Falsafadda Ingiriiska ee Boqolka Sano (Qeybta Koowaad)
الفلسفة الإنجليزية في مائة عام (الجزء الأول)
Noocyada
The Grammar of Science » (1892، الطبعة الثالثة 1911، طبعة جديدة رخيصة 1937) الذي صاغ فيه المثل العلمي الأعلى للمعرفة، كما كان سائدا في أيامه، صياغة كلاسيكية، ومجد الروح الكامنة من ورائه، والأعمال التي جعلته ممكنا، وأعرب بوضوح عن اقتناعه بأن العلم قد كتب له أن يخدم ثقافة المستقبل ويشكلها.
والهدف من هذا الكتاب هو دراسة المفاهيم الأساسية للعلم الحديث. وهكذا يتخذ بيرسن من المباحث الرياضية الفيزيائية أنموذجا للعلم، وأكد بناء على ذلك أن الطبيعة الأساسية للعلم لا تكون في التفسير وإنما في الوصف، ولا تكون في الإجابة عن السؤال «لماذا تكون الأشياء؟» وإنما في الإجابة عن السؤال «كيف تكون الأشياء؟» وفضلا عن ذلك فإن غاية العلم هي القيام بهذا العمل بالنسبة إلى كل شيء، فلا شيء يقع خارج نطاقه، ولكن لما كان من المستحيل فهم الأشياء في كليتها الشاملة، فإن العلم يضطر إلى الالتجاء إلى نوع من الاختزال التصوري
Conceptual ، ويصطنع رموزا وصيغا وقوانين، ويتمكن بفضل هذه من فهم الواقع ووصفه بطريقة مختصرة. وبعبارة أخرى فالإلكترون مثلا ينبغي ألا يعد حقيقيا من الوجهة التجريبية وإنما هو مجرد رمز أو تعبير اختزالي يبتدعه خيال العالم، ويمكن بالتالي طرحه جانبا كلما ثبت عدم كفايته لوصف الوقائع المتعلقة به. وفضلا عن ذلك فالعلم لا يضع النظريات حبا في النظريات، وإنما هو عملي في أساسه، وهو من أهم ما في متناول أيدينا من الوسائل لتكييف أنفسنا مع بيئتنا والنجاح في صراعنا من أجل البقاء. واستهدافه هذه الغاية العملية هو ذاته الذي يجعله يسعى إلى تحصيل أكبر قدر من المعرفة بأبسط الوسائل، طبقا لقانون الحد الأدنى من المقاومة . ولهذا السبب بعينه يرفض العلم كل المسلمات الباطلة المتعصبة، بحيث إن من مهامه الرئيسية تحرير الفكر من الأوهام التي كدستها عليه الخرافة والجهالة على مر القرون. وهكذا فإنه يحمل على اللاهوت والميتافيزيقا من أساسهما وبكل ما فيهما. أما الفلسفة، فبقدر ما يكون لها أي حق في المطالبة بمجرد الوجود، فإنها تنحل إلى العلم حسب تعريفه المذكور من قبل، ولا يمكن أن يصبح لها مجال خاص بها إلا بقدر ما ينظر إليها تاريخيا على أنها مرحلة من مراحل النمو العقلي للإنسان.
غير أن على العلم بدوره أن يقوم - في مجاله الخاص - بعملية تطهير فعليه أن يستبعد من مجاله كل ما لا يتمشى مع طبيعته من حيث هو وصف وتنظيم وتصنيف، وهذا يعني أن عليه أن يتخلص من أفكار العلية والقوة المادية، التي لا تعدو أن تكون أصناما مختبئة في زوايا العلم حتى في أحدث صورة. فمقولة العلية ليست لها صورة فكرية، ولا تدعمها التجربة، وإنما هي مجرد حد تصوري ابتدع لإرضاء حاجتنا إلى الاقتصاد في التعبير. والقوة هي نوع من الحركة، وليست تفسيرا لها. أما المادة فليست شيئا، أو ليست على أية حال شيئا معروفا، بحيث لا تحتاج الفيزياء إلى فكرتها. ولقد شغل مكان كل هذه التصورات بفكرة الحركة، التي يضعها العلم ولكنه لا يستطيع تفسيرها. وحسب العلم أن تعطيه الحركة والدقائق الجسمية والمكان، وهي كلها أمور يمكن قياسها بدقة، لكي يستطيع أن يقدم وصفا لكل ما يقع في نطاق التجربة.
