208

Futuhaat Makkiyya

الفتوحات المكية في معرفة الاسرار الملكية

Daabacaha

دار إحياء التراث العربي

Daabacaad

الأولى

Sanadka Daabacaadda

1418هـ- 1998م

Goobta Daabacaadda

لبنان

Gobollada
Suuriya
Imbaraado iyo Waqtiyo
Ayyuubiyiin

ما عدا الأنس كلهم شهدوا . . . إنه لا إله إلا هو الله قال الله جل ثناؤه في كتابه العزيز ' شهد الله أنه لا إله إلا هو والملائكة وألوا العلم قائما بالقسط لا إله إلا هو العزيز الحكيم ' ثم قال ' إن الدين عند الله الإسلام ' وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ' الإسلام أن تشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله ' الحديث فقال سبحانه ' وأولوا العلم ' لم يقل وأولوا الإيمان فإن شهادته بالتوحيد لنفسه ما هي عن خبر فيكون إيمانا ولهذا الشاهد فيما يشهد به لا يكون إلا عن علم وإلا فلا تصح شهادته ثم إنه عز وجل عطف الملائكة وأولي العلم على نفسه بالواو وهو حرف يعطي الاشتراك ولا اشتراك هنا إلا في الشهادة قطعا ثم أضافهم إلى العلم لا إلى الإيمان فعلمنا أنه أراد من حصل له التوحيد من طريق العلم النظري أو الضروري لا من طريق الخبر كأنه يقول وشهدت الملائكة بتوحيدي بالعلم الضروري من التجلي الذي أفادهم العلم وقام لهم مقام النظر الصحيح في الأدلة فشهدت لي بالتوحيد كما شهدت لنفسي وأولو العلم بالنظر العقلي الذي جعلته في عبادي ثم جاء بالإيمان بعد ذلك في الرتبة الثانية من العلماء وهو الذي يعول عليه في السعادة فإن الله به أمر وسميناه علما لكون المخبر هو الله فقال فاعلم أنه لا إله إلا الله وقال تعالى ' وليعلموا إنما هو إله واحد ' حين قسم المراتب في آخر سورة إبراهيم من القرآن العزيز وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم في الصحيح من مات وهو يعلم أنه لا إله إلا الله دخل الجنة ولم يقل هنا يؤمن فإن الإيمان موقوف على الخبر وقد قال وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا وقد علمنا أن لله عبادا كانوا في فترات وهم موحدون علما وما كانت دعوة الرسل قبل رسول الله صلى الله عليه وسلم عامة فيلزم أهل كل زمان الإيمان فعم بهذا الكلام جميع العلماء بتوحيد الله المؤمن منهم من حيث ما هو عالم به من جهة الخبر الصدق الذي يفيد العلم لا من جهة الإيمان وغير المؤمن فالإيمان لا يصح وجوده إلا بعد مجيء الرسول والرسول لا يثبت حتى يعلم الناظر العاقل أن ثم إلها وإن ذاك الإله واحد لا بد من ذلك لأن الرسول من جنس من أرسل إليهم فلا يختص واحد من الجنس دون غيره إلا لعدم المعارض وهو الشريك فلا بد أن يكون عالما بتوحيد من أرسله وهو الله تعالى ولابد أن يتقدمه العلم بأنه هذا الإله هو على صفة يمكن أن يبعث رسولا بنسبة خاصة ما هي ذاته وحينئذ ينظر في صدق دعوى هذا الرسول إنه رسول من عند الله لإمكان ذلك عنده وهذه في العلم مراتب معقولة يتوقف العلم ببعضها على بعض وليس هذا كله حظ المؤمن فإن مرتبة الإيمان وهو التصديق بأن هذا رسول من عند الله لا تكون إلا بعد حصول هذا العلم الذي ذكرناه فإذا جاءت الدلالات على صدقه بأنه رسول الله لا بتوحيد مرسله حينئذ تتأهب العقلاء أولو الألباب والأحلام والنهي لما يورده في رسالته هذا الرسول فأول شيء