Falsafadda Ingiriiska ee Boqolka Sano (Qeybta Koowaad)
الفلسفة الإنجليزية في مائة عام (الجزء الأول)
Noocyada
ومع ذلك فقد افترق هكسلي في نواح متعددة عن هيوم؛ ذلك لأنه حين حمل تفكير هذا الأخير من الدقة أكثر مما يحتمل، قد ارتد إلى النزعة القطعية أو اقترب منها إلى حد الخطورة، وكانت إثارته لذلك السؤال الذي يتعارض مع تفكير هيوم تعارضا أساسيا، وأعني به السؤال عن أصل الانطباعات الحسية، مؤدية إلى إعطاء المذهب الظاهري أساسا فسيولوجيا، وبالتالي ماديا، فأعلن أن كل الحالات أو الحوادث الذهنية إنما هي نتائج لعلل بدنية، بحيث يمكننا أن نفهم أصلها وطريقة عملها بدراسة تغيرات الجهاز العصبي، ولم يكن يجد غضاضة في استخدام تعبيرات مادية صريحة، حتى كان يتحدث أحيانا بلغة «كابانس
Cabanis » وغيره من الفلاسفة الماديين في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر، وكان هو أول من وصف الذهن بأنه «ظاهرة ثانوية
epiphenomenon »، أي ناتجا ظاهريا للمخ.
ونتيجة لمثل هذه التعبيرات وغيرها من التعبيرات الصريحة، وصف تفكير هكسلي بالفعل بأنه مادي، غير أنه هو ذاته كان يحتج على أية تسمية كهذه، وحاول أن يبين وجهة النظر التي تشير إليها مثل هذه التعبيرات ليست نهائية، وينبغي ألا تعد ملزمة من الوجهة الميتافيزيقية، بل يجب أن ينظر إليها على أنها نقطة انطلاق البحث العلمي في الطبيعة، التي تكون وجهة النظر هذه أساسية لها، بوصفها فرضا عمليا. وقد ذهب إلى أن وجهة النظر هذه لا تحوي ما يتناقض مع أكثر المذاهب المثالية تطرفا، بل رأى أنه كلما زاد استعدادنا لقبول الموقف المادي، كان من الأسهل الدفاع عن ضرورة المثالية. وهكذا دفع هكسلي بنفسه إلى مأزق لم يكن في وسع طريقته في التفكير أن تخلصه منه؛ فحاول نتيجة لذلك أن يجد لنفسه ملاذا في اللاأدرية، وقال إن المادية لا تقبل البرهنة عليها، وكذلك الحال في المثالية لنفس الأسباب. والمذهبان معا إنما هما القطبان المتضادان للموقف الممتنع الذي يفترض فيه إمكان معرفة شيء عن الطبيعة الأساسية لشيء ما، سواء أكان هذا الشيء مادة أم ذهنا، فلا مفر للعلم الطبيعي من التسليم بوجود العالم المادي، وما يتبع ذلك من تأكيد الأولوية الواقع المحسوس، أما في الفلسفة فينبغي أن يكون ذلك العالم احتماليا دائما؛ إذ إن الحقيقة الأولى فيها هي الوعي، بحيث لا يمكنها أن تتصور المادة لا ظاهريا، بوصفها شيئا معطى للوعي في الوعي ذاته. ولقد كان هكسلي في هذا الصدد في شقاق مع نفسه، فعندما كانت تغلب عليه صفة الفيلسوف، كان يتحدث كما لو كان باركلي هو الذي يتحدث، وعندما كانت صفة العالم هي التي ترجح كفتها، كان يتحدث كأنه مادي. ولكي يتخلص من هذا المأزق، اتخذ لنفسه رداء الشك، وكان يستمتع بهذه الصفة أو الحالة الذهنية أكثر مما يستمتع بغيرها، بحيث أخضع لاختباره كل الفلسفات دون أن يلتزم بواحدة منها، مستخدما إحداها تارة والأخرى تارة أخرى، حسبما يلائم موقفه. وكانت اللاأدرية عنده، على خلاف ما كانت عند سبنسر، قريبة بالفعل من نزعة الشك، ولم تكن تعني حكما سلبيا، بل كانت تعني الامتناع عن الحكم أصلا في الأمور النهائية. وعلى الرغم من كل هذا، فقد كان في هكسلي أكثر من هذه اللاأدرية؛ إذ إن طبيعته التي كانت إيجابية في أساسها، كانت تثور، إن عاجلا أو آجلا، على هذا الانطلاق الفكري بين المواقف المختلفة، وتدفعه إلى إصدار تأكيدات فلسفية محددة.
