Falsafadda qaabka Dheddigga
الفلسفة بصيغة المؤنث
Noocyada
لماذا الفلسفة بصيغة المؤنث؟
إديث شتاين ... نحو فينومينولوجية لاهوتية
سيمون فايل: فيلسوفة المصنع والشرط العمالي
صبا محمود: نحو أنثروبولوجيا الإسلام
نادية دو موند: الوعي بالذات خطوة أولى لتحرير النساء
جوديث بتلر فيلسوفة النوع والهوية: كيف نعيش حياة حقيقية ضمن حياة زائفة؟
الفيلسوفة السينمائية آين راند: ما نوع العالم الذي نعيش فيه؟
نانسي فريزر: الحاجة إلى فضاء عمومي عابر للأوطان
سيلا بن حبيب: سيرتها، فلسفتها السياسية ومواقفها
المراجع والمصادر
Bog aan la aqoon
الباحثة سيلا بن حبيب وتأملات في الربيع العربي
الشرط الإنساني ومشكلة الشر
لماذا الفلسفة بصيغة المؤنث؟
إديث شتاين ... نحو فينومينولوجية لاهوتية
سيمون فايل: فيلسوفة المصنع والشرط العمالي
صبا محمود: نحو أنثروبولوجيا الإسلام
نادية دو موند: الوعي بالذات خطوة أولى لتحرير النساء
جوديث بتلر فيلسوفة النوع والهوية: كيف نعيش حياة حقيقية ضمن حياة زائفة؟
الفيلسوفة السينمائية آين راند: ما نوع العالم الذي نعيش فيه؟
نانسي فريزر: الحاجة إلى فضاء عمومي عابر للأوطان
Bog aan la aqoon
سيلا بن حبيب: سيرتها، فلسفتها السياسية ومواقفها
المراجع والمصادر
الباحثة سيلا بن حبيب وتأملات في الربيع العربي
الشرط الإنساني ومشكلة الشر
الفلسفة بصيغة المؤنث
الفلسفة بصيغة المؤنث
تأليف
رشيد العلوي
لماذا الفلسفة بصيغة المؤنث؟
عديدة هي الكتب التي تحدثت عن موضوع المرأة والفلسفة من قبيل: نساء- فلاسفة، الفلاسفة والمرأة، نساء الفلاسفة ... وأغلب الظن أنها تعالج علاقة الفلاسفة بالمرأة لبيان مواقفهم الحياتية من المرأة عامة، أو لإبراز دور بعض النسوة في حياة الفلاسفة، كما عالجت موضوع الحب من منظور الفلاسفة؛ ليقف البعض منها عند تجارب الحب التي خاضها بعض الفلاسفة مع النساء ... وقليلة هي الكتب التي عالجت أفكار بعض النساء-الفلاسفة؛ حيث تم التركيز تحديدا أغلب الأحيان على فيلسوفات بارزات من قبيل: هيباتيا، حنة آرنت، جوليا كريستيفا، سيمون دي بوفوار ...
Bog aan la aqoon
نذهب في هذا العمل إلى البحث في سيرة وفلسفة بعض النساء اللواتي دخلن عالم التفلسف من بابه الواسع، وتحملن عبء التفرغ للفكر الفلسفي تدريسا وتأليفا في مجتمعات ذكورية بامتياز؛ حيث جددت الرأسمالية آليات السيطرة والهيمنة الذكورية على عالم الفكر. وخصصن معظم أوقاتهن للتنقل بين الجامعات، ومنهن من تحملت ويلات الحروب والاضطهاد الفاشي والديني واللغوي والثقافي خاصة في الفترة ما بين الحربين العالميتين الأولى والثانية، كما نجد منهن من تخلين عن الحياة الأسرية وعزفن عن الإنجاب للتفرغ للفلسفة، إن لم نجد منهن من لها ميولات جنسية مختلفة ضدا على المجتمع الذكوري، وبحثا عن اعتراف من نوع آخر.
من المعلوم جيدا أن الفلاسفة-الذكور قد هيمنوا على تاريخ الفلسفة، فلاسفة-ذكور لم ينفلت منهم من سلطة المجتمعات الذكورية إلا النزر اليسير، ولكن مع تناسل مقاومات الحركة النسائية وانتزاعها لحق المساواة والحرية والإنصاف لولوج مجالات عمل كانت إلى عهد قريب حكرا على الرجال، ومع الدور الذي لعبته الأنظمة الاشتراكية والحركات النسائية في العالم، سيتعزز دور المرأة في المجتمعات الغربية تحديدا والتي أقرت أنظمة علمانية منحت للنساء حقوقا لم يكن يسمح بها من ذي قبل.
في مجتمعات اليوم لم يعد السؤال يتعلق بالحاجة إلى تحرير المرأة كما طرح في القرن التاسع عشر (مع الموجة النسوية الأولى)، بل صار السؤال ينصب حول مستقبل هذا التحرر، من جهة أن هناك مشكلات جديدة صاحبت الاعتراف بالمرأة ودورها السياسي والاجتماعي والثقافي والاقتصادي، من قبيل الحقوق الجنسية، والاختلاف الجنسي والتحول الجنسي ... ناهيك عن التعدد الثقافي والديني واللغوي.
ماذا لو قلبنا التاريخ رأسا على عقب، فإذا كان تاريخ الفلسفة في مجمله تاريخا ذكوريا بامتياز كتبه فلاسفة ذكور، فماذا عساه يصير لو كان تاريخا نسويا؟ ماذا لو كانت النساء هن اللواتي لعبن دورا هاما في تاريخ الفلسفة؟ ألن نجد أنفسنا أمام قضايا فلسفية مغايرة، ومنهجيات فلسفية مختلفة، ولربما أمام فكر مختلف جذريا عن فلسفة الفلاسفة الذكور، وأمام فلسفة جديدة حتى لا نقول فلسفة نسوية؛ لأن هذا النعت يضمر بين ثناياه نزعة ذكورية؛ حيث يتم التمييز بين فلسفة ذكورية ونسوية؟
ستكون لثورة المساواة في الحقوق ولولوج عالم الشغل والفكر والثقافة انعكاسات جديدة على بنيات التفكير، وعلى طبيعة القضايا الفلسفية كما نجد ذلك في عالم السياسة والاقتصاد. لذا نعتقد - دون الجزم في ذلك - أن التاريخ المقبل للفلسفة سيكون تاريخا مغايرا ومختلفا، ليس بسبب ثورة المساواة والحقوق وحدها، وإنما بسبب اجتياح النساء لنسب الساكنة العالمية، وتفوقهن في مجالات التعليم والسياسة والاقتصاد على حد سواء، وبسبب ثورة الحب كما نظر لها لوك فيري وألان باديو.
نجد أنفسنا في هذا العمل أمام فكر فلسفي يطرح قضايا سياسية راهنة تتصل بالفلسفة السياسية تحديدا؛ حيث سنلتقي بوجوه بارزة لعبت أدورا هامة في التنظير لقضايا لم تطرح من قبل، كما هو الشأن بالنسبة للفيلسوفة جوديث بتلر
Judith Butler
أو سيلا بن حبيب
Seyla Benhabib ، أو نانسي فريزر
Nancy Fraser ، وبوجوه لم تلق كامل الحفاوة والاهتمام في الجامعات وكليات الفلسفة على الأقل في عالمنا العربي من قبيل سيمون فايل
Bog aan la aqoon
Simon Weill
وصبا محمود
Saba Mahmood
وإديث شتاين
Edith Stein
وآين راند
Ayn Rand ، وبفيلسوفة نقدية معاصرة تنتمي إلى المدرسة الماركسية وتحاول إعادة النظر في موضوع البطريركية (الأبوية) وفق مستجدات البحث الأنثروبولوجي والسوسيولوجي الراهن: نادية دو موند
Nadia de Monde .
إذا كان اهتمام إديث شتاين ينحصر أساسا في الفينومينولوجيا متأثرة بأستاذها إدموند هوسرل
E. Husserl
Bog aan la aqoon
وفي الأنثروبولوجيا الفلسفية، وتكبدت عناء العيش في كنف حيث حرمتها الحياة من الأبوة، واختارت عنوة حضن الكنيس هربا من ويلات النازية التي لاحقتها إلى كرملية هولندا لتتخلص منها بمعية أختها روز في أبشع الصور في محرقة أشفيتز الغازية سنة 1942، فإن اهتمام آين راند التي اختارت الهروب من الاتحاد السوفياتي في اتجاه الولايات المتحدة الأمريكية، سينصب حول النزعة الموضوعية حيث تبحث عن عالم خاص بجون غالت (بطل روايتها الإضراب): عالم فرداني بامتياز، حيث تعلي قيم «فضيلة الأنانية» (عنوان كتابها المميز) بدل قيم كانط المتعالية، فعبارتها المدوية: «امنحني الحرية أو الموت»، تقر أن الفرد يمتلك قيمته في ذاته، من جهة أنه مكتف بذاته ولا يتوجب أن تحبسه الغيرية التي أفسدت على الفرد قيمه الأخلاقية النبيلة. ووراء السعي نحو التخلص من قيم الغيرية فإن من واجبات الدولة العمل فقط على حفظ مصلحة الأفراد الذاتية؛ لأننا «لسنا دولة ولا مجتمعا بقدر ما نحن تجمع بشري مبني على إرادتنا ويستجيب لمصلحتنا الفردية». وهؤلاء الأفراد يتقاسمون مجموعة من القيم خارج أية قوانين أو قواعد؛ لذا لا ينبغي أن نقبل إلا القيم الموضوعية الضامنة لروح الأنانية العقلية أو أنانية المصلحة الفردية التي تمثل نقيض الغيرية أو عقلية القطيع (الجماعية)، حيث الفرد هو أساس كل الأخلاق يوجد لذاته وليس لغيره.
ما يجمع هاته الوجوه في اعتقادنا هو ذلك الصوت النسوي النقدي الذي تغفله بعض الأقلام الفلسفية ولا تمنحه ما يستحق من اهتمام. فجميعهن رغم اختلاف مشاربهن واتجاهاتهن الفلسفية وانتماءاتهن العقدية واختياراتهن السياسية تركن أثرا فلسفيا عميقا، ناهيك عن الخيوط الناظمة لبعض المفاهيم التي نحتناها حيث التداعي قائم: الحق في كافة الحقوق، الشر، التوتاليتاريا، الاعتراف والرغبة (حيث التوليف بين اسبينوزا وهيجل كما فعلت بتلر) ...
لا يسعنا في مجتمعاتنا الذكورية بامتياز رغم الكليشيهات التي تظهرها بعض الأنظمة السياسية في هذه الرقعة من العالم، إلا أن نعلي من شأو التفكير الفلسفي الذي تركته هاته الوجوه النقدية وغيرها (وأغلبهن لا يزال على قيد الحياة) في سبيل الدفع بتفكير من هذا النوع في مجتمعاتنا؛ حيث لا تزال النساء عرضة لكل أنواع الاضطهاد والتهميش والتحقير بفضل بنيات التسلط الذكورية المتعششة في تربتنا، والتي ترسخها في عالم اليوم تيارات محافظة لن تزيدنا إلا انتكاسة نحو الوراء (الماضي الذهبي الذي يحلمون به وينادون به حيث تطالب المرأة بالخنوع والطاعة والخضوع لسلطة الرجل بدعوى «ناقصة عقل ودين»). فالتنوير يقتضي أول الأمر الخروج من حالة الوصاية والخضوع، فكيف يمكن قبول ما نشاهده يوميا من مآس وجرائم في حق النساء، والدعوة إلى جهاد النكاح، وإلى حق سبي نساء العدو (هذا إذا صح فعلا أنه عدو؟) ... كيف لنا السكوت عن أنظمة الذل التي تبتغي إبقاء الوضع على ما هو عليه؟
يزداد لدي اليقين أن ثورة الحقوق والمساواة قد أدت فعلا إلى تحولات عميقة بدأت تظهر بوادرها في مجموع الكوكب الأزرق. ورغم أن هدف الليبرالية السياسية والرأسمالية العالمية هو إدخال النساء في إطار أسطورة «مقاربة النوع» إلى عالم المال والأعمال بهدف تلطيف الاستغلال وترسيخ الاستعباد الجديد للنساء، فإنها في حقيقة الأمر تحفر قبرها بنفسها؛ لأن الفردانية كمبدأ قد يؤدي بالمجتمعات المعاصرة إلى نتائج عكسية. يتم تبرير الفردانية بدعوى الحرية الفردية التي هي شرط الديمقراطية الليبرالية، لكن يتم تناسي أن الحرية في شموليتها والسياسية تحديدا هي شرط لا مناص منه؛ لأن منح الاستقلالية المادية للمرأة هو مفتاح تحررها الشامل. هكذا ترى نادية دو موند أن «النساء تستعمل كجيش احتياطي للصناعة (ماركس) في الاقتصاد الرأسمالي، يدمج في فترات التوسع الاقتصادي ولكنه يسرح في فترة الانكماش الاقتصادي أو فترات الأزمة ... ويتم تبرير هذه الممارسة بفكرة أيديولوجية مفادها أن الرجل هو من يلبي أساسا حاجيات الأسرة، وأن المكان الطبيعي للمرأة هو المنزل كربة بيت. وتستخدم النساء مكان قوة العمل الذكورية لإضعاف الطبقة العاملة وتقسيمها. كما تستعمل النساء بطبيعة الحال في أقسام «ضعيفة» و«هامشية» من الطبقة العاملة كما هو حال المهاجرين والمهاجرات.» لذلك تذهب نانسي فريزر في كتابها: حظوظ النسوية
Fortunes of Feminism
إلى ضرورة قطع الصلة مع النيوليبرالية لبناء مجتمع متضامن؛ حيث تقول «تتيح الأزمة الحالية الفرصة لتولي زمام الأمور وربط حلم تحرير المرأة برؤية لمجتمع متضامن. ولكي تتحقق هذه الغايات، تحتاج النسوية لقطع علاقتها بالليبرالية الجديدة، واعتماد «ثلاث مساهمات» لخدمة أغراضها الخاصة:
أولا:
يجب علينا أن نقطع الصلة الزائفة بين نقد مستوى دخل الأسرة والرأسمالية المرنة، والعمل لخلق شكل من الحياة لا يركز على أسعار/أجور العمل وتعزيز الأنشطة غير المأجورة، بما في ذلك أعمال الرعاية.
