على أننا لا نحصل على فكرة وافية عن تلك العادات الطلية الخاصة بتموين المتوفى في الحياة الآخرة إلا في ذلك العهد الإقطاعي، ولا غرو، فقد صارت تلك العادات الآن متأصلة في حياة الشعب، وقد حفظت لنا المقابر التي لا تزال باقية إلى الآن في مقاطعات الوجه القبلي بعض بقايا تلك الشعائر اليومية والعادية، وكذلك ما كان خاصا منها بالاحتفالات والأعياد، مما كان الشعب يظن أنه بوساطتها يدخل السرور على الذين قد رحلوا إلى الدار الآخرة حتى تصير حياتهم أكثر مرحا، وذلك على النمط الذي لاحظناه في الاحتياطات التي كان يتخذها الأشراف في عصر الأهرام.
فإن الشريف الثري «حبزافي» الأسيوطي (حاكم مقاطعة أسيوط) الذي كان يعيش في القرن العشرين ق.م، أقام لنفسه قبل وفاته تمثالا في كل من معبدي المدينة الرئيسيين: أحدهما في معبد الإله «وبوات»، وهو إله محلي قديم لذلك المكان في صورة ذئب، ومن ذلك الاسم اشتقت المدينة اسمها «ليكوبوليس» (يعني بلدة الذئب) على يد اليونان. وأما التمثال الآخر فقد أقامه في معبد «أنوبيس»، وهو إله معروف في صورة الكلب أو صورة ابن آوى، وقد كان ذلك الإله يوما ما أحد الآلهة المناهضين «لأوزير». وكان معبد الإله «وبوات» يقع في وسط المدينة، في حين أن معبد الإله «أنوبيس» كان يقع بعيدا عنه على ظاهر حدود الجبانة في سفح الجبل الذي نحت في واجهته على مسافة من ارتفاعه، قبر «حبزافي» الفخم. وقد نصب في ذلك القبر تمثالا ثالثا لنفسه أيضا يقوم برعايته كاهنه الجنازي، ولم يكن له إلا كاهن واحد يعنى بقبره، ويقوم بالاحتفالات التي كان يرغب فيها، ولكن «حبزافي» دبر ما يلزم للكاهن من المساعدة عند الاقتضاء، بأن عهد بهذه المساعدة إلى كهنة المعبدين وبعض موظفي تلك الجبانة، وقد تعاقد على ذلك مع كل أولئك كما تعاقد مع الكاهن الجنازي، معينا بالضبط ما يجب عليهم عمله وما يجب أن يتسلموه من غلات ذلك الشريف في مقابل قيامهم بتلك الخدمات، أو مقابل القربان الذي كان يقدم بانتظام كل يوم وفي المواسم الخاصة فيما بعد موت هذا الشريف.
وتلك العقود البالغ عددها عشرة قد دونها ذلك الشريف في نقوش ظاهرة إلى الآن فوق الجدار الداخلي لمزار قبره، وهي تقدم لنا صورة قريبة جدا من تقويم الأعياد التي كان يحتفل بها في تلك المدينة الإقليمية التي كان يحكمها «حبزافي»، وهي أعياد كان الاحتفال بها يعم الأحياء والأموات على السواء.
فإذا اتخذنا محتويات تلك العقود أساسا فإن الصورة الخيالية التالية التي نستنبطها من ذلك كفيلة - على ما نأمل - بالتعبير عن الحياة التي توحي بها تلك العقود.
إن أهم تلك الاحتفالات تلك التي كانت تقام بمناسبة مقدم السنة الجديدة، فكانت تقام قبل حلولها، وعند بدايتها وبعد بدايتها؛ فتبدأ الاحتفالات قبل نهاية السنة القديمة بخمسة أيام في أول يوم من أيام النسيء الخمسة التي تنتهي بها السنة، فكان يرى في ذلك اليوم كهنة الإله «وبوات» سائرين في موكب، مخترقين شوارع أسيوط وأسواقها، وكانوا في نهاية المطاف يخرجون من المدينة حاملين إلههم «وبوات» إلى معبد «أنوبيس» الذي كان يقع في سفح جبل الجبانة، وهنالك يذبح ثور للإله الزائر (يعني للإله «وبوات»)، وكان كل كاهن إذ ذاك يحمل بيده رغيفا كبيرا أبيض مخروطي الشكل، وعند دخولهم ساحة معبد «أنوبيس» هذا يضع كل منهم رغيفه عند قاعدة تمثال «حبزافي».
