فليحذر كل عاقلٍ غاية الحذر من أن يتَّكِل على شرف نسبه وفضيلة آبائه ويقصِّر في العمل؛ فإن ذلك يورثه غاية النقص والانحطاط عن معاليهم، ونهاية الحسرة والندامة على التخلف عن كمالهم، ومن ثم كان التفاخر بالآباء من أخلاق الجاهلية؛ قال تعالى: ﴿فَلَا أَنْسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلَا يَتَسَاءَلُونَ﴾، وقال ﷺ: "إن اللَّه قد أذهب عنكم عُبِّيَّة الجاهلية وفخرها بالآباء، الناس رجلان: برٌّ تقيٌّ كريمٌ على اللَّه ﷿، وفاجرٌ شقيٌّ هيِّنٌ على اللَّه ﷿، كلهم بنو آدم وخلق اللَّه آدم من تراب" (١)، وقال: "ائتوني بأعمالكم لا تأتوني بأنسابكم".
وقال لمن تعلَّم الأنساب: "علمٌ لا ينفع، وجهالةٌ لا تضر" (٢)، وقال عمر رضي اللَّه تعالى عنه: (تعلموا من أنسابكم ما تصلون به أرحامكم) (٣).
على أن في التفاخر بالآباء غاية العداوة؛ إذ كلٌّ يظهر مثالب الآخر فيؤدي إلى الهرج والفساد.
(رواه مسلم بهذا اللفظ) واعتُرض عليه في سنده بما هو مردودٌ غير مقبول.
وهو حديثٌ عظيمٌ جليلٌ جامعٌ لأنواع من العلوم والقواعد، والآداب والفضائل، والأحكام والفوائد، وفيه إشارات إلى أن الجزاء من جنس العمل، والنصوص في ذلك كثيرة؛ نحو: "إنما يرحم اللَّه من عباده الرحماء" (٤).
وأخرج الترمذي: "أيما مؤمن أطعم مؤمنًا على جوع. . أطعمه اللَّه يوم القيامة من ثمار الجنة، وأيما مؤمن سقى مؤمنًا على ظمأ. . سقاه اللَّه يوم القيامة من الرحيق المختوم، وأيما مؤمن كسا مؤمنًا على عري. . كساه اللَّه من خضْر الجنة" (٥).
* * *
(١) أخرجه الترمذي (٣٢٧٠) عن سيدنا ابن عمر ﵄. وعُبِّيَّة الجاهلية: تكبرها وفخرها.
(٢) ذكره الديلمي في "الفردوس" (٦٩٦٨) عن سيدنا أبي هريرة ﵁ بنحوه.
(٣) أخرجه الطبراني في "مسند الشاميين" (٣٢٠٢)، والبخاري في "الأدب المفرد" (٧٢)، وانظر ما قاله الحافظ ابن حجر رحمه اللَّه تعالى في "فتح الباري" (٦/ ٥٢٧).
(٤) أخرجه البخاري (١٢٨٤)، ومسلم (٩٢٣) عن سيدنا أسامة بن زيد ﵄.
(٥) سنن الترمذي (٢٤٤٩) عن سيدنا أبي سعيد الخدري ﵁.
1 / 581
[خطبة الكتاب]
الحديث الخامس [إنكار البدع المذمومة]
الحديث السادس [الابتعاد عن الشبهات]
الحديث السابع [النصيحة عماد الدين]
الحديث التاسع [النهي عن كثرة السؤال والتنطع]
الحديث الحادي عشر [من الورع توقي الشبه]
الحديث الثالث عشر [من علامات كمال الإيمان حبك الخير للمسلمين]
الحديث الرابع عشر [حرمة المسلم ومتى تهدر]
الحديث السابع عشر [الأمر بالإحسان والرفق بالحيوان]
الحديث التاسع عشر [نصيحة نبوية لترسيخ العقيدة الإسلامية]
الحديث الموفي عشرين [الحياء من الإيمان]
الحديث الحادي والعشرون [الاستقامة لب الإسلام]
الحديث الثاني والعشرون [دخول الجنة بفعل المأمورات وترك المنهيات]
الحديث الثالث والعشرون [من جوامع الخير]
الحديث الخامس والعشرون [التنافس في الخير، وفضل الذكر]
الحديث السادس والعشرون [كثرة طرق الخير وتعدد أنواع الصدقات]
الحديث التاسع والعشرون [طريق النجاة]
الحديث الثلاثون [الالتزام بحدود الشرع]
الحديث الحادي والثلاثون [الزهد في الدنيا وثمرته]
الحديث الرابع والثلاثون [تغيير المنكر ومراتبه]
الحديث الخامس والثلاثون [أخوة الإسلام وحقوق المسلم]
الحديث السادس والثلاثون [قضاء حوائج المسلمين، وفضل طلب العلم]