ثانيا:
علينا أن نغير مسارنا من السجال حول اقتصاد السوق إلى الهوية السياسية، بحيث يتم دمج النضال لتقديم شكل يناهض القيم الذكورية ويسعى لتحقيق العدالة الاقتصادية أيضا.
Bog aan la aqoon
أخيرا:
علينا قطع الصلة بين سجالنا حول البيروقراطية وأصولية السوق الحر من خلال استدعاء عباءة الديمقراطية التشاركية كوسيلة لتعزيز السلطات العامة اللازمة لتحجيم رأس المال من أجل عدالة اجتماعية. هكذا «ظهرت موجات النسوية كنقد للرأسمالية في شكلها الأول، إلا أنها أصبحت خادمة للرأسمالية في ثوبها الجديد الذي ظهر بعد الحرب.»
تجد الفلسفة بصيغة المؤنث شرعيتها في طبيعة الموضوعات التي تناولتها الوجوه المنتقاة في هذا العمل بقليل من التفصيل، ولكن بعمق فلسفي حي يروم إبراز دورها في تاريخ الفلسفة المعاصر. وفي انتظار وجوه أخرى في نفس المجال فإننا نتقدم بالشكر الجزيل لكل الصديقات والأصدقاء اللواتي والذين قدموا ملاحظاتهم في مناسبات مختلفة، دون أن ننسى الدكتورة الفاضلة رجاء بن سلامة التي وفرت من وقتها الكثير للاطلاع على هذا العمل ومراجعته، وتجشمت عناء التقديم له، فألف تقدير واحترام لها على جهودها في سبيل الحرية والكرامة والعدالة الاجتماعية.
إديث شتاين ... نحو فينومينولوجية لاهوتية
لم تعش أكثر من خمسة عقود، لكنها تركت ما لم يتركه من عمر ما يقارب القرن. يتعلق الأمر بالفيلسوفة اللاهوتية، إديث شتاين
Edith Stein (1891-1942): يهودية الهوية وألمانية المنشأ. لم يأسر قلبها ولا عقلها أي من الأديان، إلا بعد أن خبرت الحياة وسبرت أغوار الحقيقة من كل الجهات.
تتلمذت على يد الفينومينولوجي الشهير، إدموند هوسرل، الذي عينها مساعدة له سنة 1917، بعد وفاة معاونه الأول الدكتور ريناخ. التحقت إديث بجامعة فريبورغ سنة 1913، وأعدت فيها أطروحة الدكتوراه في الفلسفة، دراسة فينومينولوجية، تحت عنوان: «تسرب الانفعالات والعواطف»، حاولت من خلالها تجاوز مقاربة علم النفس، نحو علم يخص الظواهر الإنسانية؛ للكشف عن عمق الباطن الفردي، وما يفعل فيه من إحساسات تترجم في حدوس عقلية وانفعالية.
كان لفقدان إديث لأبيها ولثلاثة من إخوتها (وهي واحدة من ضمن عشرة إخوة)، وهي في سن الثانية من عمرها، أثر بليغ في مسارها اليومي. وقد تكفلت أمها بإعالتها هي وإخوتها، غير أن إديث شتاين ستشق لنفسها طريقا آخر غير ما ورثته من التقاليد اليهودية، وهذا ما عبرت عنه في كتابها «قصة حياة يهودية»، الذي يعد سيرة ذاتية غير مكتملة، حكت فيها عن طفولتها وانفعالاتها وعنفوانها، وعن علاقاتها في مراحل مختلفة من حياتها. لم تسعفها الظروف الحياتية لتصير فيلسوفة معروفة في الأوساط الأكاديمية، بالنظر إلى وضعها بصفتها يهودية مهددة في حياتها، بعد صعود النازية إلى الحكم في الثلاثينيات. وقد كان حدسها صحيحا؛ حيث أحرقت بمعية أختها الطبيبة روز (التي ساعدتها على التطبيب في الحرب العالمية الأولى تضامنا مع زملائها في الدراسة الذين تطوعوا للقتال دفاعا عن الوطن)، في محرقة أشفيتز الغازية سنة 1942، على الرغم من انتمائها إلى الطائفة المسيحية، فيما بعد، واعتكافها على تربية الراهبات في الكرملية الهولندية (إيخت) لسنوات عدة. مع العلم بأن هيدغر رشحها لمنصب جامعي ودعمها، إلا أن النازيين وقفوا في وجهها بسبب أصلها اليهودي.
أصدرت إديث في حياتها كتبا فلسفية ومعرفية عدة ركزت على قضية المرأة، والحقيقة والتربية والوضع الإنساني. في كتابها «العلم والإيمان»، بنت حوارا أخاذا بين هوسرل وتوما الأكويني. وفي «بناء الكائن البشري»، نجد بحثا في أصل الجنس البشري وتطوره وأعراقه ومعتقداته، وهو البحث الذي عرف، فيما بعد، ب «الإناسة اللاهوتية». أما كتابها «جوهر الحياة»، أو «الحياة في شموليتها»، فتعالج فيه قضايا تربوية عدة: تربية الروح والنفس، وما تقتضيه من قوى روحية من شأنها أن تجعل من الحياة بكاملها مشروعا يندفع نحو الحقيقة، لتعرج فيه على أهمية الحضور النسوي في التعليم. هذا ناهيك بكتاب «فن التربية» و«في الشخص». وفي كتابها عن «قدر المرأة»، كانت إديث سباقة إلى الحديث عن المرأة ودورها في المجتمع، حيث تتساءل: هل المرأة من طبيعة أنثوية؟ ما الهدف من تعليم المرأة؟ محاولة أن تعالج قضايا المرأة من باب أخلاقية المهن النسائية، أو فيما سمته «تكامل المرأة في جسد المسيح السري»؛ حيث تدعو الرجل والمرأة معا، ليكونا ضمن نظام الطبيعة ونظام النعمة. ولا شك في أنها متأثرة كثيرا بوضعية أمها التي عالت إخوتها وبالسيدة آن رينر.
كتبت في مجال اللاهوت: «صلاة الكنيسة وسر الميلاد»، و«علم الصليب»، وترجمت كتاب توما الأكويني «في الحقيقة».
Bog aan la aqoon
خالطت شتاين كبار عمالقة الفكر الفلسفي الألماني طوال سنوات خلال تحضيرها أطروحتها الجامعية، وخلال اشتغالها محاضرة فيما بين 1923 و1933. وانتقلت إلى المعاهد الكاثوليكية بعد أن أعفيت من الأستاذية؛ لتعيش حياة الرهبنة، مهرولة إلى اللاهوت لقراءة المفكرين المسيحيين، لا سيما القديس توما الأكويني. وقد كان لهذا التغير المفاجئ وقع على أصدقائها اليهود، بحيث اتهمت بالهروب من جحيم النازية، الذي لم تسلم منه. وصاحبت كلا من أدولف رينر، الذي يعد الذراع اليمنى لهوسرل ، وجون هيرينج، وهانز ليبس، وماكس شيللر (في الصليب الأحمر الألماني)، وهيدغر، وانخرطت في حلقة الفينومينولوجيا. يمكن تقسيم أعمال الفيلسوفة الراهبة شتاين - بحسب المتخصص في فلسفتها اللاهوتية، جون فرنسوا لافين - إلى ثلاثة محاور:
يتعلق الأول بتحليل الشخص البشري كما يعيش نوازعه وانفعالاته الداخلية، منطلقا من سؤال: من أكون؟ إلى أي نوع من الموضوعات ينتمي الأنا؟ ما الروابط القائمة في تشكلنا: الجسد، الملكات العقلية، الروح، الحساسية، الأحاسيس؟ وذلك للبحث عن تصور شمولي للكائن البشري.
أما الثاني، فيخص التربية؛ فلأجل تربية الكائن، يجب التوجه إليه كما هو؛ كما يحس داخليا ووفق معرفته الباطنية. وهو ما جسدته، فعليا، في الكرملية، حيث عمقت بحثها في الظواهر الإنسانية.
ويتعلق المحور الثالث، بمجال الميتافيزيقا، حيث اطلعت على توما الأكويني؛ إيمانا منها بأن البحث عن الحقيقة هو أسمى ما يمكن أن يقودها إلى فهم ما يحيط بها من ظواهر إنسانية. ولا شك في أن لكتاب هيدغر، الكينونة والزمن، (صدر سنة 1929)، أثرا بالغا على محاضراتها في تلك الفترة، التي نجد فيها تأملات فلسفية عميقة مشحونة بعاطفة جياشة مفعمة بالأمل.
وإلى جانب كتابها في مسألة الدولة، يشكل بحثها تحت عنوان: «الكينونة الفانية والكينونة الأبدية»، (وهو أضخم كتبها؛ يقع في 530 صفحة)، أعمق تأمل فلسفي في قضية الغير، والتعاطف، محاولة استجلاء القول، وبيان عمق البينذاتية
l’intersubjectivité
في بعدها الفينومينولوجي. فالتعاطف
Empathy ، يسير في اتجاه تحقيق الذات، بالارتكاز على خبرتك في فهم الذات الإنسانية، وهو ما يتطلب تركيزا لفهم الأنا التي لا تظهر للعيان على حقيقتها. تزداد صعوبة التعاطف خلال اللقاء بالناس؛ لأن كل واحد منهم يحمل «أنا» خاصة محملة بخبرات متنوعة ظاهرة. وعلى هذا الأساس، تشدد إديث على ضرورة فهم الآخر، عبر نظرية التعلم واكتساب المعرفة؛ وبذلك تشاطر ماكس شيللر في مقاربته لإشكالية معرفة الغير.
سيمون فايل: فيلسوفة المصنع والشرط العمالي
تحقيق حاجة شعب إلى الحقيقة يلزمها توافر أناس يحبون الحقيقة.
Bog aan la aqoon
عملت الفيلسوفة سيمون فايل
S. Weil (1909-1943) أستاذة مبرزة في الفلسفة في التعليم الثانوي لمدة أربع سنوات، إلا أنها سرعان ما ستتخلى عن وظيفتها، بعد أن قررت أن تصبح عاملة في المصانع الفرنسية، بفضل أفكارها الماركسية (معادية للستالينية)، حيث تبدي دوما تعاطفا لا متناهيا مع الفقراء والبسطاء الذين تقتسم معهم كل ما تملك، بما فيها أجرتها الشهرية (قررت العيش بخمسة فرنكات فرنسية في اليوم، وتودع ما تبقى من أجرتها الشهرية في صندوق التضامن مع عمال المناجم). وكانت سيمون تلتقي مع العاطلين والعمال في المقاهي، وتمنحهم ثقافة عامة للالتزام السياسي، فيما يشبه تعليما شعبيا للجميع، تبسط فيه قضايا راهنة وإشكالات المجتمع الغربي. وأعطت دروسا في الجامعات الشعبية (انخرطت بصدق في تحليل القضايا التي شغلت عصرها في المنابر التقدمية).
تنتمي سيمون فايل إلى عائلة يهودية-برجوازية، وهي أخت عالم الرياضيات أندري فايل، والتلميذة النجيبة للفيلسوف الفرنسي اللامع: آلان
Alain (إميل شارتييه)، الذي أثر فيها تأثيرا بليغا، واستلهمت منه أسلوبه في الكتابة والتعبير، وظلت وفية له ولروحه. وقد شجعها كثيرا بمناسبة صدور دراستها «تأملات حول أسباب القمع والحرية»، معتبرا إياها قلما واعدا ونبراسا للأجيال المقبلة.
