187

Futuhaat Makkiyya

الفتوحات المكية في معرفة الاسرار الملكية

Daabacaha

دار إحياء التراث العربي

Lambarka Daabacaadda

الأولى

Sanadka Daabacaadda

1418هـ- 1998م

Goobta Daabacaadda

لبنان

يدق فليس تظهره . . . إليك جوامع الكلم الخواطر أربعة لا خامس لها خاطر رباني وخاطر ملكي وخاطر نفسي وخاطر نفسي وخاطر شيطاني ولا خامس هناك وقد ذكرنا معرفة الخواطر في هذا الكتاب وفي بعض كتبنا فلذكر في هذا الباب الخاطر الشيطاني خاصة اعلم إن الشياطين قسمان قسم معنوي وقسم حسي ثم القسم الحسي من ذلك على قسمين شيطاني أنسي وشيطاني حتى يقول الله عز وجل شياطين الأنس والجن يوحي بعضهم إلى بعض زخرف القول غرورا ولو شاء ربك ما فعلوه فذرهم وما يفترون فجعلهم أهل افتراء على الله وحدث فيما بينهما في الإنسان شيطان معنوي وذلك أن شيطان الجن والإنس إذا ألقى من ألقى منهم في قلب الإنسان أمرا ما يبعده عن الله به فقد يلقى أمرا خاصا وهو خصوص مسئلة بعينها وقد يلقى أمرا عاما ويتركه فإن كان أمرا عاما فتح له في ذلك طريقا إلى أمور لا يفطن لها الجني ولا الأنسي تتفقه فيه النفس وتستنبط من تلك الشبه أمورا إذا تكلم بها تعلم إبليس الغواية فتلك الوجوه التي تنفتح له في ذلك الأسلوب العام الذي ألقاه إليه أولا شيطان الإنس أو شيطان الجن تسمى الشياطين المعنوية لأن كل واحد من شياطين الإنس والجن يجهلون ذلك وما قصدوه على التعيين وإنما أرادوا بالقصد الأول فتح هذا الباب عليه لأنهم علموا أن في قوته وفطنته أن يدقق النظر فيه فينقدح له من المعاني المهلكة ما لا يقدر على ردها بعد ذلك وسبب ذلك الأصل الأول فإنه اتخذه أصلا صحيحا وعول عليه فلا يزل التفقه فيه يسرقه حتى خرج به عن ذلك الأصل وعلى هذا جرى أهل البدع والأهواء فإن الشياطين ألقت إليهم أصلا صحيحا لا يشكون فيه ثم طرأت عليهم التلبيسات من عدم الفهم حتى ضلوا فينسب ذلك إلى الشيطان بحكم الأصل ولو علموا إن الشيطان في تلك المسائل تلميذ له يتعلم منه وأكثر ما ظهر ذلك في الشيعة ولاسيما في الإمامية منهم فدخلت عليهم شياطين الجن أو لا يحب أهل البيت واستفرغ الحب فيهم ورأوا أن ذلك من أسنى القربات إلى الله وكذلك هو لو وقفوا ولا يزيدون عليه إلا أنهم تعدوا من حب أهل البيت إلى طريقين منهم من تبدى إلى بغض الصحابة وسبهم حيث لم يقدموهم وتخيلوا أن أهل البيت أولى بهذه المناصب الدنيوية فكان منهم ما قد عرف واستفاض وطائفة زادت إلى سب الصحابة القدح في رسول الله صلى الله عليه وسلم وفي جبريل عليه السلام وفي الله جل جلاله حيث لم ينصوا على رتبتهم وتقديمهم في الخلافة للناس حتى أنشد بعضهم ما كان من بعث الأمين أمينا وهذا كله واقع من أصل صحيح وهو حب أهل البيت أنتج في نظرهم فاسدا فضلوا وأضلوا فانظر ما أدى إليه الغلو في الدين أخرجهم عن الحد فانعكس أمرهم إلى الضد قال تعالى ' يا أهل الكتاب لا تغلوا في دينكم غير الحق ولا تتبعوا أهواء قوم قد ضلوا من قبل وأضلوا كثيرا وضلوا