Faraid
الفرائض وشرح آيات الوصية
Tifaftire
د. محمد إبراهيم البنا
Daabacaha
المكتبة الفيصلية
Daabacaad
الثانية
Sanadka Daabacaadda
١٤٠٥
Goobta Daabacaadda
مكة المكرمة
Gobollada
•Morooko
Imbaraado iyo Waqtiyo
Almoravids ama al-Murābiṭūn
مُقَدّمَة الْمُؤلف
الْحَمد لله الَّذِي لَهُ مِيرَاث السَّمَوَات وَالْأَرْض وَهُوَ على كل شَيْء قدير المبدئ المعيد الْغَنِيّ الحميد الَّذِي يحي وَيُمِيت وَإِلَيْهِ الْمصير وَصلى الله على مُحَمَّد نبيه البشير النذير المبتعث بِالْكتاب الْمُنِير لينذر يَوْم الْجمع لَا ريب فِيهِ فريق فِي الْجنَّة وفريق فِي السعير
وَبعد فَإِن علم الْفَرَائِض علم شرِيف قرآني لَا يشْتَغل بِهِ إِلَّا عَالم رباني قَالَ ابْن عَبَّاس ﵁ حِين مَاتَ زيد بن ثَابت ﵀ الْيَوْم مَاتَ رباني هَذِه الْأمة لِأَن رَسُول الله ﷺ قَالَ فِي زيد بن ثَابت
1 / 25
وأفرضهم زيد بن ثَابت وَقَالَ ﵇ الْعلم ثَلَاثَة آيَة محكمَة وَسنة قَائِمَة وفريضة عادلة فَجعل علم الْفَرَائِض ثلث علم الدّين
وكال عمر بن الْخطاب ﵁ أَيَّام كَانَ بِالشَّام يكْتب إِلَى زيد بن ثَابت وَهُوَ بِالْمَدِينَةِ اسْتَخْلَفَهُ عَلَيْهَا فَيبْدَأ باسمه على نَفسه لمكانه من الْعلم وَالْفِقْه فِي الدّين وَحين أشكلت عَلَيْهِ مَسْأَلَة الْجد مَشى بِنَفسِهِ إِلَى منزل زيد بن ثَابت يَسْتَفْهِمهُ عَن رَأْيه فِيهَا
1 / 26
فَانْتهى إِلَى قَوْله وَاسْتحْسن مَا سمع من قِيَاسه فِيهَا وَنَظره ﵃ أَجْمَعِينَ فَإِنَّهُم اجتهدوا للْمُسلمين وتفقهوا فِي الْكتاب الْمُبين وتحروا الصدْق فِيمَا نقلوه من وَحي رب الْعَالمين حَتَّى استقامت قناة الْإِسْلَام فعلى رَسُول الله ﷺ وعَلى أَصْحَابه وَأَهله أفضل الصَّلَاة وَالسَّلَام
الْحِكْمَة فِي الْوَصِيَّة بالأولاد
ثمَّ إِنِّي نظرت فِيمَا بَينه الله سُبْحَانَهُ فِي كِتَابه من حَلَال وَحرَام وحدود وَأَحْكَام فَلم نجده افْتتح شَيْئا من ذَلِك بِمَا افْتتح بِهِ آيَة الْفَرَائِض وَلَا ختم شَيْئا من ذَلِك بِمَا خَتمهَا بِهِ فَإِنَّهُ قَالَ فِي أَولهَا ﴿يُوصِيكُم الله فِي أَوْلَادكُم﴾ فآخبر تَعَالَى عَن نَفسه أَنه موص تَنْبِيها على حكمته فِيمَا أوصى بِهِ وعَلى عدله وَرَحمته أما حكمته فَإِنَّهُ علم سُبْحَانَهُ مَا تضمنه أمره من الْمصلحَة لِعِبَادِهِ وَمَا كَانَ فِي فعلهم قبل هَذَا الْأَمر من الْفساد حَيْثُ كَانُوا يورثون الْكِبَار وَلَا يورثون الصغار ويورثون الذُّكُور وَلَا يورثون الْإِنَاث وَيَقُولُونَ أنورث أَمْوَالنَا من لَا يركب الْفرس وَلَا يضْرب بِالسَّيْفِ ويسوق الْغنم فَلَو وَكلهمْ الله إِلَى آرائهم وتركهم مَعَ أهوائهم لمالت بهم الأهوء عِنْد الْمَوْت مَعَ بعض الْبَنِينَ دون بعض فَأدى ذَلِك إِلَى التشاجر والتباغض والجور وَقلة النصفة فَانْتزع الْوَصِيَّة مِنْهُم وردهَا على نَفسه دونهم ليرضي بِعِلْمِهِ وَحكمه وَلذَلِك قَالَ تَعَالَى حِين ختم الْآيَة ﴿وَصِيَّة من الله وَالله عليم حَلِيم﴾
1 / 27
وَقَالَ قبل ذَلِك ﴿فَرِيضَة من الله إِن الله كَانَ عليما حكيما﴾
وَأما عدله فَإِنَّهُ سُبْحَانَهُ سوى بَين الذُّكُور لأَنهم سَوَاء فِي أَحْكَام الدِّيات والعقول ورجاء الْمَنْفَعَة وان صغر السن لايبطل حق الْولادَة وَلَا معنى النّسَب وان كلا مِنْهُم فلق الأكباد وشجا الحساد وَلذَلِك قَالَ تَعَالَى ﴿يُوصِيكُم الله فِي أَوْلَادكُم﴾ وَلم يقل بأولادكم لِأَنَّهُ أَرَادَ الْعدْل فيهم والتحذير من الْجور عَلَيْهِم وَجَاء بِاللَّفْظِ عَاما غير مَقْصُور على الْمِيرَاث أَو غَيره وَلذَلِك قَالَ النَّبِي ﵇ إِنِّي لَا أشهد على جور وَذَلِكَ أَيْضا قَالَه فِي هبة فضل بهَا بشير بن سعد بعض وَلَده على بعض لِأَنَّهُ رأى الله
1 / 28
تَعَالَى قد أَمر بِالْعَدْلِ فيهم أمرا غير مَقْصُور على بَاب دون بَاب وَلذَلِك رأى كثير من الْعلمَاء أَن لَا يفضل فِي الْهِبَة وَالصَّدََقَة ابْن على بنت إِلَّا بِمَا فَضله الله بِهِ للذّكر مثل حَظّ الْأُنْثَيَيْنِ وَهُوَ قَول أَحْمد ابْن حَنْبَل
وَكَانُوا يستحبون الْعدْل فِي الْبَنِينَ حَتَّى فِي الْقبْلَة وَرَأى رَسُول الله ﷺ رجلا قَاعِدا فجَاء طِفْل لَهُ فأقعده فِي حجره وَجَاءَت بنت لَهُ صَغِيرَة فأقعدها على الأَرْض فَقَالَ لَهُ ﵊ أليست بولدك أَو كَمَا قَالَ قَالَ بلَى قَالَ فاعدل فيهمَا وَهَذَا كُله منتزع من قَوْله سُبْحَانَهُ ﴿يُوصِيكُم الله فِي أَوْلَادكُم﴾
وَأما مَا تضمنته وَصيته من الرَّحْمَة إِلَى مَا ذكرنَا من الْعدْل وَالْحكمَة فَإِنَّهُ جعل للبنات حظا فِي أَمْوَال آبائهن رَحْمَة مِنْهُ لضعفهن وترغيبا فِي نِكَاحهنَّ لِأَن الْمَرْأَة تنْكح لمالها وجمالها ولدينها فَعَلَيْك بِذَات الدّين قَالَ ﷺ اتَّقوا الله فِي الضعيفين يَعْنِي الْمَرْأَة واليتيم فَكَانَ من رأفته بِهن أَن قسم
1 / 29
لَهُنَّ مَعَ الذُّكُور وَكَانَ من عدله أَن جعل للذّكر مثل حَظّ الْأُنْثَيَيْنِ لما يلْزم الذُّكُور من الْإِنْفَاق وَالصَّدَاق إِذا بلغُوا النِّكَاح وَلما أوجب عَلَيْهِم من الْجِهَاد للأعداء والذب عَن النِّسَاء وَجعل حظهم مثنى حَظّ الْإِنَاث كَمَا جعل حَظّ الرجل مثل حظي الْأُنْثَى فِي الشَّهَادَات والديات لِأَنَّهُنَّ ناقصات عقل وَدين للْحيض الْمَانِع لَهُنَّ فِي بعض الْأَوْقَات من الصّيام والصلوات فَجمع بَين الْعدْل وَالرَّحْمَة وَنبهَ على الْعلم وَالْحكمَة