قال في رسالته إن الله الذي أرسلني يقول لكم قولوا لا إله إلا الله فعلم أولو الألباب أن العالم بتوحيد الله لا يلزمه أن يتلفظ به فلما سمع من الرسول الأمر بالتلفظ به وإن ذلك ليس من مدلول دليل العلم بتوحيد الله تلفظ به هذا العالم الموحد إيمانا وتصديقا بهذا الرسول فإذا قال العالم لا إله إلا الله لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم له ' قل لا إله إلا الله ' عن أمر الله سمي مؤمنا فإن الرسول أوجب عليه أن يقولها وقد كان في نفسه عالما بها ومخبرا في نفسه في التلفظ بها وعدم التلفظ بها فهذه مرتبة العالم بتوحيد الله من حيث الدليل فمن مات وهو يعلم أنه لا إله إلا الله دخل الجنة بلا شك ولا ريب وهو من السعداء فأما من كان في الفترات فيبعثه الله أمة وحده كقس بن ساعدة لا تابع لأنه ليس بمؤمن ولا هو متبوع لأنه ليس برسول من عند الله بل هو عالم بالله وبما علم من الكوائن الحادثة في العالم بأي وجه علمها وليس لمخلوق أن يشرع ما لم يأذن به الله ولا أن يوجب وقوع ممكن من عالم الغيب يجوز خلافه في دليله على جهة القربة إلى الله إلا بوحي من الله وإخبار وهنا نكت لمن له قلب وفطنة لقوله تعالى وأوحى في كل سماء أمرها وقوله أنه أودع اللوح المحفوظ جميع ما يجريه في خلقه إلى يوم القيامة ومما أوحى الله في سمواته وأودعه في لوحه بعثة الرسل فتؤخذ من اللوح كشفا وإطلاعا وتؤخذ من السماء نظرا واختبارا وعلمهم ببعثة الرسل علمهم بما يجيئون به من القربات إلى الله وبأزمانهم وأمكنتهم وحلاهم وما يكون من الناس بعد الموت وما يكون منهم في البعث والحشر ومآلهم إلى السعادة والشقاء من جنة ونار وإن الله جعل بروج الفلك ومنازله وسباحة كواكبه أدلة على حكم ما يجريه الله في العالم الطبيعي والعنصري من حر وبرد ويبس ورطوبة في حار وبارد ورطب ويابس فمنها ما يقتضي وجود الأجسام في حركات معلومة ومنها ما يقتضي وجود الأرواح ومنها ما يقتضي بقاء مدة السموات وهو العلم الذي أشار إليه أبو طالب المكي من أن الفلك يدور بأنفاس العالم ومع رؤيتهم لذلك كله هم فيه متفاضلون بعضهم على بعض فمنهم الكامل المحقق المدقق ومنهم من ينزل عن درجته بالتفاضل في النزول وقد رأينا جماعة من أصحاب خط الرمل والعلماء بتقادير حركات الأفلاك وتسيير كواكبها والاقترانات ومقاديرها ومنازل اقتراناتها وما يحدث الله عند ذلك من الحكم في خلقه كالأسباب المعتادة في العامة التي لا يجهلها أحد ولا يكفر القائل بها فهذه أيضا معتادة عند العلماء بها فإنها تعطي بحسب تأليف طباعها مما لا يعطيه حالها في غير اقترانها بغيرها فيخبروةن بأمور جزئية تقع على حد ما أخبروا به وإن كان ذلك الأمر واقعا بحكم الاتفاق بالنظر إليه وإن كان علما في نفس الأمر فإن الناظر فيه ما هو على يقين وإن قطع به في نفسه لغموض الأمر فما يصح أن يكون مع الإنصاف على يقين من نفسه إنه ما فاتته دقيقة في نظره ولا فات لمن مهد له السبيل قبله من غير نبي يخبر عن الله فإن المتأخر على حساب المتقدم يعتمد فلما رأينا ذلك علمنا أن لله أسرارا في خلقه ومن حصل في هذه المرتبة من العلم لم يكن أحد أقوى في الإيمان منه بما جاءت به الرسل وما جاء به رسول الله صلى الله عليه وسلم من عند الله إلا من يدعو إلى الله على بصيرة