عن سواء السبيل وطائفة ألفت إليهم الشياطين أصلا صحيحا لا يشكون فيه إن النبي صلى الله عليه وسلم قال ' من سن سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها ' ثم تركتهم بعدما حببت إليهم العمل على هذا فجعل بعض الناس لحرصه على الخير يتفقه لكونه يريد تحصيل أجود من عمل بها فإذا سن سنة حسنة يخاف إذا نسبها إلى نفسه لا تقبل منه فيضع لأجل قبولها حديثا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في ذلك ويتأول أن ذلك داخل في حكم قوله من سن سنة حسنة فأجاز الكذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم وأن يقول عليه صلى الله عليه وسلم ما لم يقله ولا فاه به لسانه ويرى أن ذلك خير فإن الأصول تعضده فإذا أخطر له الملك قوله صلى الله عليه وسلم من كذب علي متعمدا فليتبوأ مقعده من النار وأخطر له أيضا قوله صلى الله عليه وسلم ' ليس كذب علي ككذب على أحد من كذب علي متعمدا فليتبوأ مقعده من النار يتأول ذلك كله بإلقاء الشيطان في خاطره فيقول له إنما ذلك إذا دعا إلى صلى الله عليه وسلم وقال عنه أنه صرح بما لم يقله صلى الله عليه وسلم وكذلك إن كان من أهل الخلوات والرياضيات واستعجل الرياسة من قبل أن يفتح الله عليه بابا من أبواب عبوديته فيلزم طريق الصدق ولا يقف مع رسول الله صلى الله عليه وسلم مثل ما وقف الأول وأنه يجري إلى الافتراء على الله فينسب ذلك الذي سنه إلى الله تعالى ويتأول أنه لا فاعل إلا الله وأنه تعالى المنطق عباده ويصير من وقته لذ أشعر يا مجبورا ويقول هذا كله خير فإني ما قصدت إلا أن أعضد تلك السنة الحسنة فلم أر أشد في تقويتها من أني أسندها إلى الله تعالى كما هي في نفس الأمر خلق لله تعالى أجراها الله على لساني هذا كله يحدث به نفسه لا يقول ذلك لأحد فإذا كان مع الناس يريهم إن ذلك جاءه من عند الله كما يجيء لأولياء الله على تلك الطريق فإذا أخطر له الملك قول الله تعالى ' ومن أظلم ممن افترى على الله كذبا أو قال أوحي إلي ولم يوح إليه شيء ومن قال سأنزل مثل ما أنزل الله ' يتأول ذلك مع نفسه ويقول ما أنا مخاطب بهذه الآية وإنما خوطب بها أهل الدعوى الذين ينسبون الفعل إلى أنفسهم فإنه قال افترى فنسب فعل الافتراء إلى هذا القائل وأنا أقول إن الأفعال كلها لله تعالى لا إلي فهو الذي قال على لساني ألا ترى النبي صلى الله عليه وسلم قال في الصلاة إن الله قال على لسان عبده سمع الله لمن حمده فكذلك هذا ثم قال أو قال أوحى إلي فأضاف القول إليه وكذلك قوله إلي ومن أنا حتى أقول إلي إذ الله هو المتكلم وهو السميع ثم قال سأنزل مثل ما أنزل الله وما أقول أنا ذلك بل الإنزال كله من الله فإذا تفقه في نفسه في هذا كله افترى على الله كذبا وزين له سوء عمله فرآه حسنا فهذا أصل صحيح لهاتين الطائفتين قد ألقاه الشيطان إليهما وتركه عندهما وبقي يتفقه في ذلك فقها نفسيا فإن لم يكن الإنسان على بصيرة وتمييز من خواطره حتى يفرق بين إلقاء الشيطان وإن كان خيرا وبين إلقاء الملك