه تعالى حمد نفسه على لسان عبده لم يصدق من جميع الوجوه حمدني عبدي وهو الصادق سبحانه في قوله حمدني عبدي فلا بد أن يكون العبد يشاهد نفسه في حمده ربه وهو صدق ومن قال مضى صدر من الخطبة فهو إذا قال العبد إياك نعبد وإياك نستعين فكان في أول الخطبة يثني على ربه بربه بحال فناء علمي ومشه سني بربه عن نفسه فإنه بكلامه حمده فلما أوقع الخطاب كان ثناؤه بنفسه على ربه فيحول عن حالته تلك في هذا الوقت فهذا اعتبار تعيين التحويل في أول الخطبة أو بعد مضي صدر الخطبة وصل اعتبار استقبال القبلة من كان وجها كله يستقبل ربه أن يقبل على ربه بجميع ذاته فإنه ما فيه جزء محسوس أو معنوي ظاهر أو باطن إلا وهو فقير محتاج إلى رحمة فقر إليه وما منع الناس الإجابة من الله دعائهم إياه إلا كونهم يدعونه عن ظهر غنى لالتفاتهم إلى الأسباب وهم لا يشعرون وينتجه عدم الإخلاص والمضطر المضمون له الإجابة مخلص مخلص ما عنده التفات إلى غير من توجه إليه أخبرني الرشيد الفرغاتي رحمه الله عن فخر الدين شيخه ابن خطيب الري عالم زمانه أن السلطان حبسه وعزم على قتله وماله شفيع عنده مقبول قال فطمعت أن أجمع همي على الله في أمري أن يخلصني من يد السلطان لما انقطعت بي الأسباب وحصل اليأس من كل ما سوى الله فما تخلص لي ذلك لما يرد على من الشبه النظرية في إثبات الله الذي ربطت معتقدي به إلى أن جمعت همتي وكليتي على الإله الذي تعتقده العمة ورميت من نفسي نظري وأدلتي ولم أجد في نفسي شبهة تقدح عندي فيه وأخلصت إليه التوجه بكلى ودعوته في التخلص فما أصبح إلا وقد أفرج الله عني وأخرجني من الاستسقاء عند الدعاء مناسب لقيام الحق بعباده فيما يحتاجون إليه فإنه طلب للرزق بإنزال المطر الذي تركن نفوسهم إليه ويستبشرون بقول الله الرجال قوامون على النساء والنفوس كلها في مقام الأنوثة لمن عقل فإن كل منفعل فرتبته رتبة الأنثى وما ثم غلا منفعل والفعل مقسم على الحقيقة بين الفاعل والمنفعل فمن الفاعل الاقتدار ومن المنفعل القبول للاقتدار فيه وهنا سر يتضمن أجيب دعوة الداعي إذا دعاني فليستجيبوا لي فالذي يجعل الله الرزق على يديه قائم على من يرزق بسببه فشرع القيام في الدعاء في الاستسقاء كأنه يقول بحال قيامه بين يدي ربه ارزقنا ما نقوم به على عيالنا بما تنزله من الغيث علينا فإنه السبب في وجود ما به قوام أنفسنا إنك على كل شيء قدير وصل اعتبار الدعاء في هذا الباب الدعاء مخ العبادة وبالمخ تكون القوة للأعضاء كذلك الدعاء مخ العبادة به تقوى عبادة العابدين فإنه روح العبادة إن الذين يستكبرون عن عبادتي العبادة هنا عين الدعاء سيدخلون جهنم داخرين وهو البعد عن الله فإن جهنم سميت به لبعد قعرها وصل اعتبار رفع الأيدي عند الدعاء على الكيفيتين الأيدي محل القبض والعطاء فيها ما أخذو بها ما أعطى فلها القبض بما تأخذ والبسط بما تعطى فيرفع العبد يديه مبسوطتين ليجعل الله فيهما ما سأله من نعمه فإن رفعها وجعل بطونها إلى الأرض فرفعها تشهد العلو والرفعة ليدي ربي تعالى التي هي اليد العليا ويداه مبسوطتان ينفق كيف يشاء ويجعل الداعي بطون يديه إلى الأرض في الاستسقاء أي أنزل علينا مما بيديك من الخير والبركة ما تسد به فقرنا وفاقتنا الي علقتها بالأسباب فأوحدها إليك وفرغها بما تنزله من الغيث من أجلها فهذا وأشباهه اعتبار صلاة الاستسقاء وأحوال أهله وكون صلاتها ركعتين هو قول الله وأسبغ عليكم نعمه ظاهرة وباطنة فالركعة الواحدة للنعمة الظاهرة يسد بها الخلل الظاهر والركعة الثانية للنعمة الباطنة يسأل فيها ما يكون فيه غذاء الأرواح والقلوب من العلوم والمعارف والتجلي واليد النعمة انتهى الجزء السادس والأربعون بسم الله الرحمن الرحيم
وصل في فصل ركعتي تحية المسجد
Bogga 619