لم تعمر العذراء الحمراء (كما هو نعتها الآن)، سوى أربعة وثلاثين سنة، كتبت خلالها ما يعادل خمسة وعشرين كتابا، تشهد على أنها فيلسوفة متجذرة وشرسة بشكل غير مسبوق. صدرت أعمالها كاملة عن دار غاليمار، في سبعة عشر جزءا، موزعة على سبعة مجلدات. لم تكن فايل مجرد مدرسة عادية تؤدي وظيفة مؤسساتية، بل كانت نموذجا لفيلسوفة ملتزمة بقضايا المضطهدين الذين كافحت من أجلهم طوال حياتها، مناضلة نقابية وسياسية شاركت في حملات التضامن والإضرابات القطاعية (شاركت بقوة في الإضراب الشهير سنة 1936)، وجالست العاطلين والعمال وخبرت محنتهم، كما صادقت تلامذتها وأحبتهم بإخلاص؛ مما أتاح لها أن تضع أسسا جديدة لتربية تقوم على التمرد على الجاهز والمألوف. والتحقت بالمقاومة الإسبانية سنة 1936 إبان الحرب الأهلية لمواجهة انقلاب فرانكو الفاشي. وسمت فايل بكونها الفيلسوفة الروحانية أو الفيلسوفة الماركسية ذات النفحات الصوفية، غير أن ما آل إليه فكرها، في السنوات الأخيرة من حياتها، ما بين 1940 و1943، كان أقرب إلى الفلسفة الصوفية منه إلى الماركسية. ولنا شهادة في رسالة من تروتسكي إلى فيكتور سيرج يوم 30 يوليو (تموز) 1936، يدعوه إلى قطع العلاقة مع فايل لأنها لم تعد متحمسة للفكر الثوري، ولم تعد مناصرة لقضايا البروليتاريا هذا النبي الأعزل بتعبير إسحاق دويتشر، استقبلته فايل في منزل عائلتها في ديسمبر (كانون الأول) 1933. انظر: («سيمون فايل»: حوار مع تروتسكي، 2014).
لا نجزم ما إن كانت حنة آرنت قد استعارت عنوان «شرط الإنسان الحديث» من سيمون فايل، الذي تحدثت قبله عن الشرط العمالي؛ ففي كتابها هذا، ترصد عذراء الفلسفة المعاصرة، مجموع الشروط التي تعاني منها اليد العاملة الصناعية في فرنسا. وقد مثل اقتحامها للعمل في المصانع، أقصى درجات الالتزام السياسي بقضايا المستغلين، حيث صار الاستغلال والاضطهاد ومختلف أنواع القهر والاستعباد المعاصر، عيشا يوميا ملازما لها طوال تلك التجربة، أو ذلك «اللقاء مع الحياة الحقيقية والفعلية»، كما عبرت في رسالتها إلى تلميذة (الشرط العمالي، 20)؛ ولهذا يعود لها الفضل في اختبارها حقيقة أفكار ماركس ومن تبعه في المذهب من مختلف المدارس، وما شعارها البراق إلا خير دليل على ما خبرته: «الوحوش الثلاثة للحضارة البشرية الراهنة، هي المال والتقانة والجبر».
بدءا من سنة 1938، دخلت فايل في علاقات مع كثير من رجال الدين، ومنهم تحديدا جوزيف ماري بيرين (صاحبته ما بين 1940-1942)، وقد أثر فيها كثيرا، ولعب دورا في تجربتها الروحية التي طمستها طوال حياتها، ولم تظهر إلا من خلال رسائلها، بعد وفاتها (نتيجة نوبة قلبية قد يكون السبب وراء معاناتها الطويلة مع مرض السل). وقد سبق لفايل أن تحدثت عن الموت قبل وفاتها، «لقد فكرت في الموت في سن 14 بعد أن عشت شهورا في الظلمات» (الرسالة الرابعة: السيرة الروحية - في انتظار الله). لهذا «امتنعت دائما، عن التفكير في حياة مستقبلية. وصرخت دوما أن لحظة الموت هي معيار وهدف الحياة» (الرسالة الرابعة)؛ لأن المستقبل في نظرها «لن يجلب لنا أي شيء، ولن يمنحنا أي شيء؛ إننا نحن من يصنعه، من يمنحه كل شيء بما فيه حياتنا نفسها».
ليس لدينا دليل فيما إن كانت فايل قد التقت مع حنة آرنت، لكن من المؤكد أن بينهن علاقة فكرية غير مباشرة، وبالقدر الذي نعرف آرنت كمناهضة للتوتاليتاريا وللفكر الجامد والوثوقي، ينبغي أن نعترف أن سيمون فايل، قد خطت كلماتها القوية ضد الفاشية وضد الأنظمة الشمولية، في «تأملات في قضايا الحرية والقهر الاجتماعي»، وفي «كتاباتها السياسية والتاريخية» التي جمعت فيما بعد. وعلى هذا الأساس، فإن فكر حنة آرنت الفلسفي، يلتقي مع فكر سيمون فايل في كثير من القضايا من قبيل: العنف، الشر، الحرية، الألم، الحقيقة، التجذر، نقد التوتاليتاريا، المحبة ... أي في مجمل قضايا السياسة والأخلاق والدين.
يمنح صدق فايل لكلماتها معاني خاصة جدا، معاني نابعة من عمق مأساتها التي تعتبرها بمثابة بلاء، عليها أن تتحمله حبا في الله. وكما تقول في سيرتها الروحية: «تغيرت حياتي لأول مرة في سفري إلى إيطاليا، حينما ركعت على ركبتي أمام الكنيسة» (في انتظار الله). غير أن هذا الحدث لم يكن وحده كافيا لتفسير صلة فايل بالدين المسيحي؛ لأنها لم تمارس التدين يوما، واكتفت بالإيمان بالله ومحبته؛ لأن «الحب إلهي يحطم القلب الإنساني لما ينفذ إليه» (المعرفة الخارقة، 308). تلك المحبة التي «هي الله ذاته» (رسالة إلى الأب جو بوسكيه)، بالقدر الذي صارت فيه الطبيعة عند اسبينوزا متوحدة في الله؛ لهذا: «خلق الله عن محبة ومن أجل المحبة. لم يخلق الله غير المحبة ذاتها وغير طرق المحبة. خلق كل أشكال المحبة. خلق كائنات قادرة على المحبة من جميع المسافات الممكنة. أتى، هو نفسه؛ لأنه لا أحد غيره قادر على القيام بذلك، إلى المسافة القصوى، المسافة اللانهائية. هذه المسافة اللانهائية بين الله والله، كآبة
déchirement
Bog aan la aqoon
مطلقة، ألم لا يدانيه أي ألم» (الخبرة مع الله: حب الله والبلاء، ترجمة محمد علي عبد الجليل، معابر). وبهذا يكون الله «في جوهره، محبة إلى درجة أن الوحدانية التي هي تعريفه ذاته بأحد المعاني ليست سوى مجرد نتيجة للمحبة»
1
وتضيف: «هناك شكلان من المحبة، اللقاء والانفصال. وهما ضروريان جدا. وينطوي الاثنان على الخير نفسه، الخير الوحيد، المحبة؛ لأنه عندما يقترب شخصان ليسا صديقين من بعضهما، لا يكون هناك لقاء. وعندما يبتعدان لا يكون هناك انفصال. هذان الشكلان حسنان أيضا لاحتوائهما على الخير نفسه.»
2
كتبت آرنت عن المحبة في أطروحتها عن أوغسطين (1929)، لكنها لم تبلغ ما بلغته فايل من تعال وتسام يصير فيه البلاء والشر قدرا لا مفر منه: «أعتقد أن أصل الشر، عند الجميع ربما، بل عند من أصابهم البلاء بصورة خاصة، وخصوصا إذا كان البلاء بيولوجيا، إنما هو حلم يقظة. إنه العزاء الوحيد، غنى المبتلين الوحيد، العون الوحيد لحمل الثقل الرهيب للزمن؛ عون بريء لا غنى عنه على أي حال. فكيف يكون ممكنا الاستغناء عنه؟ ليست له سوى سيئة واحدة، هي أنه غير واقعي. وعزوف المرء عنه حبا بالحقيقة يعني حقا تخليه عن جميع ممتلكاته بدافع جنون الحب واتباع من كان الحق بذاته.» كل البشر يستسلم للشر عن غير وعي، ما دام أنه لا يمكن أن يعيش وحيدا في العالم؛ لأن هذا الأخير هو بوابة ومدخل وحاجز، وفي الوقت نفسه، جسر للعبور «ليس ضروريا أن يقول المرء نعم للشر حتى يتملكه الشر. ولكن الخير لا يشغل النفس إلا إذا قالت له نعم» وهكذا ف «أقصى ما يمكن أن يفعله الكائن الإنساني، هو أن يحافظ في داخله على سلامة ملكة قول نعم للخير» (رسالة إلى جو بوسكيه). وإذا كانت دعوة فايل هي الجرأة في قول «نعم للخير»، فإن دعوة آرنت لملايين الضحايا الذين قادهم بضع مئات من جنود النازية إلى المحرقة، هي قول: «لا»، لا للشر وللهمجية: «لماذا لا يستطيعون التمرد؟» ذلك هو السؤال الذي أحرق حنة وهي تبحث عن أصل الشر، لا بما هو بلاء ميتافيزيقي يجد أساسه في القدر، وإنما بلاء بشري يعبر أيما تعبير عن تصحر هذا العالم. فكل المآسي «التي يمكن أن نتخيلها تعود إلى مأساة واحدة: إضاعة الوقت»؛ لأن إنسانا يعيش وحيدا في العالم، لا يمكنه أن يتمتع بأية حقوق لأن؛ قدره هو الواجبات لا غير.
صبا محمود: نحو أنثروبولوجيا الإسلام
صبا محمود (1962-...) أنثروبولوجية أمريكية (باكستانية الأصل)، باحثة نقدية معاصرة تنتمي إلى الجيل الثالث لمدرسة فرانكفورت ، وتهتم بقضايا عديدة حول النظرية السياسية والأنثروبولوجيا في منطقة الشرق الأوسط (عضو مركز الشرق الأوسط للدراسات) وجنوب آسيا (عضو معهد الدراسات حول جنوب آسيا)، تركزت أعمالها حول مجتمعات ذات غالبية مسلمة، ولها مساهمات عدة حول الأخلاق والسياسة، العلاقة بين الدين والعلمانية، مكانة النساء ودورهن في تلك المجتمعات.
تشغل حاليا منصب مدرسة مساعدة في جامعة كالفورنيا بولاية بيركلي، وقبلها عملت مهندسة معمارية لمدة أربع سنوات، غير أن شغفها بالبحث الأنثروبولوجي وخاصة أنثروبولوجيا الإسلام بدأ لما كانت طالبة دراسات عليا في جامعة ستانفورد على يد أستاذها طلال الأسد الذي لعب دورا هاما في مسارها الجامعي والأكاديمي، حيث أقرت في حوارها مع ناثان شنايدر: «كنت مهندسة معمارية لأربع سنوات ... وعزمت على العودة إلى الدراسات العليا من أجل التفكير في التحولات التي حدثت جراء الصعود الذي عرفه المشهد الاجتماعي والسياسي للمجتمعات الإسلامية، لم أكن أعرف حقا الكثير عن الأنثروبولوجيا في ذلك الوقت؛ ولذا التحقت ببرنامج الدراسات العليا في العلوم السياسية، الذي وجدته ذا توجه مركزي أوروبي للغاية؛ فأدركت أن هذا التخصص لن يساعدني على استكشاف نوعية الأسئلة التي كنت مهتمة بها، كنت محظوظة بما فيه الكفاية في ذلك الوقت لألج حقل الأنثروبولوجيا الذي أصبح بمثابة تخصصي الأصلي.» معتقدة أن أي تخصص آخر كان سيستوعب نشاطها و«لكن الأنثروبولوجيا مكنتني من متابعة مسألة الاختلاف بطريقة جدية»؛ لأن الكتابات الأنثروبولوجية المبكرة عن مجتمعات المسلمين قد أغفلت دور النساء، وتركزت حول «دراسة الآخر البدائي من أجل تأكيد خصوصية القيم الثقافية والاجتماعية الغربية»، وقد اتجه علماء الإناسة فيما بعد مع تيار ما بعد الحداثيين للاشتغال بطريقة نقدية حول مسألة اختلاف الثقافات، التاريخ، التقاليد، تجدد معه البحث فيما يعرف حاليا بالتنوع الثقافي. وقد مكنها تعاملها مع الفقراء والمحتاجين في الأحياء الهامشية في أمريكا وباكستان، لمساعدتهم على تصميم المساكن وتمويلها وبنائها، من إدراك قيمة الحياة الاجتماعية التي يحاول فيها سكان هذه الأحياء «أن يفهموا عالما ألغى إلغاء كاملا إمكانية وجود حياة هانئة، ورغم هذا لا يزال الناس يحاولون إعادة بناء هذه الإمكانية من خلال مواءمة أنواع مختلفة من الممارسات والعادات».