وبعد مضي خمسة أيام من ذلك التاريخ كان ينحدر مدير الجبانة وبصحبته تسعة من موظفيه من فوق تلك الجبال عند حلول المساء، مارين بأبواب القبور المفتوحة، التي كانت حراستها موكلة إلى هؤلاء الموظفين، ثم يدخلون في ظلال المدينة التي في سفح تلك الجبال. وكانت المدينة في تلك الآونة يخيم عليها الظلام؛ إذ كانت تقع في ظلال تلك الجبال المشرفة عليها، وكان هذا في ليلة رأس السنة الجديدة، وكانت الأنوار المبعثرة التي أشعلت ابتهاجا بالعيد قد بدأت تنبعث عند الشفق من داخل البيوت ومن الشرفات.
وحينما تكون تلك الفئة ماضية في سيرها بالشوارع الضيقة الواقعة في أطراف المدينة تعترضهم فجأة الأسوار العالية لمعبد الإله «أنوبيس»، وعندما يدخلون من بابه العالي العظيم يسألون عن «الكاهن العظيم»، فيقدم لهم هذا على الفور حزمة من المشاعل، فيأخذونها ويعودون أدراجهم مصعدين في الجبل بتؤدة ومشرفين على المدينة كلما تسلقوا الجبل في عودتهم. وحينما يشرفون من فوق الجبل على أسقف المدينة الملتفة في الظلام الدامس كانوا يكشفون في وسطها مجموعتين منعزلتين من الأنوار، إحداهما تقع بالضبط تحت أقدامهم في حضيض الجبل، والأخرى تقع على مسافة بعيدة في قلب المدينة، فكانتا تشبهان جزيرتين متلألئتين بالنور في بحر من الظلمة يمتد إلى مسافة من تحت أرجلهم. وهاتان المجموعتان من النور هما ساحتا المعبدين اللذين كانت الأنوار تسطع في أرجائهما.
وبالرغم من أن سيدهم القديم
3 «حبزافي» كان مدفونا في بلاد النوبة النائية فإنه كان حاضرا بتمثاله المقام في وسط تلك الأفراح والأعياد التي كانت تعج بهما ساحة ذينك المعبدين، فقد كان تمثاله المنصوب في المعبد ينعم بعينيه اللتين كان يشرف بهما على الجموع التي كانت تزخر بهم هاتان الساحتان المختالتان بجمال أعمدتهما الزاهية. وكان (يعني التمثال) يتمتع مثل أصدقائه الأحياء - الموجودين أسفل منه - بروح ذلك الفيض العميم الذي كان مبسوطا أمامه عندما يشاهد رغفان القربان موضوعة عند قدميه، وهي التي ذكرنا فيما مر أن الكهنة كانت تضعها هناك. وكانت أذناه (يعني التمثال) تملآن بضجيج آلاف الأصوات التي كانت تتعالى بالفرح المنبعثة من جماهير المدينة المجتمعين بمعبدي الإلهين يترقبون انقضاء ذلك العام الراحل ويستقبلون العام الجديد، وكأن أصواتهم اصطفاق بحر يزخر بأمواجه، ينبعث من بعيد فوق الأسقف المظلمة إلى أن يصل جرسه المتضائل إلى آذان طائفة حراس الجبانة المرتفعة القائمة بين ظلمات الجبال وهم يشرفون على المدينة في صمت رهيب.
وكانت تطل من فوق رءوسهم بالضبط واجهة تلك المقبرة التي كانت قد أعدت لتضم جثمان سيدهم الراحل «حبزافي»، وقد كان المتقدمون في السن من بين أولئك الحراس يذكرونه جيدا، ويذكرون الكرم الذي طالما لاقوه على يديه. وأما المحدثون منهم فكان في نظرهم اسم «حبزافي» مجرد اسم لا يحمل معنى ما، فكانوا لا يجيبون إلا متباطئين ومتثاقلين عندما كان شيوخهم يحثونهم على إضاءة أنوار القبر، وحينما كان يتعجلهم صوت كاهن «حبزافي» من أعلى الجبل قائلا: «لا تتأخروا أكثر من ذلك في إضاءة الأنوار»، وعندئذ يخرج الشرر من قدح الزناد، وعلى إثره تضاء أول شعلة ومنها تضاء المشاعل الأخرى بسرعة. وكان الموكب الذي يشمل أولئك الحراس يسير حول مرتفع من الجبل فسيح الأرجاء ثم يعود الموكب ثانية إلى باب القبر العالي، حيث يكون في انتظارهم كاهن «حبزافي» فيدخلون من غير توان إلى مزار القبر العظيم.
Bog aan la aqoon