كالرسول وأتباعه وإن كلامنا في المفاضلة إنما هو بين هؤلاء وبين المؤمنين أهل التقليد لا بين الرسل وأولياء الله وخاصته الذين تولى الله تعليمهم فآتاهم رحمة من عنده وعلمهم من لدنه علما فهم فيما علموه بحكم القطع لا بحكم الاتفاق يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم في علم الخط أن نبيا من الأنبياء بعث به قيل هو إدريس عليه السلام فأوحى الله إليه في تلك الأشكال التي أقامها الله له مقام الملك لغيره وكما يجيء الملك من غير قصد من النبي لمجيئه كذلك يجيء شكل الخط من غير قصد الضارب صاحب الخط إليه وهذه هي الأمهات خاصة ثم شرع له أن يشرع وهي السنة التي يرى الرسول أن يضعها في العالم وأصلها الوحي كذلك ما يولد صاحب الخط عن الأمهات من الأولاد وأولاد الأولاد فتفصح له تلك الأشكال عن الأمر المطلوب على ما هو عليه والضمير فيه كالنية في العمل فلا يخطىء قال عليه السلام في العلماء العالمين بالخط فمن وافق خطه يعني خط ذلك النبي فذاك يقول فقد أصاب الحق فهذا مثل من يدعو إلى الله على بصيرة من اتباع الرسل فقوله فإن وافق فما جعله علما عنده لكونه لا يقطع به وإن كان علما في نفس الأمر فهذا الفرق بين هؤلاء وبين من يدعو إلى الله على بصيرة ومن هو على بينة من ربه فاعلم العلماء بالله بعد ملائكة الله رسل الله وأولياؤه ثم العلماء بالأدلة ومن دونهم وإن وافق العلم في نفس الأمر فليس هو عند نفسه بعالم للتردد الإمكاني الذي يجده في نفسه المنصف فما هو مؤمن إلا بما جاء في كتاب الله على التعيين وما جاء عن رسوله على الجملة لا على التفصيل إلا ما حصل له من ذلك تواترا ولهذا قيل للمؤمنين آمنوا بالله ورسوله فقد بانت لك مراتب الخلق في العلم بالله فإذا جاء الرسول وبين يديه العلماء بالله وغير العلماء بالله وقال للجميع قولوا لا إله إلا الله علمنا على القطع أنه صلى الله عليه وسلم في ذلك القول معلم لمن لا علم له بتوحيد الله من المشركين وعلمنا أنه في ذلك القول أيضا معلم للعلماء بالله وتوحيده إن التلفظ به واجب وإنه العاصم لهم من سفك دمائهم وأخذ أموالهم وسبي ذراريهم ولهذا قال رسول الله صلى الله عليه وسلم أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله فإذا قالوها عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحق الإسلام وحسابهم على الله ولم يقل حتى يعلموا فإن فيهم العلماء فالحكم هنا للقول لا للعلم والحكم يوم تبلى السرائر في هذا للعلم لا للقول فقالها هنا العالم والمؤمن والمنافق الذي ليس بعالم ولا مؤمن فإذا قالوا هذه الكلمة عصموا دماءهم وأموالهم إلا بحقها في الدنيا والآخرة وحسابهم على الله في الآخرة من أجل المنافق ومن ترتب عليه حق لأحد فلم يؤخذ منه وأما في الدنيا فمن أجل الحدود الموضوعة فإن قول لا إله إلا الله لا يسقطها في الدنيا ولا في الآخرة وأما حسابهم على الله في الآخرة يوم يجمع الله الرسل فيقول ماذا أجبتم فيعلمون بقرينة الحال أنه سؤال واستفهام عن إجابتهم بالقلوب فيقولون لا علم لنا أي لم نطلع على القلوب إنك أنت علام الغيوب تأكيد وتأييد لما ذكرنا ثم قال صلى الله عليه وسلم من اسمه الملك بني الإسلام على خمس فصيره ملكا شهادة أن لا إله إلا الله وهي القلب وأن محمدا رسول الله حاجب