291

[قال محمد بن يحيى عليه السلام: كذلك الآخرة ليس فيها لساكن مثوى ولا قرار إلا جنة ونار](1)، والحشر فإنما يكون قبل الموقف والقضاء والمحاسبة على جميع الأشياء، والحساب فإنما يقع من قبل المكافأة والجزاء وعند مصيرهم إلى منازلهم ودارهم لا يسكنون غيرها ولا يكونون أبدا إلا فيها، فلما أن حكم الله عز وجل للمؤمنين بالجنة ثوابا، وبالنار لأهل المعصية جزاء وعقابا لم يكن الموقف لهم بقرار، ولو كان لهم قرار لكان مسكنا ودارا، وما حالهم في الموقف إلا كحالهم عند خروجهم من قبورهم؛ لأنه لا بد لهم من الخروج منها والمسير إلى غيرها.

فإن قلت: الموقف من الجنة أو من النار؟

فقيل لك: من الجنة.

فقلت: فقد دخل أهل النار الجنة، وإن قيل: من النار، قلت: فقد دخل أهل الجنة النار.

قلنا لك: أرأيت القبور التي خرج الناس منها، أليس كان خروجهم منها في الآخرة عند قيام الساعة، أفرأيت المواضع التي خرجوا منها وصاروا إلى المحشر فيها أم من الجنة أم من النار، فإن كان(2) من النار كان ذلك فاسدا لأن أهل النار لا يزالون فيها وليسوا بزائلين من النار، وأهل الجنة واقفون فيه وليسوا ممن يدخل النار.

ومما يحتج به عليك أن يقال لك: أرأيت الآخرة، هل ذكر الله فيها مسكنا إلا جنة أو نارا(3) وليس ما زيل منه وخرج منه، وخرج من قراره بجنة ولا بنار، ولن يخلو هذا المقام من أن يكون على أحد ثلاثة وجوه:

Bogga 298