والنفس ويميز بينهما ميزاصحيحا وإلا فلا يفعل فإنه لا يفلح أبدا فإن الشيطان لا يأتي إلى كل طائفة إلا بما هو الغالب عليها وليس غرضه من الصالحين إلا أن يجهلوه في الأخذ عنه فإذا جهلوه ونسبوا ذلك إلى الله ولم يعرفوا على أي طريق وصل إليهم كأنه قنع منهم بهذا القدر من الجهل وعرف أنهم تحت سلطانه فلايزال يستدرجه في خيريته حتى يتمكن منه في تصديق خواطره وأنها من الله فيسلخه من دينه كما تنسلخ الحية من جلدها ألا ترى صورة الجلد المسلوخ منها على صورة الحية كذلك هذا الأمر جاء إبليس إلى عيسى عليه السلام في صورة شخص شيخ في ظاهر الحس لأن الشيطان ليس له إلى باطن الأنبياء عليهم السلام من سبيل فخواطر الأنبياء عليهم السلام كلها إما ربانية أو ملكية أو نفسية لاحظ للشيطان في قلوبهم ومن يحفظ من الأولياء في علم الله يكون بهذه المثابة في العصمة مما يلقى لا في العصمة من وصله إليه قالوا لي المعتنى به على علامة من الله فيما يلقي إليه الشيطان وسبب ذلك أنه ليس بمشرع والأنبياء مشرعون فلذلك عصمت بواطنهم فقال لعيسى عليه السلام يا عيسى قل لا إله إلا الله ورضي منه أن يطيع أمره في هذا القدر فقال عيسى عليه السلام أقولها لا لقولك لا إله إلا الله فرجع خاسئا ومن هنا تعلم الفرق بين العلم بالشيء وبين الإيمان به وأن السعادة في الإيمان وهو أن تقول ما تعلمه وما قلته لقول رسولك الأول الذي هو موسى عليه السلام لقول هذا الرسول الثاني الذي هو محمد صلى الله عليه وسلم لا لعلمك ولا للقول الأول فحينئذ لك يشهد بالإيمان ومآلك السعادة وإذا قلت ذلك لا لقوله وأظهرت إنك قلت ذلك لقوله كنت منافقا قال تعالى ' يا أيها الذين آمنوا ' يريد أهل الكتاب حيث قالوا ما قالوه لأمر نبيهم عيسى أو موسى أو من كان من أهل الإيمان بذلك من الكتب المتقدمة ولهذا قال لهم يا أيها الذين آمنوا ثم قال لهم آمنوا بأنبيائي قولوا لا إله إلا الله لقول محمد صلى الله عليه وسلم ' لا لعلمكم بذلك ولا لإيمانكم بنبيكم الأول فتجمعوا بين الإيمانين فيكون لكم أجران فيقنع الشيطان من الإنسان إن يلبس عليه بهذا القدر فلا يفرق بين ما هو من عند الله من حيث ما هو من عند الله ولا بين طريق الملك والنفس والشيطان فالله يجعل لك علامة تعرف بها مراتب خواطرك ومما تعرف به الخواطر الشيطانية وإن كانت في الطاعة بعدم الثبوت على الأمر الواحد وسرعة الاستبدال من خاطر بأمر ما إلى خاطر بأمر آخر فإنه حريص وهو مخلوق من لهب النار ولهب النار سريع الحركة فاصل إبليس عدم البقاء على حالة واحدة في أصل نشأته فهو بحكم أصله والإنسان له الثبوت فإنه من التراب فله البرد واليبس فهو ثابت في شغله وكذلك الخواطر النفسية ثابتة ما لم يزلزلها الملك أو الشيطان ومتعلق أصل الخواطر الشيطانية إنما هو المحظور فعلا كان أوتر كإثم يليه المكروه فعلا كان أوتر كافا الأول في العامة والثاني في العباد من العامة وقد يتعلق بالباح في حق المبتدي من أهل طريق الله ويأتي بالمندوب في حق المتوسطين