الباب وأقام الصلاة المجنبة اليمنى وإيتاء الزكاة المجنبة اليسرى وصيام رمضان التقدمة والحج الساقة وربما كانت الصلاة التقدمة لكونها نورا فهي تحجب الملك وقد ورد في الخبر إن حجابه النور وتكون الزكاة الميمنة لأنها إنفاق يحتاج إلى قوة لإخراج ما كان يملكه عن ملكه ويكون الحج الميسرة لما فيه من الإنفاق والقرابين حيث تجتمع بالزكاة في الصدقة والهدية وكلاهما من أعمال الأيدي ويكون الصوم في الساقة فإن الخلف نظير الأمام وهو ضياء فإن الصبر ضياء يريد الصوم والضياء من النور فهو أولى بالساقة للموازنة فإن الآخر يمشي على أثر الأول وهكذا يكون الإيمان الإلهي يوم القيامة فيأتي الإيمان يوم القيامة في صورة ملك على هذه الصفة فأهل لا إله إلا الله في القلب وأهل الصلاة في التقدمة وأهل الزكاة وهي الصدقة في الميمنة وأهل الحج في الميسرة وأهل الصيام في الساقة جعلنا الله ممن قام بناء بيته على هذه القواعد فكان بيته الإيمان وحده من القبلة الصلاة ومن الشمال الصوم ومن الغرب صدقة السر ومن الشرق الحج فلقد سعد ساكنه واعلم أن لا إله إلا الله كلمة نفي وإثبات وهي أفضل كلمة قالها الأنبياء قال رسول الله صلى الله عليه وسلم أفضل دعاء دعاء يوم عرفة فيه إشارة لدعاء العارفين بالله وأفضل ما قلته أنا والنبيون من قبلي لا إله إلا الله وهو حديث صحيح رواية ومعنى فالنفي لابد أن يرد على ثابت فينفيه فإنه إن ورد النفي على ما ليس بثابت وهو النفي أثبته لأن ورود النفي على النفي إثبات كما أن عدم العدم وجود فما نفي هذا النافي بقوله لا إله أخبرونا فقد استفهمناكم والثبت أيضا هل حكمه حكم النفي من أنه لا يثبت إلا المنفي أو حكمه حكم آخر يتميز به عن حكم النفي فأي شيء نفى هذا النافي وأي شيء أثبت هذا المثبت هذا كله لابد من تحقيقه إن شاء الله فاعلم أن النفي ورد على أعيان من المخلوقات لما وصفت بالألوهية ونسبت إليها قيل فيها آلهة ولهذا تعجب من تعجب من المشركين لما دعاهم رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الله الواحد فأخبرنا بقية عنه أنه قال أجعل الآلهة إلها واحدا إن هذا لشيء عجاب فسموها آلهة وهي ليست بهذه الصفة فورد حكم نفي على هذه النسبة الثابتة عندهم إليها لا في نفس الأمر لا على نفي الألوهية لأنه لو نفي النفي لكان عين الإثبات لما زعمه مشرك فكأنه يقول للمشرك هذا القول الذي قلت لا يصح أي ما هو الأمر كما زعمت ولابد من إله وقد انتفت الكثرة من الآلهة بحرف الإيجاب الذي هو قوله إلا وأوجبوا هذه النسبة إلى المذكور بعد حرف الإيجاب وهو مسمى الله فقالوا لا إله إلا الله فلم تثبت نسبة الألوهة لله بإثبات المثبت لأنه سبحانه إله لنفسه فأثبت المثبت بقوله إلا الله هذا الأمر في نفس من لم يكن يعتقد انفراده سبحانه بهذا الوصف فإن ثبت الثبت محال وليس نفي المنفي بمحال فعلى الحقيقة ما عبد مشرك إلا الله لأنه لو لم يعتقد الألوهة في الشريك ما عبده وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه ولذلك غار الحق لهذا وصف فعاقبهم في الدنيا إذ لم يحترموه ورزقهم وسمع دعاءهم وأجابهم إذا سألوا إلههم في زعمهم لعلمه سبحانه إنهم ما لجؤا إلا لهذه المرتبة وإن أخطؤا في النسبة فشقوا في الآخرة شقاء الأبد حيث نبههم الرسول على توحيد من