وانتبه أَيهَا التَّالِي لكتاب الله الْمَأْمُور بتدبره كَيفَ قَالَ ﴿يُوصِيكُم الله فِي أَوْلَادكُم﴾ بِلَفْظ الْأَوْلَاد دون لفظ الْأَبْنَاء لما سَنذكرُهُ من الْفرق بَينهمَا إِن شَاءَ الله
ثمَّ أضَاف الْأَوْلَاد إِلَيْهِم بقوله ﴿أَوْلَادكُم﴾ وَمَعْلُوم أَن الْوَلَد فلذة الكبد وَذَلِكَ مُوجب للرحمة الشَّدِيدَة فَمَعَ أَنه أضَاف الْأَوْلَاد إِلَيْهِم جعل الْوَصِيَّة لنَفسِهِ دونهم ليدل على أَنه أرأف وأرحم بالأولاد من آبَائِهِم أَلا ترى أَنه لَا يحسن أَن يَقُول العَبْد لِأَخِيهِ أوصيك فِي أولادك لِأَن أَبَا الْوَلَد أرْحم بهم فَكيف يوصيه غَيره بهم وَإِنَّمَا الْمَعْرُوف أَن يَقُول أوصيك بولدي خيرا فَلَمَّا قَالَ الله ﵎ ﴿يُوصِيكُم الله فِي أَوْلَادكُم﴾ علم أَن رب الْأَوْلَاد أرْحم بالأولاد من الْوَالِدين لَهُم حَيْثُ أوصى بهم وَفِيهِمْ وَلذَلِك قَالَ عَلَيْهِ الصَّلَاة
1 / 30
وَالسَّلَام فِي امْرَأَة رَآهَا قد أَلْقَت نَفسهَا على ابْنهَا فِي بعض الْمَغَانِم الله أرْحم بِعَبْدِهِ الْمُؤمن من هَذِه بِوَلَدِهَا وَكَذَلِكَ قَالَ فِي الْحمرَة الَّتِى أَخذ فراخها فَأَلْقَت نَفسهَا عَلَيْهِم حَتَّى أطبق عَلَيْهَا الكساء مَعَهم فَقَالَ ﵊ أتعجبون من رَحْمَة هَذِه بفراخها فَالله أرْحم بِعَبْدِهِ الْمُؤمن مِنْهَا وحسبك بقوله سُبْحَانَهُ ﴿وَهُوَ أرْحم الرَّاحِمِينَ﴾ فالأبوان من الرَّاحِمِينَ فَالله تَعَالَى أرْحم مِنْهُمَا فَلذَلِك أوصى الاباء بأولادهم وَإِن كَانَ الْمَعْرُوف أَلا يوصى وَالِد بولده وَإِنَّمَا يُوصي الْإِنْسَان غَيره بِولد نَفسه إِذا غَابَ عَنهُ وَأما أَن يوصى وَالِد بِولد نَفسه فَغير مَعْرُوف فِي الْعَادة لِأَن للْوَلَد أَن يَقُول أَنا أرْحم بولدي مِنْك فَكيف توصيني بهم فسبحان من هُوَ أرْحم الرَّاحِمِينَ وَأَعْدل الْحَاكِمين
1 / 31
فصل
فِي أسرار قَوْله يُوصِيكُم الله
وَقَالَ سُبْحَانَهُ ﴿يُوصِيكُم﴾ بِلَفْظ الْفِعْل الدَّائِم لَا بِلَفْظ الْمَاضِي كَمَا قَالَ فِي غير آيَة نَحْو قَوْله تَعَالَى ﴿أنزلناها وفرضناها﴾ وَنَحْو قَوْله ﴿فرض عَلَيْك الْقُرْآن﴾ وَنَحْو قَوْله ﴿ذَلِكُم وَصَّاكُم بِهِ﴾ وَنَحْو قَوْله ﴿كتب عَلَيْكُم الصّيام﴾ و﴿كتب عَلَيْكُم الْقِتَال﴾ وَلم يقل هَهُنَا كَذَلِك وَإِنَّمَا قَالَ ﴿يُوصِيكُم﴾ وَالْحكمَة فِي ذَلِك وَالله أعلم أَن الْآيَة ناسخة للْوَصِيَّة الْمَكْتُوبَة عَلَيْهِم فِي قَوْله ﴿كتب عَلَيْكُم إِذا حضر أحدكُم الْمَوْت﴾ الْآيَة فَلَمَّا نسخ الْوَصِيَّة الْمَاضِيَة واستأنف حكما