نالت صبا محمود شهرة واسعة بفضل أبحاثها القيمة حول مكانة النساء في المجتمعات ذات الغالبية المسلمة، حيث أنجزت بحثها الميداني الأول (سياسة التقوى: الإحياء الإسلامي والشخصية النسوية) ما بين 1977 و1995 حول المرشدات الدينيات في القاهرة، بعد أن فشلت في إنجازه بفاس والدار البيضاء والجزائر، الذي نالت بموجبه شهادة الدكتوراه، ومنحتها الجمعية الأمريكية للعلوم السياسية جائزة فيكتوريا شوك سنة 2005، فإلى جانب مقالاتها النقدية ودراساتها العلمية فقد نشرت مجموعة من العناوين الهامة منها: «هل النقد علماني؟» (2009) بمعية طلال أسد، وجوديث بتلر، وويندي براون، وهو بمثابة مؤلف نقدي يعيد النظر في الجدل الذي أثارته الرسوم الدنماركية والذي صور بأنه صراع بين التجديف وحرية التعبير، بين الرؤية العلمانية والرؤية الدينية للعالم، «سياسات الحرية الدينية» (2015)، «الاختلاف الديني في عصر العلمنة: تقرير حول الأقليات الدينية» (2015)، الذي ناقشت فيه التعدد والتنوع الذي ميز منطقة الشرق الأوسط وبلدان آسيا الجنوبية (سواء في البلدان المستقرة سياسيا واجتماعيا أو في البلدان التي تعيش اضطرابات جراء الحرب والصراعات الأهلية).
حظي كتابها: «سياسة التقوى» بشهرة واسعة بالنظر إلى تحليله للحركات الإسلامية في مصر التي غيرت الحياة الاجتماعية والسياسية، والتي شجعت النساء على المواظبة على الدروس الدينية في المساجد التي تقدمها المرأة «الداعية» حول الدين منذ ما يقارب ثلاثة عقود في مختلف مساجد القاهرة، وهي دروس هامة جدا - في نظر صبا - بالنظر إلى ما تثيره من نقاشات عميقة أعادت الاعتبار للنساء المسلمات في الحياة الدينية والاجتماعية بعد التهميش الذي طالها بسبب تأويلات مغرضة في حق النساء، حيث دافعت بقوة عن خروج النساء إلى المجال العمومي؛ لمناقشة مواضيع كانت إلى عهد قريب حكرا على الرجال، ويتعلق الأمر بشئون العقيدة والإيمان، فبرامج الوعظ والإرشاد التي اجتاحت بعض البلدان المسلمة (مصر، باكستان، المغرب ...) ستلعب دورا هاما في مجال التأويلات، وستغذي العديد من الأفعال والسلوكيات الإنسانية.
Bog aan la aqoon
تناولت صبا في هذا الكتاب موضوعات هامة من قبيل: الحرية، خريطة الحركة التقوية، الحجاج أو فن الإقناع، الأخلاق العملية والتقاليد، دور الشعائرية ... وقد قادتها هذه الدراسة إلى سؤال العلمانية معتبرة أن قضايا: الإجهاض، ترسيم البابوات والأئمة الشواذ، ارتداء الحجاب، إعلان الدين أو الأيديولوجيا، النزاعات حول الإجهاض، زواج المثليين ... لا تهم مجتمعات ذات غالبية مسلمة وحدها، بقدر ما تهم أيضا العالم العلماني الذي جرب العلمنة لقرون. فبعد أن فرض المسلمون أنفسهم في الغرب عاد النقاش إلى المجال العام حول دور الدين في الحياة المعاصرة حيث تقول: «إن تداخل الدين مع الحكم المعاصر لا يطغى فقط على المجتمعات غير الغربية، إنما أيضا على تلك الدول التي تعد نماذج مثالية لما ينبغي أن تكون عليه الدولة العلمانية، وهذا يتضح في التنظيم القضائي والتشريعي القائم لبعض جوانب الحياة الدينية في الولايات المتحدة وفرنسا وبريطانيا» (العلمانية والاختلاف الجنسي والحرية الدينية، ترجمة: نورة آل طالب). فاهتمامها بالحياة الاجتماعية للقانون، خصوصا أن العديد من القضايا المعروضة على المحاكم عن حق الحرية الدينية في الشرق الأوسط تخاض ليس في المحاكم فحسب، ولكن من خلال الحملات الشعبية التي تطلق في المجالات الثقافية والسياسية؛ فيتشكل شعور الناس عما تعنيه الحرية الدينية من الجدل القائم بين منظمات حقوق الإنسان والحقوق المدنية وحقوق الأقليات؛ لذلك تركز بحثها في مصر حول العمل مع ممارسي النشاط الحقوقي، ولا سيما أولئك الذين يستخدمون البروتوكولات الدولية لحقوق الإنسان في استراتيجياتهم القانونية وحملاتهم الشعبية.
يتعلق الأمر إذن بالاهتمام بمكانة الرأي العام وحيزه في النقاش العمومي، وهذا ما دفع الباحث جوليان بوجي في قراءته لهذا الكتاب إلى القول: تجسد صبا محمود فكرة غاستون باشلار حول الرأي: الرأي تفكير سيئ، إنه لا يفكر بتاتا، يترجم المعارف إلى حاجات؛ لأن الأطروحة الليبرالية تعتقد أن «طرح الخطاب عن الحرية الدينية، خاصة في صيغتها الفردانية، سيؤدي إلى اختراق دائرة الدين والأسرة والاختلاف الجنسي؛ حيث إن القوة الحاسمة لذلك الخطاب من شأنها أن تخلخل الدعامة الصلبة لتلك الدائرة، ولكن وكما أظهر تحليلي، فإن الخطاب الدائر حول حق الحرية الدينية عمق من تلك الدائرة على عكس ما يظن، مستثمرا بصورة أكبر الهويات الأقلية والأغلبية في هذه المباحثة. وحقيقة أن هذا الطرح تحقق جزئيا عبر قوى عابرة للحدود القومية ممثلة في السلطة والقانون تذكرنا بأن مسائل كهذه لا تحسم ثقافيا فقط بل جيوسياسيا». وهنا نتلمس مكمن الخلل في النظرة المعيارية للدين فيه «من الآثار المترتبة المتناقضة لعلمنة المجتمعات الإسلامية هو أنه مثلما أصبح للسلطة الدينية دور هامشي في إدارة الشئون المدنية والسياسية، هي في الوقت ذاته تكتسب مكانة مميزة في تنظيم العلاقات الأسرية والجنسية. بعبارة أخرى، نتج عن الخصخصة المتزامنة للدين والجنسانية في العالم الإسلامي اندماج الاثنين (الدين والجنسانية) اندماجا حتميا؛ حيث إن مسائل الهوية الدينية للغالبية المسلمة والأقليات غير المسلمة على حد سواء غالبا ما يستتبعها نزاعات حول الجندرية والزواج والأسرة. ورغم أن بعض جوانب القصة حول خصخصة الدين والأسرة يتشارك فيها الجزء الغربي وغير الغربي، إلا أن ما هو مميز بشأن المجتمعات ما بعد الكولونيالية أنه في أغلب الحالات لا يزال قانون الأسرة يدار بما يتوافق مع الإرشادات الدينية فقط، دون الرجوع إلى القانون المدني». فهل تستطيع قوانين الأسرة أن تحل العديد من المشكلات المرتبطة بالحياة الفردية الخاصة للمسلمات؟ وهل بإمكان النظرة المعيارية أن تذهب بعيدا في ضمان الاستقرار والتعايش في ظل تزايد مشكلات الاندماج الاجتماعي والتعدد الثقافي والإثني جراء مشكلات الهجرة التي تسببت فيها عشرات الحروب؟ هناك بعض المميزات الخاصة ببعض الدول كما هو حال قانون الأسرة في لبنان الذي يعرض الخلافات الزوجية على المحاكم الأهلية (حوالي 18 قانونا أهليا).
استطاعت صبا محمود أن تلفت النظر إلى أهمية الالتزام الأنثروبولوجي من خلال حثها على «التفكير بطريقة نقدية حول اختلاف فريد من نوعه في العلوم الإنسانية، يستحق الاهتمام والاستكشاف». فمعها تولد مجال بحث واعد يجد مكانته فيما تعيشه مجتمعاتنا من تطورات وأوضاع ستعمق نقاشات سياسية وأيديولوجية ضرورية للرقي بأوضاعنا؛ فالجدل الدائر حول الحجاب والحدود بين الحرية الفردية والحرية الجماعية، نابع أساسا من تطلع أجيال اليوم إلى الحرية التي لا تقبل المساومة أو المهادنة باعتبارها أساس الوجود الإنساني؛ حرية لا يمكن أن يحد منها خطاب العنف وممارسته الفعلية ضد المختلف والمعارض والمنتقد؛ لأن اللجوء إلى العنف المادي والرمزي معا دليل على قرب نهاية وأفول أيديولوجيا وفكر دوغمائي وإقصائي لا يريد أن يساير التحولات الجارية في كافة المجالات.
نادية دو موند: الوعي بالذات خطوة أولى لتحرير النساء
نادية دو موند
Nadia de Mond
واحدة من أبرز نساء الفكر الماركسي التروتسكي الأكثر دفاعا عن نسوانية دينامية قادرة على الرقي بالوضع النسائي نحو التحرر، دشنت نضالها السياسي فكريا وعمليا.
سنسلط الضوء في هذه المقالة على جانب من جوانب فكرها المدافع عن مجتمع المساواة بين الرجل والمرأة في سبيل تحرير المجتمع المعاصر من كل أنواع وأشكال البطريركية، وهي تستند في مقالاتها على جهود فريديريك إنجلز في كتابه: «أصل العائلة والملكية الخاصة والدولة» والذي تعيد النظر في بعض حججه التي استقاها من الدراسات الأنثروبولوجية المعاصرة له. فكيف تفهم نادية دو موند إذن المجتمع الذكوري؟ هل هناك تغييرات جذرية في التحليلات الأنثروبولوجية التي أتحفنا بها منظرو القرن التاسع عشر لأصل المجتمعات البشرية؟
تفيد النسوانية في نظر نادية أمرين:
أولا:
Bog aan la aqoon
الوعي بمكانة النساء في المجتمع البطريركي؛ فالنظام الأبوي يوجد دوما في علاقة مع مختلف أشكال إعادة الإنتاج الاجتماعي والاقتصادي. وفي هذه المرحلة من هذا القرن يعني الاعتراف بأن النظام البطريركي مستمر في وجوده ضمنيا مع الرأسمالية النيوليبرالية.
ثانيا:
تحرر النساء؛ أي تحرر نصف النوع البشري، ونصف الطبقة العاملة. إنها إذن وسيلة وأداة لا غنى عنها في الكفاح من أجل تحرر البشرية جمعاء.
هكذا دشنت التفكير في ثلاث قضايا متصلة بنضال الحركة النسائية: أصل وطبيعة النظام الأبوي، ركائز وأعمدة النظام الأبوي، مفهوم النوع الاجتماعي.
تنطلق نادية دو موند من سؤال هام لمقاربة موضوع الذكورية: هل كانت الهيمنة الذكورية موجودة دوما في تاريخ البشرية؟ وتعمد في ذلك إلى دحض أحكام الرجعيين ممن يعادون حقوق المرأة ويسعون بجد إلى استعبادها نتيجة أفكار خاطئة ولا تاريخية وهي:
إن تبعية المرأة للرجل أمر طبيعي؛ لقد كان الأمر دوما هكذا.
تؤدي الاختلافات البيولوجية القائمة تلقائيا إلى الاختلافات الاجتماعية والثقافية؛ وبالتالي إلى تراتبية هرمية بين الجنسين .
تؤدي القوة العضلية الكبرى للرجال إلى الهيمنة.
وتجابه هذه الافكار التي تفتقد أي منهج علمي صريح، لتبقى مجرد تمثلات نجدها طاغية لدى بادئ الرأي، بتأكيدها أننا كماديين تاريخيين نجيب عن هذا بسهولة: (1)
أن القوة العضلية نسبية جدا وترتبط بالتدريب والنظام الغذائي ... (2)
Bog aan la aqoon
أن القوة الطبيعية في مجتمعاتنا الحالية ثانوية في إشباع حاجياتنا بالنظر إلى التكنولوجيا التي نستعملها.
فالعودة إلى ما قبل التاريخ تستوجب أولا دراسة عملية دقيقة لتجاوز مجموع الأساطير التي تحبك من قبيل أن الرجل صياد بارع، طور خصائص فيزيولوجية ونفسية للهيمنة؛ كالعدوان، والمكر، والتخطيط الاستراتيجي ... لهذا تدعو إلى ضرورة فحص أمهات الكتب، متسلحين بسؤال: هل كانت الهيمنة الذكورية موجودة دوما؟ نعود - على الأغلب - في الأدب الماركسي إلى الكتاب الهام لإنجلز في نهاية القرن التاسع عشر: «أصل العائلة، والملكية الخاصة، والدولة» (الذي ارتكز على الحوارات مع ماركس وملاحظاته؛ والذي لم تتح له الفرصة لتركيبها).
