Fii Adabka Casriga ah
في الأدب الحديث
وإذا لم يدر طعم العيش شبان، ولم يدركه شيب، فمن يدريه؟ هل تقصد أن طعم الحياة ولذتها لا يدركهما أحد أبدا لا الشبان ولا الشيب؟ وما حد الشباب عنده، وما حد المشيب؟ إذ كان الأمر كما يصوره صبري فلا كانت الدنيا ولا كان السعي فيها، أليس بين عهد الشباب الجامح، وضعف الشيخوخة مرحلة طويلة من العمر، وفسحة من الأجل يتمتع فيها الإنسان بالحياة على هينة، ويدرك مغزاها تمام الإدراك؟ وهل العبرة بالسن أم العبرة بالشعور؟ كم من فتى في # ريعان العمر يشعر إزاء الحياة شعور الشيخ الذي هذه المرض، وأثقلته تكاليف السنين، وكم من شيخ لا يزال في القلب، نضر الآمال.
وإذا تركنا البيت الأول وجدنا الأبيات الأربعة التالية تدور كلها حول معنى واحد، وهو أن الشباب سن الطيش، كثيرا ما يخطئ فيه الإنسان لحماقته وغروره واندفاعه، وعدم تحكم القوى العاقلة في أمور نفسه، وأن المشيب سن الضعف تخون الإنسان قوته، ويود، وما وده بنافع له؛ لأنه لا يملك الإرادة المنفذة، ولا العزيمة المبرمة.
أما أن الشباب مظنة الخطأ والجهل فمعنى قديم، وفي ذلك يقول النابغة: وإن مطية الجهل الشباب"، ويقول العتبي:
قالت عهدتك مجنونا، فقلت لها ... إن الشباب جنون برؤه الكبر
وأما أن المشيب زمن الضعف، وانطفاء الآمال فمعنى ردده غير واحد من الشعراء، ومن أحسن ما قيل في هذا قول أبي العلاء:
سقيا لأيام الشبا ... ب وما حسرت مطيتيا
أيام آمل أن أمس ال ... فرقدين براحتيا
فالآن تعجز همتي ... عما ينال بخطوتيا
ومن خير قصائد الاجتماعية قصيدته التي قالها في مذنب "هالي" وقد سبقت الإشارة إليها، وفيها ينعي على الناس فساد أخلاقهم، ويستمطر شآبيب السخط والغضب على هذه الدنيا، وما فيها من وجوه كالحة كئيبة، ويصور في براعة بطش القوى بالضعيف شأن الدنيا في تنازع البقاء، وفي ذلك يقول:
غاض ماء الحياة من كل وجه ... فغدا كالح الجوانب فقرا
وتفشي العقوق في الناس حتى ... كاد رد السلام يحسب برا
أوجه مثلما نثرت على الأجدا ... ث وردا إن هن أبدين بشرا # وشفاه يقلن: أهلا، ولو أدي ... ن ما في الحشا لما قلن خيرا
Bogga 375