وهكذا كان موقف بيرسن تمجيدا متطرفا لقدرة العلم الشاملة، وهو يسير في نفس الطريق الموروث مباشرة عن تجريبية هيوم ووضعية كونت، وله مقابل دقيق في الجانب الفلسفي من تفكير «أرلست ماخ». ومما يدل على إدراك ماخ لهذه القرابة الوثيقة بينهما، أنه أهدى كتابه «تحليل الانطباعات الحسية
Analyse der Empfindugen » إلى بيرسن، تعبيرا عن شعور الزمالة والتقدير. كذلك كانا يتفقان في الأساس المعرفي (الإبستمولوجي) لنظريتهما في العلم. وهذا الأساس كغيره يرتد إلى هيوم، فالوقائع التي يعالجها العلم ليست أشياء في ذاتها ذات طبيعة غامضة ، بل هي مجرد ظواهر الوعي، أي هي الإحساسات ومشتقاتها، التي لا توجد سواها أية حقيقة أخرى. صحيح أننا نسقط جزءا من محتوى الوعي على مكان خارجي، ونتحدث عنه بوصفه وقائع مادية، غير أن هذا الإسقاط لا ينقلنا في الواقع إلى ما وراء الوعي، فما يسمى بالشيء الخارجي ليس إلا تركيبا ذهنيا نتج عن ربط الانطباعات الحاضرة بالماضية. صحيح أنه يجوز العلم أن يتجاوز الإحساسات الحاضرة، وأنه يفعل ذلك حقا عن طريق تكوين فروض ووضع قوانين واستخلاص استدلالات وما إلى ذلك، غير أن الإحساسات هي التي تتحكم في كل هذه التركيبات التصورية الاصطناعية، وهي التي تضفي عليها أي معنى ممكن لها. فالذهن عند بيرسن، كما هو عند ماخ، يشبه المحطة المركزية للهاتف (التليفون)؛ إذ يتلقى الانطباعات الخارجية ويرتبها ويعيد توجيهها. ولكن ينبغي علينا ألا نتطلع في الاستيطان، كما في الإدراك الحسي، إلى ما وراء الإحساسات والصور والمفاهيم المستمدة منها؛ فليس ثمة نفس أو أي شيء يشبهها متميز عن المحتويات التي يكون لدينا بها وعي، وما الذهن إلا مجموع انطباعاته وأفكاره. وهكذا يظهر بوضوح أن نظرية المعرفة عند بيرسن مماثلة تماما لنظرية هيوم ومل وماخ.
ولقد مضى بيرسن في امتداحه للروح العلمية إلى حد التمجيد المفرط، فرسالة العلم الحديث ذاتها هي احترام ذلك الإله الذي لدينا به وحده يقين مؤكد، أعني الروح البشرية، وما الدين إلا خدمة قضية العلم، وما التقديس إلا تأمل ما أنجزه العقل البشري، وأن مكتشفي الحقيقة لهم القديسون والصالحون بحق، ولن يقول أحد في المستقبل إنني مؤمن لأن موضوع إيماني ممتنع، بل سيقال «أومن لأنني أفهم.» وهكذا فإن بيرسن، مثل كونت، يؤله العلم، وموقفه هو موقف عصر التنوير، وكل ما في الأمر أنه ظهر في غير الأوان، أي متأخرا عن وقته بمائة عام.
ومثل هذا يمكن أن يقال عن تفكيره الأخلاقي
11
الذي يجعل من التقدم في المعرفة العلمية سمة رئيسية لكل محاولة للاقتراب من المثل الأخلاقي الأعلى. وكما أنه حمل على الدين (كما يشيع فهمه) بوصفه ناتجا عن الخرافة، فهو كذلك قد وصم الأخلاق المسيحية هنا بأنها نتيجة لشعور أعمى، فالأخلاق الحقة لا صلة لها في نظره بالشعور، وإنما بالمعرفة وطلبها فحسب، وهو يؤيد رأي سقراط القائل إن العارف وحده هو الذي يمكن أن يكون فاضلا. وهو يضيف الاشتراكية إلى «أخلاق الفكر الحر» بوصفها تكملة سياسية لها، وهو لا يعني بالاشتراكية ذلك النوع الثوري المرتبط بماركس، بل لا يعني بها أساسا أي تغيير للنظام السياسي القائم على الإطلاق، وإنما يعني بها ذلك التقدم المطرد البطيء للشخصية الأخلاقية، على النحو الكفيل بأن يؤدي بكل فرد إلى إخضاع سلوكه لصالح المجتمع من حيث هو كل. مثل هذه الاشتراكية تقتضي تحسين الجنس عن طريق أساليب علم تحسين السلالات، وتحرير المرأة، وإلغاء المحرمات الجنسية (أي «إباحة الحب»)، وحرية اختيار العمل، وحرية الفكر. ولقد كان في هذه الأفكار يستبق، على نحو يدعو إلى الإعجاب، وهو لم يزل في العقد التاسع من القرن الماضي؛ أفكارا ظهرت من بعده، وكان لا بد للقيام بذلك من شخصية مثل بيرسن، تتصف بالقوة والجرأة، وتمتلئ ثقة بقدرة العلم على كل شيء، وتؤمن إيمانا راسخا بحرية البحث، وتزدري الحلول الوسطى، وتستخلص النتائج بجرأة حتى لو كان من شأنها أن تغضب معاصريه.
Bog aan la aqoon