95

Falsafat Cilm

فلسفة العلم في القرن العشرين: الأصول – الحصاد – الآفاق المستقبلية

Noocyada

العلم في القرن العشرين أملى نظرية البدء بالفرض، وإذا كان آينشتين - كما سنرى - هو الذي تربع على عرش نيوتن، فإنه بدوره خير ممثل لهذه النظرية، فقد رأى أن منهج البحث يتلخص في أن يتخذ الباحث لنفسه مسلمات عامة أو مبادئ يستنبط منها النتائج، فينقسم عمله إلى جزئين: يجب عليه أولا أن يهتدي إلى المبادئ التي يستند إليها، ثم يتبع ذلك بأن يستنبط من هذه المبادئ النتائج التي تترتب عليها، ويؤكد آينشتين تأكيدا حاسما على أن الوقائع التجريبية بمفردها تظل عديمة النفع للباحث ما لم يهتد إلى قاعدة لاستنباطاته.

36

وقد صيغت نظرية المنهج التجريبي البادئ بالفرض فيما يعرف بالمنهج الفرضي الاستنباطي

Hypothetical deductive Method ، يبدأ بفرض صوري عام لا يشتق من الخبرة ولا يخضع هو ذاته للتحقيق التجريبي المباشر، فيلجأ الباحث إلى منهج الاستنباط؛ كي يستنبط منطقيا ورياضيا النتائج الجزئية التي تلزم عنه، وهنا يأتي التجريب ودور الملاحظة، فيقابل بين النتائج المستنبطة من الفرض وبين وقائع التجريب، إن اتفقت معها تم التسليم المؤقت بالفرض، وإن لم تتفق يكون تعديله أو الاستغناء عنه والبحث عن غيره، مع ملاحظة أن مصدر الفرض لا يعنينا، فقد يأتي به العالم من الحصيلة المعرفية السابقة أو من وقائع التجريب أو من صفاء ضوء القمر أو رؤية وجه المحبوبة، أو من أي أين تستطيع العقلية العلمية المبدعة الخلاقة أن تستلهمه فرضا.

أهم ما يميز هذا المنهج أن الاستدلال الرياضي عموده الفقري وأهم من وقائع التجريب ذاتها. الاستدلال الرياضي عملية استنباطية، فلا يعود التجريب مقابلا تماما للاستنباط كما كان الحال مع الاستقراء، على أن الاستنباط هنا لا يعود طبعا إلى القياس الأرسطي، ولا علاقة له بأرسطو ولا حتى في استنباط النتائج الجزئية من الفرض؛ لأن الاستنباط هنا منطقه هو المنطق الرمزي الحديث الذي تنامى في القرن العشرين، منطق العلاقات، والفروض العلمية الآن لم تعد تحكم وقائع بقدر ما تحكم قوانين وعلاقاتها ببعضها.

وحتى هذه الآونة قد يرد في الأحاديث الجارية مصطلح «الاستقراء» كمرادف للمنهج التجريبي، ولكن في سياق المعالجة الدقيقة عبر هذه الصفحات يعني الاستقراء منهج البدء بالملاحظة، وهو حالة خاصة للمنهج التجريبي، فضلا عن أنها متخلفة وقاصرة، منهج العلم التجريبي فعلا هو المنهج الفرضي الاستنباطي.

وكان الاستقراء بهذا التعريف قرين فلسفة العلم الحديث الكلاسيكي، إنه يساوق التفسير الميكانيكي للكون ومبدأه الحتمي، وأيضا يماثله من حيث كونه افتراضا ساد مرحلة مر بها العقل العلمي، كانت مهمة وضرورية في أوانها، ولكن به وبها من المزالق والأخطاء والقصورات المعرفية التي تكشفت للعقل العلمي أثناء سيره أو تقدمه المطرد، فوجب أن يتجاوزها، بعد أن أدت دورها واستنفدت مقتضياتها ودواعيها، وارتفع التقدم العلمي إلى مرحلة أعلى من سابقتها.

والحق أن استيعاب الإبستمولوجيا العلمية في القرن العشرين يرتهن بالرفض المنطقي لمنهج الاستقراء بمعنى البدء بالملاحظة. ولم يكن هذا أمرا يسيرا؛ لأن الاستقراء أكد حركة العلم الحديث وتأكد بها.

ولكي يتضح هذا ونتمكن من استقبال إبستمولوجيا العلم في القرن العشرين بمجامع الصدور لا بد من العودة مرة ثانية إلى نشأة العلم الحديث؛ لكي نلقي الضوء على أبعاد وعوامل لم يتسع لها المجال فيما سبق، وتغدو الآن ضرورية لتفسير سيادة الزعم بالبدء بالملاحظة الحسية، على الرغم مما في هذا الزعم من قصور وأغاليط. فقد رأينا كيف انبثق العلم الحديث في أعقاب العصور الوسطى التي تحددت معالمها بكتب سماوية جعلت القياس الأرسطي هو المنهج الملائم للعصر ومنهج رجال الكنيسة، وأن هذا القياس استدلال هابط، استنباط يتطرف في التنظير والعزوف عن التجريب، ويمكن الآن أن نفهم كيف تمخض في العصر الحديث عن رد فعل معاكس في الاتجاه ومساو في المقدار من حيث إنه يتطرف في التجريب والعزوف عن التنظير، بعد أن أثبتت العصور الوسطى الأوروبية عقم التنظيرات المنبتة الصلة بالطبيعة النابضة والواقع المتأجج الحي، فبدا للعقول الناهضة آنذاك أن شق الطريق الحديث للعلم الحديث يعتمد على نبذ القياس الأرسطي والاستنباطات العقلية طرا، وسلك الطريق العكسي وهو الاستقراء، منهج البدء بالملاحظة ثم تعميمها، يقول برتراند رسل:

لم يكن الصراع بين جاليليو ومحاكم التفتيش صراعا بين الفكر الحر والتعصب، أو بين العلم والدين، بل كان صراعا بين الاستنباط والاستقراء.

Bog aan la aqoon