ولقد أسهم هكسلي بإضافة قيمة إلى النظرية الأخلاقية التطورية، وذلك في محاضرة «رومانس
Romanes » المشهورة التي ألقاها عام 1893 بعنوان «التطور والأخلاق»، وهنا أيضا سار في طريقه الخاص، وافترق في بضع نواح عن الآراء التطورية الشائعة، فعلى حين أنه وافق على أن قانون التطور يسري على مجال الفعل الأخلاقي كما يسري على كل المجالات الأخرى، فقد ذهب إلى أنه يتحقق في المجال الأخلاقي على نحو مختلف تماما، فعالم الطبيعة يحكمه صراع رهيب من أجل البقاء، يحارب فيه الكل ضد الكل ويغلب فيه حب الذات على التعاون، وينتصر القمع القاسي على التعاطف والشفقة. أما الحياة الاجتماعية للإنسان فيظهر فيها - على الرغم من كونها ذات أصل طبيعي، ورغم ضغط القوى الطبيعية - عالم فريد في نوعه، عالم فيه قوانينه المطردة ومعاييره الخاصة. وهكذا فإن حياة الإنسان الأخلاقية إنما هي تفنيد صريح للمبدأ الطبيعي؛ مبدأ الصراع الذي لا يرحم في سبيل المنافسة، وهي أبعد الأمور عن أن تكون تعبيرا آخر عنه. وبهذا التأكيد للاستقلال الذاتي الفريد للنظام الأخلاقي الذي يظهر مع المجتمع، حرر هكسلي الأخلاق التطورية من قيود المذهب الطبيعي، ومهد الطريق لمثالية أخلاقية، وهي مثالية وجدت أجمل تعبير عنها في دفاع هكسلي نفسه عن كرامة الإنسان الأخلاقية، وفي اللغة الرفيعة التي تحدث وكتب بها عنها، وفي الطابع النبيل الذي ساد نظرته إلى الحياة البشرية.
أما «جون تندول
John Tyndall » (1820-1893) فكانت تجمعه بهكسلي صلة الصداقة الشخصية، فضلا عن الأهداف العلمية المشتركة، وكان اهتمامه بالفلسفة أقل وضوحا من اهتمام هكسلي بها، ولكنه بدوره كرس جزءا كبيرا من محاضراته وكتاباته لينشر ويذيع الأفكار العلمية الجديدة، ولا سيما فكرة التطور، وله محاضرة مشهورة
8
اعترف فيها بأنه مادي، وأثارت ضجة كبرى، وجعلته فترة ما مركزا للاهتمام الفلسفي، غير أن رأيه في طبيعة المادة يختلف تماما عن الرأي الشائع، بل يختلف عن الرأي العلمي الأدق من هذا الأخير. صحيح أنه اعترف بأن المادة كما تعرفها الفيزياء لا يمكن أن تكون قد ولدت الكون كما نعرفه، غير أنه كان يؤمن بأن كل تركيب ونشاط في العالم، سواء أكان ذهنيا أم ماديا، حتى نشاطنا في الأخلاق والفن والعلم، هو في الحقيقة كامن، وكأنه في بذرة في النار الأولية للشمس.
Bog aan la aqoon