لم يكن إنجلز متفقا مع كون فكرة اللامساواة (الاستغلال، الجور) بين الأشخاص موجودة دوما؛ فبناء على الدراسات الأنثروبولوجية الأولى للويس مورغان
Lewis H. Morgan
اتفق إنجلز مع فرضية وجود مجتمع بدائي مبني على المساواة، المشاعية، بدون طبقات، الذي يسميه «الشيوعية البدائية» (أو المشاعية البدائية) والتي لم تكن فيها المرأة تابعة في وضعها إلى الرجل.
كان إنجلز بحق يفكر على العكس تماما بأن هذه المجتمعات كانت أمومية؛ حيث أسست النساء النواة القارة للعشيرة، وكن من يحددن النسل؛ وبالتالي يتمتعن بسلطة واسعة وباحترام كبير من قبل الرجال. وقد بينت الدراسات الأنثروبولوجية الحديثة خطأ هذه الفكرة. بحيث لا يمكن الحديث عن مجتمعات أمومية، وإنما عن عصر أمومي.
لا يمكن الحديث عن نظام أمومي حقيقي، حيث يخضع الرجال للنساء، ليس فقط من حيث إن لهن دورا هاما داخل تقسيم العمل، وفي الاقتصاد المنزلي أو في اتخاذ قرارات تتعلق بالعمل المنزلي (كما هو اليوم على سبيل المثال عند قبائل الموسو
Mosuo
في الصين)،
1
Bog aan la aqoon
وإنما حينما تخترق سلطتهن الفضاء العمومي والعلاقات الخارجية؛ حينما يتخذن قرارات هامة تتعلق بالجماعة، ومنها أساسا سلطة معيرة/ضبط ومراقبة السلوك الجنسي لدى الرجال. ويقود هذا أيضا إلى سلطة تحديد القيم والأنظمة الرمزية. هكذا ترى نادية أن إنجلز قد فشل وأخطأ في حكمه على مجتمعات ما قبل التاريخ لهذا الاعتبار، غير أن خطأه لا يعني بطلان المنهجية التي استخدمها، والتي نلخصها فيما يلي:
أولا: ربط وضعية النساء بالسياق المادي، الاقتصادي، والاجتماعي، وبالتقسيم الجنسي للعمل، وبمساهمة كل جنس في تغذية القبيلة. ثم؛ وهذا مناسب تماما؛ بعد معرفة أن إعادة الإنتاج البيولوجي والاجتماعي كعامل ورهان هامان بالمقارنة مع الإنتاج المادي. إنه نقاش راهن في الحركة النسوية، وفي مدارس المادية الجدلية، والتي تعيد النظر حاليا في قيمة العمل: الإنتاج وإعادة الإنتاج في الموجة الثالثة للرأسمالية.
وبحسب الدراسات الأنثروبولوجية المعاصرة، يوجد في كل الحضارات المعروفة في التاريخ شهادات مكتوبة حول اضطهاد النساء ابتداء من 1500 سنة قبل الميلاد؛ ولهذا تفحص نادية مرحلة ما قبل التاريخ، والتي تمتد ما بين 35 ألف و6000 سنة قبل الحضارات، والمسماة بالعصر الحجري القديم جدا، حيث لا توجد لدينا أي شهادات مكتوبة.
كيف حدد المؤرخون والأنثروبولوجيون هذه المرحلة؟
تستند نادية على قول ج. ليرنر
G. Lerner : «نربط بين القطع (أدوات، مقابر، فخار، ما تبقى من المباني، هياكل عظمية ...) والأساطير التي وصلتنا شفويا، ونقارنه مع ما نتعلمه من الشعوب البدائية التي لا تزال موجودة اليوم».
ليس لدينا إذن أدلة دامغة، بل نقدم فقط افتراضات، ونحاول بفضل هذه الدراسات العلمية القيام بتغذية المادية التاريخية بوضع نساء ورجال ما قبل التاريخ في سياق جغرافي وبيئي. حيث كانت المجتمعات البشرية الأولى تتشكل من مجموعات صغيرة (عشائر، قبائل ...) غير مهيكلة، بدوية، مع تنظيم محكم للعمل. كانوا يعيشون من جني الثمار وصيد الأسماك والطرائد الصغيرة؛ وهو صيد يشارك فيه الجميع، ويستهلك الجميع كل ما يصطادونه، دون أن يحصل هناك أي فائض.
بدأ أول تقسيم للعمل (احتمالا) مع صيد الطرائد الكبيرة - بالتزامن مع التطور التكنولوجي في إنتاج الأسلحة - الذي يتطلب اللحاق بها مدة طويلة، وأحيانا غيابا غير متوقع، وهو ما يصعب التوفيق بينه وبين الحمل والرضاعة. هذا ناهيك عن أن النساء يتفرغن لإعادة الإنتاج الطبيعي للعشيرة، ومن غير المناسب وضع حياتهن في خطر.
بدأ تقسيم العمل وظيفيا، ولا يرتبط «بالقدرات الفيزيائية»؛ ففي الواقع هناك على سبيل المثال مشاركة الإناث العزباوات اللواتي لا يملكن أطفالا؛ في الصيد. لا تلغي الفروق الجنسية المساهمة المشتركة لكلا الجنسين في الحفاظ على بقاء الجماعة، كما لا تقلل من قيمة جنس لحساب جنس آخر. وأكثر من ذلك، ففي معظم مجتمعات الصيد وجني الثمار، في الحاضر كما في الماضي، لا يمثل الصيد إلا نشاطا مساعدا وعرضيا؛ حيث تساهم النساء ب 60٪ من الغذاء. وللقيام بذلك عليهن أن يتحركن على مساحات كبيرة من الأراضي حاملات أطفالهن. وتتطلب أنشطتهن المتنوعة معرفة عميقة بالوسط، وبالنباتات والمناخ، وبخصائصها الغذائية والطبية: الحفاظ على النار، اختراع الأواني وامتهان الفخار. ناهيك عن كل الأعمال المرتبطة بالطرائد الكبيرة التي يجلبها الرجال في الصيد (الطبخ، الحفاظ على المئونة، الخياطة ...)
هناك شيئان ساهما بشكل أساسي في ضمان بقاء القبيلة: إنتاج الغذاء، وإعادة الإنتاج الطبيعي؛ حيث لعبت النساء دورا قياديا، علاقة غامضة بالحياة وبالموت، لقد وجدن في مختلف الأماكن مجموعة من تماثيل «الأمهات الإله» والتي تشهد على عبادة النساء اللواتي يتمتعن بالقدرة على إعادة الإنتاج، وبالاحترام خشية من سلطة المرأة التي يمكن أن يستوحيها الرجال.
Bog aan la aqoon
تخلص، س. كونتز
S. Coontz
إلى القول: «أكدت الدراسات الراهنة صحة استنتاجات إنجلز: لقد كانت العلاقات بين الجنسين متكافئة/المساواة في مجتمعات الصيد والجني البدائية، في حين يزداد وضع المرأة تفاقما مع ظهور التفاوت الاجتماعي، والملكية الخاصة والزراعة والدولة.»
كانت - في نظر نادية دو موند - معظم مجتمعات الصيد وجمع الثمار في مجتمعات الأمومة تعيش بسلام (على الأقل في ظروف بيئية مناسبة) مع القبائل الأخرى التي تلتقي معها من حين إلى آخر. ففي مجتمعات الأمومة (حيث الزوج يقيم في بلدة الزوجة الأصل من أمها- الأميسية) بشكل عام، فإن وضعية المرأة أفضل من وضعيتها في مجتمعات أبوية (حيث تقيم الزوجة في بلدة الزوج الأصلية-الأبيسية) وهذا بديهي.
قام جدل كبير بين الأنثروبولوجيين حول أسباب التطور من المجتمع الأمومي إلى المجتمع الأبوي ، وطرحت العديد من الفرضيات منها:
الحصول على أكبر عدد ممكن من النساء لضمان استمرار وبقاء العشيرة.
تندمج النساء ببساطة في القبائل الجديدة لأنهن لا يستطعن مغادرتها بسبب الأطفال.
تظل النساء في قبيلتهن الأصلية لأنهن مناسبات للعشيرة أكثر من الرجال - الصيادين الكبار - بفضل معرفتهن أكثر بالأرض.
غير أنها تبقى مجرد فرضيات تستوجب تحقيقات أنثروبولوجية دقيقة نفتقر إلى وسائلها اليوم للخروج بخلاصات مبرهنة ومقبولة، وقادرة على تفسير عمليات الانتقال تلك حسب المناطق؛ لأنه يستحيل أن يكون الانتقال واحدا في جماعات مختلفة يبعد بعضها عن البعض ولا تتصل الواحدة بالأخرى؛ جراء كون المنافسة والصراع أساس تدبير العلاقات القبلية في المجتمعات البدائية.
هكذا يبدو من الواضح في جميع الحالات أن اللامساواة تطورت قبل انقسام المجتمع إلى طبقات، بحيث حدثت تغيرات اجتماعية هامة مع ظهور الزراعة المستقرة - ثورة العصر الحجري الحديث - حوالي عشرة آلاف سنة قبل الميلاد في الشرق المتوسط، وحوالي 13 ألف سنة قبل الميلاد في كامبوديا، وازدهرت هذه الزراعة في أوروبا خلال ستة آلاف سنة قبل الميلاد.
Bog aan la aqoon
يتطلب استعمال المحراث في البداية قوة ذكورية (قبل استعمال الأبقار). وهذا ما عزز رقابة الرجال على الفائض. ولجمع المحاصيل الاستهلاكية يتوجب مضاعفة عمل النساء لتحويل الفائض إلى مخزون، إضافة إلى الأنشطة الأخرى من الإنتاج الاجتماعي: النسج، الخزف، الغسيل، الصيانة ... فليس للنساء هوايات، على عكس الرجال الذين يتمتعون بأشياء أخرى (مهن أخرى أو طقوس).
تستند نادية في هذه المعطيات إلى معيار منهجي مادي واضح: إن البحث في الأثر المادي الملموس لوضعية النساء في المجتمعات البدائية يمنحنا إمكانية فهم الأسس الأولية التي قامت عليها اللامساواة بين الجنسين قبل ظهور المجتمعات الطبقية بالشكل الذي ستتطور فيها إلى حدود الوضع الذي نعيشه اليوم في ظل سيطرة الرأسمالية على مجمل مجالات الوجود البشري. فالنظام الأبوي-البطريركي نظام هيمنة يبني كل مجالات الوجود، ولا تستطيع الرأسمالية القضاء عليه ما دام هو معيارا لضمان تراتبية اجتماعية وسياسية تخدم مصالح الطبقات المالكة لوسائل الإنتاج؛ لذا فإن عملية إعادة الإنتاج كلها تتجه بهذا القدر أو ذاك نحو الحفاظ على الهيمنة الذكورية، رغم الاعتراف بالمساواة وتوسيع هامش انخراط النساء في دائرة العمل خارج المنزل؛ مما يشي بتحويل الاستغلال إلى جوانب أخرى وهوامش كانت بالأمس حكرا على الذكور.
وفي بحثها للحقبة الراهنة حيث تسيطر الرأسمالية العالمية على كل العالم، ترى أن النساء يستعملن كجيش احتياطي للصناعة (ماركس) في الاقتصاد الرأسمالي - يدمج في فترات التوسع الاقتصادي ولكن يسرح في فترة الانكماش الاقتصادي أو فترات الأزمة. ويتم تبرير هذه الممارسة بفكرة أيديولوجية مفادها أن الرجل هو من يلبي أساسا حاجيات الأسرة، وأن المكان الطبيعي للمرأة هو المنزل كربة بيت. كما تستخدم النساء مكان قوة العمل الذكورية لإضعاف الطبقة العاملة وتقسيمها، كما تستعمل النساء بطبيعة الحال في أقسام «ضعيفة»، «هامشية» من الطبقة العاملة كما هو حال المهاجرين. ويؤدي ذلك إلى اشتغال النساء بأجور زهيدة، وفي ظروف عمل جد هشة؛ ليتمكن من الجمع بين الشغل من أجل السوق وبين مهام إعادة الانتاج الأسري. وهو ما يؤدي إلى وظائف غير مضمونة ومؤقتة ... ومعاش بئيس. وبالجملة تجد النساء في وضعية استقلال اقتصادي جزئي بالمقارنة مع الرجال.
نشهد حاليا تأنيثا حقيقيا لعالم الشغل، وهذا لا يعود إلى الزيادة القوية في عدد النساء النشيطات في الاقتصاد في العقود الأخيرة وفي كل العالم الرأسمالي المعولم، وإلى استعمال ما يسمونه تأنيث الشركات: القدرة على ربط العلاقات والتواصل، الاهتمام والعناية بالمهمة، التفاني، الليونة، الانصياع كطباع ... الاندماج الهش في عالم الشغل؛ ارتباط لين بالشركة؛ ساعات عمل متغيرة في خدمة الشركة بين وقت العمل وانشغالاتها (وقد تصحب معها العمل إلى المنزل). لقد صار هذا نموذجا لجميع الأجراء رجالا ونساء. إننا نتحدث عن استغلال مزدوج للنساء اللواتي يزاولن عملا مأجورا.
