Fikr Carabi Hafith
الفكر العربي الحديث: أثر الثورة الفرنسية في توجيهه السياسي والاجتماعي
Noocyada
أرى خلل الرماد وميض نار
ويوشك أن يكون لها ضرام
بل هي شعلة إصلاح كانت في كمون الدهر في عالم الضياء والنور، فساقتها يد الحكمة بمعدات الحركة إلى عالم الظهور، وسرت في أوروبا من جانب الغرب الأقصى، وكمنت فيما وراء المانش أياما وأعواما متنقلة من صورة إلى صورة، ومن كيفية إلى كيفية، حتى أعدت لها طريق البروز، فظهر ضرامها بعد الخفاء، وانبعثت منها جراثيم الضياء، فغيرت هيئة الأرض وحالة الناس، وطهرت ذلك الجانب من الأرجاس؛ تلك ثورة الفرنسيس! برزت إلى عالم الفعل عام 1789، وصدمت قوة الاستبداد فزلزلتها، ودفعت سطوة التقليد فضعضعتها، ورفعت عن العيون نقابها وعن النفوس حجابها، فآنست من جانبها الحرية وخلعت جلابيب الرق والعبودية، واجتمعت على ولائها وتألبت تحت لوائها لتدفع عنها من رام إطفاء نورها وإفساد أمورها، فتصدى لها أعوان الرق وأنصار العبودية، وما آلوا في قتالها جهدا، فلقيتهم وهي ترى الموت في الحرية حياة والحياة في الرق موتا، فلم يبلغوا منها قصدا، ورسخت في عالم الوجود قدمها، وكثر الملأ من حولها، وأدهشت الدنيا بشدة حولها. ثم مرت عليها الشهور والأحوال، وتقلبت الأمور والأحوال، ورأى العدو منها غفلة فدهم، واغتنم من الزمان فرصة فهجم، وغلب أمره وتأيد، واستقام ملكه وتوطد، إلى أن ساقته يد القدرة إلى التهور فيما جر إليه وإليها البلاء الأليم،
1
فتسنى لها أن تدفع عنها شره، ورب شر يجيء بالخير العظيم. ثم عادت إلى سابق عزها، والعود أحمد، فانفتحت في بلادها، نعني فرنسا، كنوز الثروة، وتوفرت أسباب القوة والسطوة، وصفت موارد السعادة والهناء، وانتفت أسباب المتاعب والشقاء، وهي الآن على ما نرى من العز والمناعة والتقدم في الزراعة والتجارة والصناعة.
ثم ذكرت تلك الشعلة وطنها القديم فحنت إليه، ولا غرو أن يحن الغريب إلى وطنه، نعني الشرق، مقر جراثيم الحركات الدينية والسياسية التي غيرت هيئة الأرض وأحوال الإنسان، فسرت إليه تنبه غافله وتفقه جاهله، وظهرت في بلاد «أخورا مازدا» بين أبناء «زرادشت»، تحت سماء التقاليد، نريد بلاد الفرس؛ فإن مذهب البابيين، نسبة إلى السيد علي محمد الملقب «باب المهدي»، قد ظهر في تلك البلاد منذ نحو من ثلاثين سنة، وعلق بقلوب الناس فتمذهب به جمع كثير منهم وأثاروا الفتنة على الحكومة وأبرزوا من الجسارة والإقدام ما لم يسمع بمثله، وبعد مقتل إمامهم رمى بعضهم الشاه بالرصاص ولم يصب. وقد كان من أعمالهم الأخيرة أن جماعة منهم تشبهوا بالجند وقصدوا الشاه وهو سائر إلى مدفن شاه زاده عبد العظيم للزيارة، ثالث أفريل (نيسان) سنة 78، وقالوا له: إنا من جندك وقد طال علينا زمن الخدمة ونروم الانصراف إلى منازلنا. فوعدهم أن ينظر في أمرهم بعد الرجوع إلى القصر. ثم إنهم هجموا على عربته ورموه بالحجارة الكبيرة وجرحوا جماعة من رجال حرسه. وكان على مقربة من مكان الحادثة طائفة من الجند فطير الشاه إليهم الخبر فجاءوا مسرعين وقبضوا على جماعة من أهل الفتنة وعلم الشاه أنهم من البابيين.
وما أفضنا في الكلام على آثار تلك الحركات الفكرية التي سرت في أوروبا من جانب غربها الأقصى إلا لأننا نحسب الحركة التي ظهرت أخيرا في الآستانة حلقة من سلسلتها، وهي الحركة التي ظهر أثرها الأول في عزل محمود نديم باشا أثر فتنة البلغار، وخلع السلطان عبد العزيز وتنصيب السلطان مراد،
2
وقد كثر عدد الداعين إليها في الآستانة واجتهدت الدولة في خفض منارها وإهماد نارها بإبعاد زعمائها ونفي رؤسائها مع كثرة الشواغل وتواتر النوازل. وقد جاءنا بالتلغراف واردا من الآستانة بتاريخ 21 مايو سنة 1978 أن جماعة من العامة قد هجموا على سراي جراغان
3
Bog aan la aqoon