Fikr Carabi Hafith
الفكر العربي الحديث: أثر الثورة الفرنسية في توجيهه السياسي والاجتماعي
Noocyada
فعدت إلى بقايا الضحايا أحرك في عروقهم دم الغيرة، وأبث في صدورهم روح العزم، وأنشر من همتهم ما طوت الأيام في قبور الوهام، بما أذكر من أخبار الأمم وما أظهر من آثار ذوي الهمم، لعلهم يستنجزون موعد الحق بمراغمة أعدائه الذين تمردوا وسعوا في الأرض مفسدين، ولعلهم يفلحون.
ولقد جعلت خبر الثورة؛ ثورة الفرنسيس، تمهيدا للخطاب وتعيينا للقدوة ، فأظهرت كيف تسنى لهؤلاء القوم أن يخرجوا من مضائق الظلم ومآزق العبودية؛ إذ انفصل نوابهم عن المعتسفين من النبلاء وأهل الكهنوت، وجهروا بما كان يخفيه السكوت، حتى انقطع الجور بحبله المبتوت، وكيف توافقوا على الاتحاد في خدمة الحق ليفوزوا فيشكروا أو يبيدوا فيذكروا، وأقسموا: إنا لا نفترق وفينا رمق حتى نؤيد في بلادنا أمر الحرية. فأغلق الملك باب مجلسهم، فاجتمعوا في ملعب القرية متوازرين، متألفة قلوبهم، يرومون القسم بالسوية والعدل في الرعية، ويدعون إلى الحق وإلى طريق مستقيم.
5
فكبر ذلك على عبيد الطمع وحلفاء الجزع،
6
فأغروا الأمير بفض مجلس النواب، فأصدر الأمر بذلك في الثالث والعشرين من شهر حزيران سنة تسع وثمانين، فتلقاه النبلاء ورؤساء الكهنوت بالطاعة والقبول. أما وكلاء الأمة فقالوا: لا نطيع الأمراء بما نعصي به الحق والعدل، وإنما:
نطيعهم ما أصبح العدل فيهم
ولا طاعة للمرء والمرء ظالم
فأتاهم وزير الملك يذكرهم أمره ويدعوهم لطاعته ويحذرهم عاقبة الفتنة، فأجابه خطيبهم ميرابو: عد إلى مولاك وقل إنا مجتمعون في هذا المقام بأمر الأمة، فلا نتفرق إلا بقوة النصال!
فعاد الوزير بالخيبة والفشل يغالب عامل الغيظ ويقاوم فاعل الوجل، فعظم هذا الأمر على رجال القصر وصنائع النبلاء وأنصار الامتياز، فحملوا الأمير على مقاومة النواب وأخذهم بالعنف، فعزل من كان مستوزرا من وسط الناس؛ أي من غير الشرفاء، وبث الجند في أرجاء العاصمة فاهتز لذلك أهلها اضطرابا، وخرجوا على الدولة ثائرين يرومون وقاية النواب، ويلتمسون الحرية والمساواة، واندفعوا كالسيل على قلعة المدينة فاقتلعوها من أيدي الجند منشدين:
Bog aan la aqoon