تجب له هذه النسبة ينظروا ولا نصحوا نفوسهم ولهذا كانت دلالة كل رسول بحسب ما كان الغالب على أهل زمانه لتقوم عليهم الحجة ليكون لله الحجة البالغة فعمت هذه الكلمة مرتبة العدم والوجود فلم تبق مرتبة إلا وهي داخلة تحت النفي والإثبات فلها شمول فمن قائل لا إله إلا الله بنفسه ومن قائل لا إله إلا الله بنعته ومن قائل لا إله إلا الله بربه ومن قائل لا إله إلا الله بنعت ربه ومن قائل لا إله إلا الله بحاله ومن قائل لا إله إلا الله بحكمه وهو المؤمن خاصة والخمسة الباقون ما لهم في الإيمان مدخل أما من قال لا إله إلا الله بنفسه فهو الذي قالها من تجليه لنفسه فرأى استفادة وجوده من غيره فأعطته رؤية نفسه أن يقول لا إله إلا الله وهو التوحيد الذاتي الذي أشارت إليه طائفة من المحققين وأما القائل لا غله إلا الله بنعته فهو الذي وحده بعلمه من نعته العلم بتوحيد الله وأحديته فنطقه علمه والفرق بينه وبين الأول أن الأول عن شهود وهذا الثاني عن وجود والوجود قد يكون عن شهود وقد لا يكون وأما القائل لا إله إلا الله بربه فهو الذي رأى أن الحق عين الوجود لا أمر آخر وأن اتصاف الممكنات بالوجود هو ظهور الحق لنفسه بأعيانها وذلك إن استفادتها الوجود لها من الله إنما هو من حيث وجوده فإن الوجود المستفاد وهو الظاهر وهو عين الحكم به على هذه الأعيان فقال لا إله إلا الله بربه وأما القائل لا إله إلا الله بنعت ربه فإنه رأى أن الحق سبحانه من حيث أحديته وذاته ما هو مسمى الله والرب فإنه لا يقبل الإضافة رأى أن مسمى الرب يقتضي المربوب ومسمى الله يطلب المألوه ورأى أنهم لما استفادوا منه الوجود ثبت له اسم الرب إذ كان المربوب يطلبه فالمربوب أصل في ثبوت الاسم الرب ووجود الحق أصل في وجود الممكنات ورأى أن لا إله إلا الله عرف نفسه عرف ربه فوجودنا موقوف على وجوده والعلم به موقوف على العلم بنا فهو أصل في وجه ونحن أصل في وجه أما القائل لا إله إلا الله بحاله فهو الذي يستند في أموره إلى غير الله فإذا لم يتفق له حصول ما طلب تحصيله ممن استند إليه سدت الأبواب في وجهه من جميع الجهات رجع إلى الله اضطراراا فقال لا إله إلا الله بحاله وهؤلاء الأصناف كلهم لا يتصفون بالإيمان لأنه ما فيهم من قالها عن تقليد وأما من قال لا إله إلا الله بحكمه فهو الذي قالها لقول الشارع حيث أوجب عليه أن يقولها وحكم عليه أن يقولها ولولا هذا الحكم ما قالها على جهة القربة إلى الله وربما لو قالها قالها معلما أو معلما دخلت على شيخنا أبي العباس العربي من أهل العليا وكان مستهترا بذكر الاسم الله لا يزيد عليه شيأ فقلت له يا سيدي لم لا تقول لا إله إلا الله فقال لي يا ولدي الأنفاس بيد الله ما هي بيدي فأخاف أن يقبض الله روحي عند ما أقول لا إله فأقبض في وحشة النفي وسألت شيخا آخر عن ذلك فقال لي ما رأت عيني ولا سمعت أذني من يقول أنا الله غير الله فلم أجد من أنفي فأقول كما سمعته بقول الله الله وإنما تعبدنا بهذا الاسم في التوحيد لأنه الاسم الجامع للنعوت بجميع الأسماء الإلهية وما نقل أنه وقعت من أحد من المعبودين فيه مشاركة بخلاف غيره من الأسماء مثل إله وغيره وبهذا القدر من القول إذا قيل لقول الشارع يثبت الإيمان وإنما قال الشارع حتى يقولوا لا إله إلا الله ولم يقل