تعرج نادية على الإشارة إلى مقاربة هامة لتيار جديد من النسوية نسميه نسوية العناية، حيث الاهتمام متزايد بوضع النساء في عالم الشغل؛ كساعات الرضاعة للتخفيف من حدة التوتر جراء العمل وللزيادة في المردودية. ونفس الشيء بخصوص القروض الصغرى حيث تعمد الرأسمالية إلى انسحاب الدولة من مسئوليتها تجاه مواطنيها ، من خلال تحميلهم المسئولية في ضمان عملية إعادة الإنتاج؛ فعلى الفرد وخاصة النساء اللواتي يزاولن عملا اجتماعيا غير مؤدى عنه أن يتحملن المسئولية في إعالة أسرهن؛ لذلك تقدم لهن قروض بشعة بدعوى التنمية الذاتية والمستدامة. إنه استعباد جديد ما بعده استعباد.
ولهذه «العناية» تأثير حقيقي على ولوج النساء للمجال العمومي، ففي بلدان أفريقيا الشمالية وفي أغلب دول الخليج والشرق المتوسط لا تزال النساء مقصيات من العملية السياسية ومحرومات من حقوقهن الدستورية، ويتعرضن لكل أشكال الاضطهاد في المجال العام. فإذا استطاع الجيل الأول من الحركة النسوية في عشرينيات القرن الماضي انتزاع مكاسب المشاركة السياسية: الحق في التصويت (حصل في أوروبا بعد الحرب العالمية الثانية) وفي ولوج المؤسسات العمومية كما هو الحال في أوروبا مثلا فإن ذلك الولوج لا يزال ضعيفا حتى في المجتمعات الغربية؛ لأن نسب النساء في الحكومات والبرلمانات والمجالس الجهوية والإقليمية لا يزال محتشما بالمقارنة مع حضور الرجال.
توهمنا الليبرالية أن ولوج النساء للفضاء العام قد تحقق بشكل يخدم المساواة ولكن في حقيقة الأمر لا تزال النساء حبيسة المنازل كرقم هام في عملية إعادة الإنتاج، وفي العمل الاجتماعي غير المؤدى عنه.
جوديث بتلر فيلسوفة النوع والهوية: كيف نعيش حياة حقيقية ضمن حياة زائفة؟
تعد الفيلسوفة جوديث بتلر
Judith Butler ، أبرز زعماء النظرية النقدية المعاصرة (الجيل الثالث). وهي يهودية أمريكية ذات أصول روسية-مجرية، عانت عائلتها من الاضطهاد النازي، وفقدت جزءا من عائلتها في المحرقة النازية (حيث أبيدت عائلة جدتها في قرية صغيرة في جنوب بودابست). ولدت الفيلسوفة يوم 24 فبراير (شباط) 1956 بكليفلاند بولاية أوهايو. واهتمت بالفلسفة السياسية والاجتماعية ونظرية الأدب والدراسات الثقافية والجنسانية والنوع الاجتماعي والهوية. حصلت سنة 1984 على أطروحة الدكتوراه من جامعة يال، حول مفهوم الرغبة عند هيغل، ونشرت رسالتها سنة 1987 تحت عنوان: «ذوات راغبة: تأملات هيغيلية حول فرنسا القرن العشرين»، وطورت فيها فهما جديدا للعلاقة بين الرغبة والاعتراف (دمج لفكر اسبينوزا وهيغل).
Bog aan la aqoon
غادرت سنة 1993 جامعة جونس هوبكينز، بعد حصولها على كرسي ماكسين إليوت بشعبة البلاغة والأدب المقارن بجامعة بيركلي بكاليفورنيا ، وهي السنة التي أصدرت فيها دراستها الشهيرة «هذه الأجساد التي يجب اعتبارها». كما حصلت سنة 2006 على كرسي حنة آرنت للفلسفة في كلية الدراسات الأوروبية العليا بسويسرا. وانتخبت سنة 2009 رئيسة محكمة هوسرل حول فلسطين، والتي تجمع المثقفين الأمريكيين حول القضية الفلسطينية لحشد شروط سلام دائم وعادل بين إسرائيل وفلسطين؛ وذلك بفضل موقفها الثابت من رفض وشجب عنف الدولة الإسرائيلية.
تنتمي جودي (كما يحلو لأصدقائها الجامعيين مناداتها)، إلى النظرية النقدية المعاصرة، بفضل إسهاماتها المتعددة حول قضايا فلسفية متنوعة، حافظت من خلالها على إرث مدرسة فرانكفورت؛ لذلك حصلت سنة 2012 على جائزة أدورنو الذائعة الصيت، عن جدارة واستحقاق، رغم هجوم الصهاينة عليها علنا. وهناك الكثير من الدراسات التي اهتمت أخيرا بفكرها الفلسفي والسياسي، منها تحديدا: «الفلسفة السياسية عند جوديث بتلر»، من تأليف بيرجيت شيبرز (2014)، الذي عالج فيه سياسات تشكل الذات، فلسفة الإنسان السياسية، مفارقة العنف، نحو مجتمع ما بعد العلمانية. إلى جانب الدراسة النقدية التي أنجزها ستيفان هابر سنة 2006. تحت عنوان: «نقد مناهضة النزعة الطبيعية: دراسات حول فوكو وبتلر وهابرماس»، ناهيك عن مئات المقالات، وسيرتها التي كتبتها سارة صالح تحت عنوان: «جوديث بتلر» (2002)، وفحصت فيها مفاهيم: الذات، والجنوسة، والجنس، واللغة، والنفس.
تشكل الفكر الفلسفي لبتلر منذ مراحل مبكرة من حياتها. وقد جالت في الفكر الحديث، وساجلت اسبينوزا وروسو وهيغل وكانط، وطورت فلسفة فوكو وفرويد والتوسير وجاك لاكان وهابرماس وجاك دريدا وسيمون دي بوفوار، في حوار معها، مع مجلة الفلسفة (العدد 66)، قالت بتلر، إن علاقتها بالفلسفة بدأت من قبو منزلها العائلي، حيث وضع والداها كتابات فلسفية مختلفة: «هناك قرأت اسبينوزا (كتاب الإثيقا) وكيركغارد وآخرين». بعد اطلاعها على هيغل، ستتبنى بتلر مفهوم الاعتراف الذي أثر في حياتها السياسية والفلسفية فيما بعد؛ نظرا لالتصاقه بوضعها الذاتي؛ فالرغبة في العيش، كما تحدث عنها اسبينوزا، غير ممكنة في نظرها إلا من خلال الاعتراف الهيغلي، بحيث لا يرتبط الاعتراف بتحقيق الرغبة في العيش فقط، وإنما العيش بطريقة حرة ومختارة، أي أنه يطرح سؤال الهوية تحديدا التي لا تنظر إليها كشيء ثابت ومحنط، بل كهوية تتشكل بحسب الظروف التي ينمو فيها الفرد، وبفضل تنشئته الاجتماعية التي يخضع لها. وهكذا فمعرفة الذات لا تتم من خلال الغير ولا ترتبط به؛ لأنها قد تكون هوية غير اجتماعية، أو خاضعة لمعيارية اجتماعية هي بمثابة أحكام قبلية غير صحيحة؛ لذلك نقرأ لها في كتابها «الذات تصف نفسها»: «بينما نحن نطلب معرفة الآخر، أو نطالب الآخر أن يعرف نفسه على نحو نهائي ومؤكد، فإن من المهم لنا ألا ننتظر جوابا شافيا بأي حال.
إننا بامتناعنا عن السعي إلى القناعة، وبإبقائنا السؤال مفتوحا، بل حتى ثابتا، نمنح الآخر فرصة أن يعيش ما دام بالإمكان فهم الحياة بوصفها، على وجه الدقة، ذلك الذي يتجاوز أي وصف قد نقدمه له ... إذا كان في السؤال رغبة في الاعتراف، فعلى هذه الرغبة أن تبقي نفسها حية بوصفها رغبة وألا تحل نفسها ... إن الرغبة يجب أن تدوم. في الواقع، يكون الإشباع نفسه، أحيانا، الوسيلة التي يتخلى بها المرء عن الرغبة، الوسيلة التي ينقلب المرء بها ضدها، ويرتب لموتها السريع.»
من المعلوم أن سؤال الرغبة والحاجة إلى الاعتراف عند جودي، ليس أمرا معزولا عن العلاقة مع الغير، كما أنه لا ينفصل كليا عن سؤال الهوية وعلاقتها بالذات؛ فالهوية ليست سابقة على الوجود الاجتماعي بالقدر الذي يكون فيه هذا الوجود هو أساس الهوية. وقد استعارت جودي هنا، عبارة سيمون دي بوفوار: «المرأة لا تولد امرأة، بل تصبح كذلك»، وهو ما يقود إلى التساؤل حول الهوية (وأساسا الهوية الجنسية) التي تتميز اليوم بالتعدد والتنوع: كيف يمكن الاعتراف برغبتي؟ وكيف تؤسس المعايير لهذه الرغبة؟ وهل يمكنك الاعتراف برغبتي لأتصرف كراغبة في شيء ما، ولربما ما يحلو لي؟ لذلك تصرح: «عندما أطرح السؤال الأخلاقي: كيف يتوجب علي أن أعامل الآخر؟ أنا أقع مباشرة في قبضة مملكة من المعيارية الاجتماعية، ما دام الآخر لا يظهر، ولا يشتغل بوصفه آخر بالنسبة لي، إلا ضمن إطار أستطيع أن أراه وأفهمه في انفصاله وخارجيته. وهكذا، فرغم أني قد أفكر في العلاقة الأخلاقية بوصفها ثنائية، أو بالأحرى سابقة على الاجتماعي، فإني لا أقع في قبضة مجال المعيارية وحسب، ولكن في إشكالية القوة ... فالقواعد لا تعمل على توجيه سلوكي وحسب ولكنها تقرر النشوء الممكن للقاء بيني وبين الآخر.» (الذات تصف نفسها 69). تحاول جودي الجواب عن سؤال طرحته في خطابها، بمناسبة نيلها جائزة أدورنو (خطاب تحت عنوان: «أخلاق لعصر هش»): كيف يمكن أن نعيش حياة حقيقية ضمن حياة زائفة؟ بحيث يقر أدورنو أنه «لا توجد حياة حقيقية ضمن حياة زائفة»، حياة حقيقية داخل عالم مبني بشكل واسع على اللامساواة والاستغلال والإقصاء. إنه سؤال مركب يطرح من خلاله أدورنو العلاقة بين الأخلاق والشروط الاجتماعية، أو بصيغة أعم، العلاقة بين الأخلاق والنظرية الاجتماعية. تصرح بتلر: «أحبذ أن أظهر أنه لا يمكننا أن نناضل من أجل حياة جيدة؛ حياة تستحق العيش، دون الاستجابة للحاجيات التي تسمح للجسم بضمان الاستمرارية.» لذا فكيف يمكن التفكير في حياة قابلة للعيش دون افتراض تصور مثال واحد أو موحد لهذه الحياة؟
فحصت جودي في خطابها ذاك، سؤال الحياة الجيدة عند حنة آرنت، وتقول: «ميزت حنة آرنت بشكل حاسم في كتابها «حياة الذهن» (1971) بين الرغبة في العيش والرغبة في العيش الكريم، أو بالأحرى الرغبة في حياة جيدة. لم يكن البقاء بالنسبة لحنة آرنت ولن يكون هدفا في ذاته، ما دام أن الحياة لم تكن أصلا جيدة؛ فالحياة الجيدة وحدها تستحق أن تعاش. لقد وضعت بسهولة حلا لهذه المشكلة السقراطية، ولكن - كما يبدو على الأقل - بشكل متسرع جدا. لست متأكدة من أن إجابتها ستنقذنا في إغاثة، كما أني لست مقتنعة أنه ذات يوم ستكون إجابة فعالة»؛ فآرنت «تفصل أساسا، حياة الجسد عن حياة الذهن، وبموجب هذا، أقامت في كتابها (شرط الإنسان الحديث)، تمييزا بين الفضاء العمومي والفضاء الخاص. يضم الفضاء الخاص عالم الضرورة، إعادة إنتاج الحياة المادية، الجنسية، الحياة، الموت، والطابع الانتقالي للحياة. كانت تعتبر بشكل واضح، أن الفضاء الخاص يدعم الفضاء العمومي للفعل والفكر. ولكن السياسة في تصورها، تتحدد بالفعل، في الإحساس الفعال بالكلام. كما يصير العمل اللفظي، أيضا، فعلا سياسيا في الفضاء التداولي والعمومي؛ ما يجعل دخوله للفضاء العمومي ينطلق من الفضاء الخاص؛ وبالتالي فالفضاء السياسي يعتمد أساسا على إعادة إنتاج الخصوصي كجسر واضح، من الخاص إلى العام.»