من أهل الله أصحاب السماع فإنه يستدرج كل طائفة من حيث ما هو الغالب عليها فإنه عالم بمواقع المنكر والاستدراج وبأني العارفين بالواجبات فلا يزال بهم حتى نووا مع الله فعل أمر ما من الطاعات وهو فينفس الأمر عهد يعهده مع الله فإذا استوثق منه في ذلك وعزم وما لقي إلا الفعل أقام له عبادة أخرى أفضل منها شرعا فيرى العارف أن يقطع زمانه بالأولى فيترك الأول ويشرع في الثاني فيفرح إبليس حيث جعله ينقض عهد الله من بعد ميثاقه والعارف لا خبر له بذلك فلو عرف من أول أن ذلك من الشيطان عرف كيف يرده وكيف يأخذه كما فعل عيسى عليه السلام وكل متمكن من أهل الله من ورثة الأنبياء فيراها مع كونها حسنة هي خواطر شيطانية وكذا جاء للمنافق من أهل الكتاب قال له ألم تعلم أن نبيك قد بشر بهذا الرجل وقد علمت أنه هو والنبوة يجمعهما فقل له أنك رسول الله لقول نبيك لا لقوله ولا فرق بينهما فيقول المنافق عند ذلك أنك رسول الله فأكذبهم الله فقال تعالى ' إذا جاءك المنافقون قالوا نشهد أنك لرسول الله ' على ما قررهم الشيطان فقال الله والله يعلم أنك لرسوله والله يشهد أن المنافقين لكاذبون في أنهم قالوا ذلك لقولك لا في قولهم إنك رسول الله ولو أراد ذلك كان نفيا لرسالته صلى الله عليه وسلم فقد أعلمتك بمداخل الشيطان إلى نفوس العالم لتحذره وتسأل الله أن يعطيك علامة تعرفه بها وقد أعطاك الله في العامة ميزان الشريعة وميز لك بين فرائضه يعتدو بأنه ومباحه ومحظوره ومكروهه ونص على ذلك في كتابه وعلى لسان رسوله فإذا خطر لك خاطر في محظور أو مكروه فتعلم أنه من الشيطان بلا شك وإذا خطر لك خاطر في مباح فتعلم أنه من النفس بلا شك فخاطر الشيطان بالمحظور والمكروه اجتنبه فعلا كان أو تركا والمباح أنت مخير فيه فإن غلب عليك طلب الأرباح فاجتنب المباح واشتغل بالواجب أو المندوب غير أنك إذا تصرفت في المباح فتصرف فيه على حضور أنه مباح وأن الشارع لولا ما أباحه لك ما تصرفت فيه فتكون مأجورا في مباحك لا من حيث كونه مباحا إلا من حيث إيمانك به أنه شرع من عند الله فإن الحكم لا ينتقل بعد موت رسول الله صلى الله عليه وسلم فإن الحكم هو عين الشرع وقد سد ذلك الباب فالمباح مباح لا يكون واجبا ولا محظورا أبدا وكذلك كل واحد من الأحكام وإن خطر لك خاطر في فرض فقم إليه بلا شك فإنه من الملك وإذا خطر لك خاطر في مندوب فاحفظ أول الخاطر فإنه قد يكون من إبليس فأثبت عليه فإذا خطر لك أن تتركه لمندوب آخر هو أعلى منه وأولى فلا تعدل عن الأول وأثبت عليه واحفظ الثاني وافعل الأول ولابد فإذا فرغت منه أشرع في الثاني فافعله أيضا فإن الشيطان يرجع خاسئا بلا شك حيث لم يتفق له مقصوده وبهذا الدواء يذهب مرض الشيطان من نفسك وتكون عمري المقام ما يلقاك الشيطان في فج إلا سلك فجا غير فجك إذا عاملته بمثل هذا فحافظ على ما نبهتك عليه فإن الله قد أثنى على الذين يسارعون في الخيرات وهم لها سابقون ويكفي هذا القدر والله يقول الحق وهو يهدي السبيل .

Bogga 356