محمد رسول الله لتضمن هذه الشهادة بالتوحيد الشهادة بالرسالة فإن القائل لا إله إلا الله لا يكون مؤمنا إلا إذا قالها لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم فإذا قالها لقوله فهو عين إثبات رسالته فلما تضمنت هذه الكلمة الخاصة الشهادة بالرسالة لهذا لم يقل قولا محمد رسول الله وقال في غير القول وهو الإيمان والإيمان معنى من المعاني ما هو مما يدرك بالحس فقرن بالإيمان بالله الإيمان به وبما جاء به يعني من عنده مما له أن يشرعه من غير نقل عن الله فقال في حديث ابن عمر لما ذكر الإيمان بالله وبالصلاة والزكاة والحج والصوم وكل هذا جاء من عند الله قال في حديث ابن عمر أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله ويؤمنوا بي وبما جئت به من أجل المنافق المقلد فإنه يقولها من غير إيمان بقلبه ولا اعتقاد والجاحد المنافق يقولها لا لقوله مع علمه بأنه رسول الله من كتابه لا من دليله العقلي واعلم أن التلفظ بشهادة الرسالة المقرونة بشهادة التوحيد فيه سر إلهي عرفنا به الحق سبحانه وهو أن الإله الواحد الذي جاء بوصفه ونعته الشارع ما هو التوحيد الإلهي الذي أدركه العقل فإن ذلك لا يقبل اقتران الشهادة بالرسالة مع الشهادة بالتوحيد فهذا التوحيد من حيث ما يعلمه الشارع ما هو التوحيد من حيث ما أثبته النظر العقلي وإذا كان الإله الذي دعانا الشرع إلى عبادته وتوحيده إنما هو في رتبة كونه إلها لا في ذاته صح أن تنعته بما نعته به من النزول والأستواء والمعية والتردد والتدبر وما أشبه ذلك من الصفات التي لا يقبلها توحيد العقل المحض المجرد عن الشرع فهذا المعبود ينبغي أن تقرن شهادة الرسول برسالته بشهادة توحيد مرسله ولهذا يضاف إليه فيقال أشهد أن لا إله إلا الله أشهد أن محمدا رسول الله كل يوم ثلاثين مرة في أذان الخمس الصلوات وفي الإقامة والمتلفظون بهذه الشهادة الرسالية التفصيل فيهم كالتفصيل في شهادة التوحيد فلنمش بها على ذلك الأسلوب من المراتب وفي الإيمان بالله وبرسوله الإيمان بكل ما جاء به من عند الله ومن عنده مما سنه بها على ذلك الأسلوب من المراتب وفي الإيمان بالله وبرسوله الإيمان بكل ما جاء به من عند الله ومن عنده مما سنه وشرعه ويدخل فيما سنه الإيمان بسنة من سن سنة حسنة فاستمر الشرع وحدوث العبادة المرغب فيها مما لا ينسخ حكما ثابتا إلى يوم القيامة وهذا الحكم خاص بهذه الأمة وأعني بالحكم تسميتها سنة تشريفا لهذه الأمة وكانت في حق غيرهم من الأمم السالفة تسمى رهبانية قال تعالى ورهبانية ابتدعوها فمن قال بدعة في هذه الأمة مما سماها الشارع سنة فما أصاب السنة إلا أن يكون ما بلغه ذلك والاتباع أولى من الابتداع والفرق بين الاتباع والابتداع معقول ولهذا جنح لاشارع إلى تسميتها سنة وما سماها بدعة لأن الابتداع إظهار أمر على غير مثال هذا أصله ولهذا قال الحق تعالى عن نفسه بديع السموات والأرض أي موجدها على غير مثال سبق فلو شرع الإنسان اليوم أمرا لا أصل له في الشرع لكان ذلك إبداعا ولم يكن يسوغ لنا الأخذ به فعدل الشارع عن لفظ الابتداع إلى لفظ السنة إذ كانت السنة مشروعة وقد شرع الله لمحمد صلى الله عليه وسلم الاقتداء بهدي الأنبياء عليهم السلام والله يقول الحق وهو يهدي السبيل انتهى الجزء الثلاثون .