هكذا تصل بتلر إلى أن التحرك السياسي في الفضاء العمومي، لا يتم فقط عبر الجسد، على أن طرق التجمع والغناء أو الهتاف، أو حتى الصمت في الشارع هي جزء لا يتجزأ من البعد الأدائي للسياسة، حيث يتحدد الخطاب كفعل جسدي من ضمن أفعال جسدية أخرى. تتصرف الأجساد حينما تتكلم، وهذا مؤكد، ولكن الكلام ليس وحده طريقة للفعل بالنسبة للأجساد؛ ومن المؤكد أنه ليس وحده شكلا للتحرك السياسي.
تعتبر جودي من دعاة الحل الثالث للقضية الفلسطينية: البحث عن الاعتراف المتبادل بين الشعبين؛ أي تسوية للعيش المشترك حيث الأمن والاستقرار. غير أن هذا الأمر يرتبط بالفلسطينيين وبقرارهم الذي تعتبره القرار الحاسم. وقد تذكرت موقف إدوارد سعيد الذي تراجع عن حل الدولتين حيث تقول: «من وجهة نظري أن شعوب هذه الأراضي، يهودا وفلسطينيين، يجب أن يجدوا طريقة للعيش سوية على أساس المساواة. ومثل الكثيرين، أتطلع إلى كيان ديمقراطي على هذه الأراضي، وأؤيد مبدأ تقرير المصير والعيش المشترك لكلا الشعبين، وفي الواقع، لكل الشعوب. وأمنيتي، كما هي أمنية عدد متزايد من اليهود وغير اليهود، أن ينتهي الاحتلال، ويتوقف العنف بكافة أشكاله، وأن يتم ضمان الحقوق السياسية الأساسية لكافة الشعوب في (هذه) الأرض عبر تركيبة سياسية جديدة.» ويعود ذلك، إلى اكتشافها الفكر اليهودي في سن الرابعة عشرة من عمرها كما تقول (مجلة الفلسفة العدد 66): «تابعت الدروس حول الدين والعبرية في معبدي بمدينة كليفلاند، كما اطلعت أيضا على الروايات والكتب حول إسرائيل والهولوكوست. لقد شغلتني هذه المسألة منذ مدة طويلة، وتحضر في الكثير من كتبي»؛ منها على سبيل المثال: «الخطاب المثير: سياسات الأداء» (1997)، و«الحياة النفسية للقوة: نظريات في الإخضاع». وتشكل جودي مثالا ل «المثقفة الجريئة المتعاطفة»، كما وصفها البيان التضامني للمثقفين الفلسطينيين بعد الهجوم الذي تعرضت له سنة 2012 إبان ترشيحها في ألمانيا؛ فهي عضو في الهيئة الاستشارية ل «الصوت اليهودي من أجل السلام»، وممثلة في اللجنة التنفيذية ل «أساتذة من أجل السلام الفلسطيني-الإسرائيلي، في الولايات المتحدة الأمريكية»، وفي «مؤسسة مسرح الحرية في جنين».
تطرح بتلر دوما السؤال (مجلة ف.ع.66): هل ينبغي لزوم الصمت؟ هل ينبغي إنكار الوضع اليهودي تحت ذريعة أننا لا نقبل سياسة إسرائيل؟ لا، فإسرائيل لا تمثل كل اليهود، والصهيونية ليست زعيمة اليهودية؛ لأنه «لا يمكنني شخصيا، أن أكون يوما مناهضة للسامية. كنت ساذجة! وصرخت أولا، في وجه هذه الاتهامات في ألمانيا سنة 2012. حينما حصلت على جائزة أدورنو، بأن هذا ليس إلا لغوا، ولكن ليس الأمر كذلك، إنه حقا أمر جدي ... كانت هذه التجربة صادمة، ومؤلمة جدا. بالنسبة لليهودي، لا يوجد امتحان أسوأ. وبالنسبة لي كيهودية، لا يوجد ما هو أسوأ من الاتهام.» وهي ترفض العنف تحت أي مبرر، حيث صرحت في محاضرتها سنة 2010 في الجامعة الأمريكية بالقاهرة، في ذكرى إدوارد سعيد: «كنت دوما ميالة إلى الفعل السياسي اللاعنفي»، و«إنه لصحيح أنني لا أؤيد ممارسة المقاومة العنفية، كما لا أؤيد عنف الدولة، ولا يمكنني تأييد ذلك، ولم أفعل ذلك يوما.» وهذا ما تؤكده كتاباتها في هذا المضمار: «حياة قلقة-مستباحة: قوى العنف والعزاء»؛ و«أطر الحرب: متى يؤسى على الحياة؟»؛ و«طرق متفرقة: اليهودية ونقد الصهيونية»؛ «حياة هشة»: حول سلطة العنف والمآثم بعد أحداث 11 سبتمبر (أيلول) 2001.
الفيلسوفة السينمائية آين راند: ما نوع العالم الذي نعيش
Bog aan la aqoon
فيه؟
في مقدمة كتاب «في سبيل نخبة جديدة»، تقول آين راند: «يطلبون مني (أن أجيب) ما إذا كنت روائية أو فيلسوفة، أجيب: الاثنين معا، وبمعنى من المعاني، فكل روائية فيلسوفة؛ لأننا لا نستطيع أن نقدم صورة عن الوجود البشري من دون إطار فلسفي؛ فقبل أن أحدد وأشرح وأقدم تصوري للإنسان، علي أن أكون فيلسوفة بالمعنى الدقيق للكلمة.» وآين راند (1905-1982) هي الكاتبة الروائية والسيناريست أليسا زينوفيفنا روزنباوم، التي اهتمت كثيرا بالتقاليد الفلسفية، واشتهرت في عالم الأدب والفن السابع أكثر مما اشتهرت في عالم الفلسفة ، على الرغم من كتاباتها الفلسفية الكثيرة، وأفكارها حول مذهب الموضوعية والنزعة العقلانية.
ولدت آين راند في سانت بطرسبرغ في روسيا في 2 فبراير (شباط) 1905 من عائلة تنتمي إلى الطبقة الوسطى. وقد ساندت في هذه المدينة العمالية (الشهيرة كمعقل للاشتراكية الديمقراطية الروسية بتقاليدها البلشفية) حكومة كيرينسكي البرجوازية، وسرعان ما كرهت الحكم البلشفي بعد ثورة أكتوبر 1917 وإسقاط حكومة كيرينسكي، وأعلنت عداءها للشيوعية وللثوريين؛ إذ صادر الثوريون صيدلية والدها؛ ما أجبرها على الرحيل إلى أوكرانيا. عرفت آين منذ سن مبكرة (السابعة من عمرها) بمحاولاتها كتابة الرواية. وفي ربيعها التاسع، قررت أن تكون كاتبة محترفة. وفي المدرسة الإعدادية، ستكتشف فيكتور هيغو ملهمها الحقيقي في عالم الأدب. وبعد عودتها من أوكرانيا، ستحصل على شهادة التعليم الثانوي في يونيو (حزيران) 1921، وتنتقل إلى جامعة بتروغراد، حيث تدرس الأدب والفلسفة وتكتشف أرسطو، وفريدريك فون شيلر، ودوستويفسكي. وسيتغير مسار الفيلسوفة آين راند سنة 1924، بعد حصولها على شهادة الإجازة، حيث ستلج، في السنة نفسها، معهد الفنون السينمائية لاستكمال دراستها المحبوبة، بعد بحث استجاب لميولها: «هوليوود: مدينة الأفلام الأمريكية»، الذي يعبر عن استلهامها لروح المجتمع الأمريكي، وكانت لم تزل في روسيا. وفي سنة 1926، حصلت على تأشيرة لزيارة أمريكا حيث استقرت إلى يوم وفاتها 6 مارس (آذار) 1982، في نيويورك التي ألهمتها بعمرانها وحضارتها الصاعدة آنذاك، بعد صراع مرير مع سرطان الرئة (عرفت بكونها مدخنة شرهة للغاية).
رافقت آين الكثير من نجوم وكتاب عالم السينما والفنون في هوليوود، وتركت أثرها في أعمالهم؛ بفضل خيالها الواسع، وأسلوبها المختلف عن السائد. وناقشت أفلام الويستيرن، ودعت إلى تجديد أسلوب العروض الفنية ومضمونها بما يتماشى ومتطلبات الحضارة الصاعدة. وبفعل عوامل كثيرة، صاحبت ثلة من النخب الأمريكية لتؤسس حلقة «الموضوعية» التي توجت بصحيفتها الشهيرة بالتسمية نفسها، والتي واظبت على إصدارها من 1962 إلى 1971.
درست آين في ستينات القرن الماضي، في عدد من الجامعات الأمريكية: يال، برينستون، كولومبيا، هارفارد، وجوناس هوبكنز، حيث وضعت أهم أفكارها الفلسفية والسياسية والأخلاقية. وفي أكتوبر (تشرين الأول) من سنة 1963 حصلت على الدكتوراه من جامعة لويس وكلارك، ونشرت بحثها سنة 1964، تحت عنوان فضيلة الأنانية
The Virtue of Selfishness ، الذي لخصت فيه فلسفتها الإثيقية والسياسية. تركت آين راند في عالم السينما، الكثير من رواياتها التي تحولت إلى أفلام شهيرة: «نحن الأحياء» 1936 (الترجمة الفرنسية 1996)، وأخرجه الإيطالي غوفريدو اليساندريني سنة 1942، كما هو الشأن بالنسبة لروايتها «منبع العيش» 1943 (الترجمة الفرنسية 1999)، و«الإضراب» في العقد نفسه (الترجمة الفرنسية 2011). ينضاف إليها مسرحية «ليلة 16 يناير» سنة 1933.
ويعبر كتابها «فضيلة الأنانية» 1964 (الترجمة الفرنسية 1993)، إلى جانب «مدخل إلى الموضوعية الأبستمولوجية» 1979، عن مجمل فلسفتها ومذهبها الأخلاقي في الموضوعية والعقلانية. غير أن محاضرتها البالغة الأهمية، التي ألقتها يوم 6 مارس 1974 أمام جمع من رجال السياسة والأعمال، والمعنونة ب «فيم نحتاج الفلسفة؟» (أخرجها ووضبها ليونارد بيلكوف سنة 1984)، ستلخص بإيجاز طروحاتها حول الإنسان. يعتبر «قاموس آين راند: الموضوعية من الألف إلى الياء»، الذي كتبه سنة 1986، المتخصص في فكرها السيد هاري بينزوركر، أهم مرجع يؤسس ويؤرخ لطروحاتها حول مذهب «الموضوعية»، ناهيك بالكثير من المؤلفات حول سيرتها وأفكارها. ويذهب الفرنسي سيباستيان كاري، إلى أن فلسفة آين راند، تشمل أربعة مجالات كبرى: الميتافيزيقا، حيث نحتت مفهوم «الواقع الموضوعي» من منطلق أن الفكر ليس جامدا ولا متعاليا يسبح في سماء المعقولات، بعبارة سارتر، وإنما هو محايث لواقع موضوعي بعيد عن تصور قبلي، وهو ما تلخصه عبارتها الشهيرة: «لفهم الطبيعة عليك الامتثال لها». ولا يعني الامتثال هنا، الاستسلام المطلق، إنما يفيد بأن في الطبيعة ما يجعل الأشياء كما هي، ولكون الإنسان جزءا منها، فهو «غاية في ذاته». وهي العبارة التي تلخص مذهبها في الأخلاق، حيث وضعت مفهوم «المصلحة الفردية» من منطلق أن نزعة الإيثار التي تعود إلى الوضعية والفلسفة الحديثة مع كانط وهيغل، قد أفسدت الحضارة البشرية، ومحت الأنا-وحدي
Solipsisme
الديكارتي، الذي مهد لفهم عميق للذات الإنسانية بعد أن أخرجها من جحور العصور الوسطى. وضعت في كتابها «مدخل إلى الموضوعية الأبستمولوجية» أسس فلسفة العلوم (الأبستمولوجيا)، بفضل تصورها الجديد لمفهوم العقل الذي يختزل فكرها في العبارة النيرة: «لا يمكنك أكل كعكتك والحفاظ عليها في الوقت نفسه.» لأننا بحاجة إلى تخليص المعرفة - كل المعرفة البشرية - من الخطأ.
