ومن ثَمَّ استجاز كثيرًا منه الصحابةُ رضوان اللَّه تعالى عليهم (١)، كما وقع لأبي بكر وعمر وزيد بن ثابت رضي اللَّه تعالى عنهم في جمع القرآن؛ فإن عمر أشار به على أبي بكر؛ خوفًا من اندراس القرآن بموت الصحابة رضي اللَّه تعالى عنهم لمَّا كثر فيهم القتلُ يوم اليمامة وغيره، فتوقَّف لكونه صورةَ بدعة، ثم شرح اللَّه صدره لفعله؛ لأنه ظهر له أنه يرجع إلى الدين، وأنه غير خارجٍ عنه، ومن ثَمَّ لمَّا دعا زيد بن ثابت وأمره بالجمع. . قال له: (كيف تفعل شيئًا لم يفعله رسول اللَّه ﷺ؟!) فقال: (واللَّه إنه حقٌّ) ولم يزل يراجعه حتى شرح اللَّه صدره للذي شرح له صدرهما (٢).
وكما وقع لعمر رضي اللَّه تعالى عنه في جمع الناس لصلاة التراويح في المسجد، مع تركه ﷺ لذلك بعد أن كان فعله لياليَ؛ وقال -أعني عمرَ ﵁: (نعمت البدعة هي) (٣) أي: لأنها وإن أُحدثت ليس فيها رَدٌّ لِمَا مضى، بل موافقةٌ له؛ لأنه ﷺ علَّل الترك بخشية الافتراض، وقد زال ذلك بوفاته ﷺ.
وقال الشافعي ﵁: (ما أُحدث وخالف كتابًا أو سنةً أو إجماعًا أو أثرًا. . فهو البدعة الضَّالة، وما أُحدث من الخير ولم يخالف شيئًا من ذلك. . فهو البدعة المحمودة) (٤).
والحاصل: أن البدع الحسنة متفقٌ على ندبها؛ وهي: ما وافق شيئًا ممَّا مرَّ ولم
(١) وأعلم: أن البدعة تعتريها الأحكام الخمسة؛ فتارة تكون واجبة كضبط المصاحف والشرائع إذا خيف عليها الضياع، وتارة تكون محرمة كالمكوس وسائر المحدثات المنافية للقواعد الشرعية، وتارة تكون مندوبة كصلاة التراويح جماعة؛ ولذلك قال سيدنا عمر ﵁ في التراويح: (نعمت البدعة هي)، وتارة تكون مكروهة كزخرفة المساجد وتزويق المصاحف، وتارة تكون مباحة كاتخاذ المناخل للدقيق؛ ففي الآثار: (أن أول شيءٍ أحدثه الناس بعد رسول اللَّه ﷺ اتخاذ المناخل) وإنما كانت مباحة؛ لأن لين العيش وإصلاحه من المباحات، فوسائله مباحة. اهـ "تحفة المريد" (ص ٣٤٣)
(٢) أخرجه البخاري (٤٩٨٦)، وابن حبان (٤٥٠٦)، والترمذي (٣١٠٣) عن سيدنا زيد بن ثابت ﵁.
(٣) أخرجه مالك في "الموطأ" (١/ ١١٤)، والبيهقي في "السنن الصغير" (٨١٦).
(٤) انظر "المدخل إلى السنن الكبرى" للبيهقي (٢٥٣).
1 / 223
[خطبة الكتاب]
الحديث الخامس [إنكار البدع المذمومة]
الحديث السادس [الابتعاد عن الشبهات]
الحديث السابع [النصيحة عماد الدين]
الحديث التاسع [النهي عن كثرة السؤال والتنطع]
الحديث الحادي عشر [من الورع توقي الشبه]
الحديث الثالث عشر [من علامات كمال الإيمان حبك الخير للمسلمين]
الحديث الرابع عشر [حرمة المسلم ومتى تهدر]
الحديث السابع عشر [الأمر بالإحسان والرفق بالحيوان]
الحديث التاسع عشر [نصيحة نبوية لترسيخ العقيدة الإسلامية]
الحديث الموفي عشرين [الحياء من الإيمان]
الحديث الحادي والعشرون [الاستقامة لب الإسلام]
الحديث الثاني والعشرون [دخول الجنة بفعل المأمورات وترك المنهيات]
الحديث الثالث والعشرون [من جوامع الخير]
الحديث الخامس والعشرون [التنافس في الخير، وفضل الذكر]
الحديث السادس والعشرون [كثرة طرق الخير وتعدد أنواع الصدقات]
الحديث التاسع والعشرون [طريق النجاة]
الحديث الثلاثون [الالتزام بحدود الشرع]
الحديث الحادي والثلاثون [الزهد في الدنيا وثمرته]
الحديث الرابع والثلاثون [تغيير المنكر ومراتبه]
الحديث الخامس والثلاثون [أخوة الإسلام وحقوق المسلم]
الحديث السادس والثلاثون [قضاء حوائج المسلمين، وفضل طلب العلم]