بسم الله الرحمن الرحيم

الباب الثامن والستون في أسرار الطهارة

تبصر ترى سر الطهارة واضحا . . . يسيرا على أهل التيقظ والذكا

فكم طاهر لم يتصف بطهارة . . . إذا جانب البحر اللدني واحتمى

ولو غاص في البحر الأجاج حياته . . . ولم يفن عن بحر الحقيقة ما زكا

إذا استجمر الإنسان وترا فقد مشى . . . على السنة لمثلي حليفا لمن مضى

فإن شفع استجماره عاد خاسرا . . . وفارق من يهواه من باطن الردا

وإن غسل الكفين وترا ولم يزل . . . بخيلا بما يهوى على فطرة الأولى

فما غسلت كف خضيب ومعصم . . . إذا لم يلح سيف التوكل منتضى

إذا صح غسل الوجه صح حياؤه . . . وصح له رفع الستور متى يشا

وإن لم يمس الماء لمة رأسه . . . ولا وقفت كفاه في ساحة القفا

فما انفك من رق العبودية التي . . . تسخرها الأغيار في منزل التوى

وإن لم ير الكرسي في غسل رجله . . . تناقص معنى الطهر للحين وانتفى

إذا مضمض الإنسان فاه ولم يكن . . . بريئا من الدعوى وفيا بما أدعى

ومستنشق ما شم ريح اتصاله . . . ومستنثر أودى به كبره الردى

صماخاه ما تنفك تطهر إن صغا . . . إلى أحسن الأقوال واكتف واقتفى

وإن لبس الجرموق وهو مسافر . . . على طهره يمسح وفي سره خفا

ثلاثة أيام وإن كان حاضرا . . . بمنزله فالمسح يوم بلا قضا

وفي المسح سر لا أبوح بذكره . . . ولو قطعت مني المفاصل والكلى

ويتلوه مسح في الجبائر بين . . . لكل مريد لم يرد ظاهر الدنا

وإن عدم الماء القراح فإنه . . . تيممه يكفيه من طيب الثرى

ويوتره وجها وكفا فإن أبى . . . وصيره شفعا فنعم الذي أتى

إذا أجنب الإنسان عم طهوره . . . كما عمت اللذات أجزاءه العلى

ألم تر أن الله نبه خلقه . . . بإخراجه بين الترائب والمطا

فذاك الذي أجنى عليه طهوره . . . ولو غاب بالذات النزيهة ما جنا

فإن نسي الإنسان ركنا فإنه . . . يعيد ويقضي ما تضمن واحتوى

وإن لم يكن ركنا وعطل سنة . . . فلم يأنس الزلفى وما بلغ المنى

وذلك في كل العبادات شائع . . . وليس جهول بالأمور كمن درى

فهذا طهور العارفين فإن تكن . . . من أحزابهم تحظى بتقريب مصطفى

Bogga 410