وفي مجال السياسة تحدث سيباستيان كاري عن مفهوم «الرأسمالية الفوضوية»، حيث دعت آين راند لتصور بديل للدولة يقترب كثيرا من الفوضوية الروسية، لكنه بعيد جدا عن التيارات السياسية الفوضوية التي تنكر وجود الدولة، وعبارتها المدوية: «امنحني الحرية أو الموت»، تعني أن الفرد يمتلك قيمته في ذاته، من جهة أنه مكتف بذاته ولا يتوجب أن تحبسه الغيرية التي أفسدت على الفرد قيمه الأخلاقية النبيلة، ووراء السعي نحو التخلص من قيم الغيرية فإن من واجبات الدولة العمل فقط على حفظ مصلحة الأفراد الذاتية؛ لأننا «لسنا دولة ولا مجتمعا بقدر ما نحن تجمع بشري مبني على إرادتنا ويستجيب لمصلحتنا الفردية». وهؤلاء الأفراد يتقاسمون مجموعة من القيم خارج أي قوانين أو قواعد؛ لذا لا ينبغي ألا نقبل إلا القيم الموضوعية الضامنة لروح الأنانية العقلية أو أنانية المصلحة الفردية التي تمثل نقيض الغيرية أو عقلية القطيع (الجماعية)، حيث الفرد هو أساس كل الأخلاق يوجد لذاته وليس لغيره. وهنا تنفتح الفيلسوفة على مفهوم «الإنسان الأعلى» كما بلوره نيتشه، وعن مفهوم إرادة القوة وهو ما بلورته في كتابها: «في سبيل نخبة جديدة»، حيث راجعت أرسطو وأفلاطون وهيوم وكانط وهيغل.
Bog aan la aqoon
من الأسئلة الفلسفية التي شغلت بال الفيلسوفة: ما نوع العالم الذي نعيش فيه؟ كيف يمكن إقامة حد فاصل بين المعرفة والخطأ؟ ما الشر؟ وما الخير؟ وهي الأسئلة التي وضعتها أساسا لكتابها النير: «فيم نحتاج الفلسفة؟» حيث دافعت في 18 مقالة عن الحاجة إلى وجود الفلسفة في كل مكان؛ لأن الحضارة الغربية قد أفلست بسبب فشل الفلسفة والفلاسفة في الدعوة إلى تقعيد وتشييد فلسفة العقل؛ فالفلسفة لا يجب أن تكون من اختصاص من يسكنون في البرج العالي؛ لأنها فلسفة للعيش على الأرض؛ عيش الفرد من أجل ذاته لا من أجل الآخرين. فكل كائن يعيش بطبيعة تحدد له الشروط الضرورية للحفاظ على بقائه، والناس بحاجة إلى منظومة أخلاقية؛ لأن محيطهم لا يمنحهم الأجوبة المباشرة على حاجاتهم. وفي هذا ترد على كانط الذي ارتكز جهده، بحسبها، على وضع أخلاقية غيرية قوضت النهضة الحديثة، ودمرت أسس الذاتية العقلانية؛ لأن الفرد يمكن وفق الواجب الكانطي، أن يكون شريرا أو خيرا؛ لأنه يؤمن بالأساس الذاتي للقواعد الأخلاقية كقاعدة عامة للتصرف والسلوك البشريين. فهذا «الفيلسوف الكسول» (كما نعتته) دمر النزعة الفردية التي هي قوام الحياة وأساس البقاء، معتبرة إياه «أكبر شخص سيئ في تاريخ الفلسفة». أبدى الكثير من المهتمين بالفلسفة المعاصرة، شكهم حول كون آين راند فيلسوفة، واعتبروها روائية وكاتبة سيناريو. غير أن هذا الاعتراف الذي كتبته في مقدمة كتابها «في سبيل نخبة جديدة»، يمكن أن يغير التحفظ حولها: «يطلبون مني ما إذا كنت روائية أو فيلسوفة! وأجيب: الاثنتين معا. وبمعنى من المعاني، فكل روائية فيلسوفة؛ لأننا لا نستطيع أن نقدم صورة عن الوجود البشري من دون إطار فلسفي؛ فقبل أن أحدد وأشرح وأقدم تصوري للإنسان، علي أن أكون فيلسوفة بالمعنى الدقيق للكلمة.»
نانسي فريزر: الحاجة إلى فضاء عمومي عابر للأوطان
نانسي فريزر فيلسوفة أمريكية معاصرة (1947-...) تدرس الفلسفة والعلوم السياسية في «الكلية الجديدة للأبحاث الاجتماعية»، (وهي نفس المدرسة التي درست فيها حنة آرنت). تهتم بموضوعات الفلسفة السياسية التي شغلت الجيل الثالث للنظرية النقدية (مدرسة فرانكفورت)، من أمثال أكسيل هونيث مدير المدرسة، وجوديث بتلر وسيلا بن حبيب، وهابرماس ... ويشكل موضوع العدالة والحق والنظرية النسوية وحول الفضاء العمومي، محور كتاباتها العديدة حيث قامت بمراجعات أساسية.
هي ثلاثة مجالات تحكم تفكير نانسي فريزر السياسي والفلسفي:
المجال الأول:
يتعلق بالمجال السياسي حيث تنظر وتعيد النظر في مفهوم الفضاء العمومي كما نحته هابرماس؛ لتؤسس أطروحتها الأساس حول الحاجة إلى تجاوز التصور الويستفالي الذي حكم هابرماس في نظريته، مقرة بوجود فضاء عمومي كوني يتجاوز الحدود السيادية الكلاسيكية، وهو فضاء تلعب فيه فئات وحركات اجتماعية جديدة أدوارا هامة. وتشكل كتبها الثلاثة أساس تصورها هذا: «ما هي العدالة الاجتماعية؟ الاعتراف وإعادة التوزيع» (مارس 2011). وكتاب «دينامية النساء» (2013). جدالات نسائية: مطارحات فلسفية. بالاشتراك مع سيليا بن حبيب وجوديث بتلر، ودروسيلا كورنل. (1994).
المجال الثاني:
يتعلق بالمجال الثقافي؛ حيث تعيد النظر في مفهوم الاعتراف مع ظهور الأشكال الجديدة للتفاوتات بين الناس في الرأسمالية المعاصرة: ظهور التعدد الثقافي ونشاط النسوية الجديدة، وتدفق الهجرة ومشاكل الاستبعاد الاجتماعي. وقد ساجلت أكسل هونيث وجوديث بتلر وبول ريكور حول هذا المفهوم؛ لتحاول التوفيق بين الأسس الفلسفية للاعتراف عند هونيث والأسس الثقافية لهذا المفهوم عند تشارلز تايلور. وهو ما بلورته في كتابها: التصور الراديكالي: بين إعادة التوزيع والاعتراف (2003)، وفي: إعادة التوزيع أو الاعتراف؟ مطارحات فلسفية-سياسية مع أكسيل هونيت، (2003).
المجال الثالث:
ويتعلق بالمجال الاقتصادي حيث تعيد النظر في مفهوم إعادة التوزيع: ذلك أن تصور العدالة الكلاسيكي ينبني على تصور معين لتوزيع الثروة، وهو التصور الذي يحاول أن يعيد النظر في النظريتين الأساسيتين حول العدالة: التصور الماركسي والتصور الليبرالي السياسي كما نجده لدى جون راولز وهابرماس؛ إيمانا منها بالحاجة إلى وضع جديد تسميه «وضع ما بعد الاشتراكية»، وهو ما قامت بالتأسيس له في: «انقطاعات العدالة: تأملات نقدية حول الوضع ما بعد-الاشتراكي» (1997). وفي: «موازين العدالة: إعادة تصور الفضاء السياسي في عالم معولم» (2008). (1) نظرية نانسي فريزر في الفضاء العمومي «لا يلائم «النموذج الليبرالي للفضاء العمومي البرجوازي»، النظرية النقدية المعاصرة. نحن بحاجة إلى تصور ما بعد برجوازي يسمح لنا بتخيل دور الفضاءات العمومية (أو على الأقل البعض منها) الذي يتجاوز الشكل البسيط لرأي ذاتي مستقل ومنفصل عن السيرورة الرسمية لاتخاذ القرار.»
Bog aan la aqoon
1
اهتمت نانسي فريزر بمفهوم الفضاء العمومي عند هابرماس بالنظر إلى قيمته السياسية التي تساهم في فهم الملابسات التي تعترض الحركات الاجتماعية التقدمية والنظريات السياسية التي ترتكز عليها؛ فقد مثلت هذه النظرية طوال العقود الثلاثة الأخيرة من القرن العشرين إسهاما مباشرا في فهم التغيرات السياسية التي أعقبت ثورة مايو 68، بعد ظهور الحركات الاجتماعية الجديدة من قبيل: الأقليات العرقية والإثنية، الحركة النسائية، حركات الحقوق الجنسية، حركات الثقافات واللغات المهمشة، حركة العاطلين عن العمل، والحركات المتصلة بمختلف المشاكل التي أفرزتها الرأسمالية عبر تطورها التاريخي. (1-1) حدود النموذج الليبرالي للفضاء العمومي البرجوازي
وينصب اهتمام فريزر أساسا على محاولة تجديد أطروحات النظرية النقدية، من خلال مراجعة مواقف الجيل الأول والثاني من أجيال مدرسة فرانكفورت، وفي هذا السياق راجعت نظرية هابرماس في الفضاء العمومي أو فيما تسميه «النموذج الليبرالي للفضاء العمومي البرجوازي»، لبيان صلته بالنظرية النقدية المعاصرة، ولفحص الأسس السياسية والفلسفية التي قام عليها، من أجل صياغة أطروحة جديدة تطلق عليها تسمية «الفضاء العمومي ما بعد البرجوازي»
l’espace public post-bourgeoisies .
وتؤكد أن المشكلة الأولى التي يطرحها مفهوم الفضاء العمومي الهابرماسي تكمن في العلاقة بين الدولة وأجهزتها من جهة؛ والفضاءات التعبيرية العمومية وجمعيات المواطنين من جهة أخرى، ذلك أن النموذج الكلاسيكي للدولة (الاشتراكي والماركسي) يفرض رقابة الاقتصاد للدولة الاشتراكية التي تراقب أيضا مجموع المواطنين الاشتراكيين. فالتشابك واللبس الذي يكتنف العلاقة بين أجهزة الدولة والفضاء العمومي وجمعيات المواطنين يعود إلى الشكل التحكمي والسلطوي للدولة الاشتراكية في مجمل الفضاءات والتنظيمات، وهو شكل لا ديمقراطي ولا تشاركي يستدعي بدوره طرح السؤال حول الديمقراطية الاشتراكية ذاتها كما طبقتها الأنظمة الستالينية، ونفس الأمر ينطبق على الديمقراطية البرجوازية التي طوقت الفضاء العمومي السياسي وأطرته بأطر وتشريعات قانونية وطنية لم تعد تستجيب لحاجيات المواطنين اليوم. ولذلك فإن كلا النمطين: البرجوازي والاشتراكي على حد سواء لم يعودا صالحين لنمط العيش المشترك اليوم، أي في عالم يحتاج إلى مواطنة كونية تنتفي فيه الحدود الوطنية الويستفالية.
تعتبر فريزر أن نظرية الفضاء العمومي تمتلك «قيمة مفهومية»، بحيث تساعدنا على فهم بعض المشكلات المعاصرة المتصلة مباشرة بالديمقراطية، وتحدد الفضاء العمومي بكونه «فضاء المجتمعات الحديثة؛ حيث تمر المشاركة السياسية عبر اللغة، إنه فضاء المواطنين الذين يناضلون من أجل مصالحهم المشتركة، فضاء يمأسس تفاعلا تداوليا».
2
وترفض التعريف الهابرماسي الذي يحدد المشاركة في جمهور مثقف يتقن استعمال العقل بشكل نقدي؛ لأن المجتمع المعاصر يختلف جذريا عن مجتمع القرن الثامن والتاسع عشر، مؤكدة في الآن ذاته أنه رغم ما يمكن أن يقال من مؤاخذات على نظرية هابرماس، فإن مفهوم الفضاء العمومي «ضروري للنظرية النقدية للمجتمع وللممارسة السياسية الديمقراطية»؛ لأنه مكان منفصل عن الدولة، وفضاء لإنتاج ونشر الخطاب النقدي تجاه الدولة، لا بد له من أن يتمثل كاقتصاد غير رسمي (اقتصاد الدولة) وخال من علاقات السوق، إنه فضاء لعلاقات التخاطب يسمح بالنقاش والتداول. فإذا حولت الرأسمالية الفضاء العمومي إلى مكان للبيع والشراء فإن الفضاء الذي يلائم النظرية النقدية المعاصرة ينبغي أن يتجاوز النموذج البرجوازي بحيث: «لا يمكن لأي محاولة لفهم حدود الديمقراطية الرأسمالية المتأخرة أن تتم دون اللجوء والاستعانة بطريقة أو بأخرى لبذل الجهود من أجل تطوير نماذج بديلة للديمقراطية.»
أبانت أركيولوجيا هابرماس عن عظمة وانحطاط الفضاء العمومي البرجوازي المحدود في التاريخ من جهة، ومن جهة أخرى عن تساؤله عن قانون النموذج المعياري المتعلق بهذه المؤسسة والتي يطلق عليها اسم «النموذج الليبرالي للفضاء العمومي البرجوازي»، وكان هدفه فيما ترى فريزر مزدوجا:
قصد فحص الشروط التي جعلت هذا النمط من الفضاء العمومي ممكنا.
Bog aan la aqoon