Fikr Carabi Hafith
الفكر العربي الحديث: أثر الثورة الفرنسية في توجيهه السياسي والاجتماعي
Noocyada
وقد شرفت الحكومة العثمانية في عهد السلطان عبد الحميد هذه الرواية حين الشروع في نشرها في «الجامعة» ببضع تلغرافات كانت تبعث بها إلى الولايات السورية كلما صدر جزء من «الجامعة» وفيه جزء من الرواية. ولما كانت أجزاء «الجامعة» يبعث بها (مضمونة) في البريد الفرنسوي فقد كان البريد الفرنسوي يعيد إلى إدارة «الجامعة» الأجزاء المرسلة إلى داخلية البلاد العثمانية والتي تسبقها إلى الثغور السورية تلغرافات الآستانة، بينما كانت الأجزاء التي تسبق تلك التلغرافات إلى الثغور تمر وتصل إلى أصحابها في الداخلية دون ممانع. ولما تحققت أن كل الضرر وارد من اطلاع قلم المطبوعات بالآستانة على «الجامعة» قطعت «الجامعة» عن قلم المطبوعات في الآستانة والنظارات قطعا مطلقا، حتى عن مشتركيها في الآستانة، فبطل إرسال التلغرافات مدة من الزمن. وقد ظننت أنني بقطعي «الجامعة» عن الآستانة قد وجدت دواء الداء، وما كنت أدري أن داء الآستانة يومئذ داء لم يكن له دواء قبل قيام شوكت باشا وجيشه؛ فإن حكومة الآستانة لم تلبث أن أمرت بمنع دخول مجلة «الجامعة» إلى البلاد العثمانية بسبب نشرها هذه الرواية على الأخص.
وقد انقضى الآن عشر سنوات على نشري هذه الرواية قضيت منها 4 سنوات في جهات أوروبا والولايات المتحدة وكندا. وعند وصولي إلى باريز، لأول مرة في حياتي، كان أول ما عملته أنني زرت أشهر الأماكن التي وقعت فيها وقائع هذه الرواية كالتويلري والمجلس البلدي وفرسايل، وساحة الباستيل التي ليس فيها اليوم من آثار الباستيل شيء سوى تذكار نصب في وسط ذلك المكان يذكر الناس بهجوم الشعب على الباستيل وإظهاره لأول مرة قوته على قوة الملكية. والمكان اليوم ساحة متسعة تحيط بها القهاوي، وكأن أرضه في ظلام الليل ونور النهار لهدوئها وقلة الزحام فيها كائن تعب لحمله ثقلا هائلا عدة قرون جلس يستريح ويتنفس الصعداء لخلاصه من ذلك الثقل الهائل الذي كان فوقه كصخرة هائلة ملقاة على قلبه، أو «كوحش هائل رابض على قارعة الطريق يفترس الناس» كما قال ديماس. وقد وقفت غير مرة في ذلك المكان وأخذت أقول وأنا أجول في أنحاء تلك الساحة الهادئة: هنا كان سجن الفكر والقلم والعقل، هنا كان مدفن الكتاب والفلاسفة والساسة من معارضي الحكومة، دفنوا فيه أحياء ولكنهم ما لبثوا أن تمطوا وهم في مدفنهم فرفعوا عنهم بقوة الفكر الذي لا يسجن حجارة القبر ونبذوا الأكفان وفتحوا جميع قبور الاستعباد لجميع المدفونين وأخرجوهم إلى نور السماء! هنا كان أول ما سطع نور الله على الأرض وأنار طريق الشعوب وفتح السبل في وجهها بعد أن كانت مسدودة! هنا كانت أول واقعة فاصلة بين حق الشعب وحق الملك فصرع الأول الثاني! هنا كان مولد الديمقراطية مدفن الأوتوقراطية والأرستقراطية! هنا كان مهبط رسالة جديدة للبشر كرسالة أحمد يصونها سيف ماض كسيفه! هنا كان مزود بيت لحم الثاني الذي ولد فيه المسيح الثاني ولكنه «عمد» بالسيف والنار والدماء لا بماء الأردن! هنا ظهر الله يوما ظهورا أجلى من ظهوره على جبل سينا أو عليقة موسى! هذه هي الأفكار الشائعة بين الجمهور في شأن الثورة الفرنسوية ومبادئها. وقد تغذى في صباي لحمي ودمي من هذه المبادئ، وقرأت «تاريخ تييرس وميشله» وشيئا من «تاريخ كارليل» في شأنها حتى أصبحت أحرم على نفسي رشقي لها ولو بوردة حتى في المبادئ التي بطل اعتقادي بها ... (مقطع من مقدمة فرح أنطون لرواية «ديماس» التي عربها عن الثورة)
مصطفى كامل باشا (1874-1908)
(1) اشتراك الشعب في حكم نفسه سبب الرقي
من الشعوب من يسلم زمام أموره إلى حكومته ويجري طوع إرادتها، ومنها من يجعل للحكومة حدا في السلطة والنفوذ ويراقبها مراقبة شديدة إن أحسنت كافأها وإن أساءت قضى عليها؛ فشعوب الشرق من النوع الأول، وشعوب الغرب من النوع الثاني؛ ولذلك كان الشرق في تأخر وانحطاط، وكان الغرب في تقدم وارتقاء؛ لأن الشعب هو في الحقيقة صاحب البلاد وسيدها وحارس الوطن من كل الأخطار، وما الحكومة إلا وكيل عنه تختار من نخبة أبنائه ومن أشدهم حرصا على مصالحهم. (2) إن الشعب هو القوة الوحيدة الحقيقية
على أننا لو تأملنا قليلا إلى ما أقيم في هذه البلاد من عظائم الأعمال، لوجدنا أن الشعب هو المنشئ له والموجد لكيانه؛ فهؤلاء الأفراد الصغار الذي لا يعبأ بهم الكبراء والعظماء هم في الحقيقة قوام مصر ومصدر نعمتها ولولاهم ما عرفنا العيش أبدا. من المؤلف للجيش؟ أفراد الشعب. ومن المكون للشرطة وحفظ النظام؟ أفراد الشعب. ومن الموجد لمحصولات مصر وخيراتها؟ أفراد الشعب. ومن يعيش العظماء والكبراء والأمراء؟ أفراد الشعب؛ فهم دون غيرهم قوام الوطن ومصدر خيره ومجده وسعادته، فكيف يجحف بحقوقهم؟ وكيف يهانون؟ ألا ترى أن العظماء إنما هم كذلك لأن أفراد الشعب يحملونهم فوق رءوسهم ويطيعون أوامرهم؟ وإلا فلو تحول الشعب ضدهم فماذا يفعلون؟ وهل يستطيعون مقاومته أو يقدرون على الوقوف أمامه؟ كلا ثم كلا! إن الشعب هو القوة الوحيدة الحقيقية، وهو السلطان الذي يخضع لإرادته أكبر العظماء وأعظم الأقوياء ... (3) المساواة أمام الوطن
إن الناس سواء أمام الوطن في الحقوق والواجبات. (4) المواطنون متكافلون متضامنون
إذا ظلمت الحكومة أحدنا ولم نعمل لرد هذه المظلمة، كان ظلم الحكومة واقعا لا محالة على الجميع ... (مقاطع من خطاب الزعيم الوطني المصري ومقالاته نقلا عن كتاب «مصطفى كامل باشا في 34 ربيعا»)
أمين البستاني (1854-1937)
الديمقراطية
Bog aan la aqoon