1 / 33
آخر جَاءَ بِلَفْظ الْفِعْل المستأنف تَنْبِيها على نسخ مَا مضى والشروع فِي حكم آخر فَقَالَ ﴿يُوصِيكُم الله﴾
وَجَاء بِالِاسْمِ الظَّاهِر وَلم يقل أوصيكم وَلَا نوصيكم كَمَا قَالَ ﴿نتلوها عَلَيْك﴾ و﴿نقص عَلَيْك﴾ لِأَنَّهُ أَرَادَ تَعْظِيم هَذِه الْوَصِيَّة والترهيب من إضاعتها كَمَا قَالَ ﴿يعظكم الله﴾ و﴿ويحذركم الله نَفسه﴾ فَمَتَى أَرَادَ تَعْظِيم الْأَمر جَاءَ بِهَذَا الِاسْم ظَاهرا لِأَنَّهُ أهيب أَسْمَائِهِ وأحقها بالتعظيم وَالله أعلم فصل
فِي سر اخْتِيَار لفظ الْوَلَد دون الابْن
وَقَالَ ﴿فِي أَوْلَادكُم﴾ وَلم يقل فِي أَبْنَائِكُم لِأَن لفظ الْولادَة هُوَ الَّذِي يَلِيق بِمَسْأَلَة الْمِيرَاث فَفِي تَخْصِيص هَذَا اللَّفْظ فقه وتنبيه أما الْفِقْه فَإِن الْأَبْنَاء من الرضَاعَة لَا يَرِثُونَ لأَنهم لَيْسُوا بأولاد وَكَذَلِكَ الابْن المتبنى فقد كَانَ رَسُول الله ﷺ تبنى زيدا قبل النّسخ للتبني فَكَانَ يَقُول أَنا ابْن مُحَمَّد
1 / 34
وَلَا يَقُول أَنا ولد مُحَمَّد وَلذَلِك قَالَ سُبْحَانَهُ ﴿وحلائل أَبْنَائِكُم الَّذين من أصلابكم﴾ لِأَن الْوَلَد لَا يكون إِلَّا من صلب أَو بطن غير أَن لفظ الْأَوْلَاد يَقع على الذُّكُور وَالْإِنَاث حَقِيقَة فَلذَلِك عدل عَنهُ إِلَى لفظ الْأَبْنَاء فِي آيَة التَّحْرِيم وَأما فِي آيَة الْمَوَارِيث فجَاء بِلَفْظ الْأَوْلَاد تَنْبِيها على الْمَعْنى الَّذِي يتَعَلَّق بِهِ حكم الْمِيرَاث وَهُوَ التولد فالماء حَيَاة الْبشر كَمَا أَن المَاء حَيَاة الشّجر وَلذَلِك عبر فِي الرُّؤْيَا بِالْمَاءِ عَن المَال وَهُوَ يسري من الأَصْل إِلَى الْفَرْع الْمُتَوَلد مِنْهُ أَشد من سريان المَاء من الْفَرْع إِلَى الأَصْل وَلذَلِك كَانَ سَبَب الْوَلَد فِي الْمِيرَاث أقوى من سَبَب الْوَالِد لِأَن الْوَلَد فرع متولد فاليه يسري المَال أقوى من سريانه إِلَى الْأَب وَهَذَا الْمَعْنى بِعَيْنِه مَرْوِيّ عَن زيد بن ثَابت حيت كَلمه عمر رَضِي اله عَنهُ فِي مِيرَاث الْجد مَعَ الْإِخْوَة فَضرب لَهُ الْمثل فِي الشَّجَرَة لَهَا فرعان وَفِي الْفَرْع الْوَاحِد غصنان فَإِن قطع أحد الغصنين سرت الْقُوَّة وَالْمَاء إِلَى الْغُصْن الْبَاقِي فصل
فِي الموازنة بَين الْجد وَالْأَخ وَفِي دلَالَة الْوَلَد
وَإِذا ثَبت هَذَا فالجد إِذا الأَصْل وَالْأَخ أقوى سَببا لِأَنَّهُ يُدْلِي
1 / 35