Fahminta Fahminta
فهم الفهم: مدخل إلى الهرمنيوطيقا: نظرية التأويل من أفلاطون إلى جادامر
Noocyada
المعري
كان حدثا فاصلا في تطور الهرمنيوطيقا الحديثة ذلك الذي وقع عام 1960م، حين صدر كتاب «الحقيقة والمنهج» لمؤلفه هانز جورج جادامر، فبين دفتي مجلد واحد قدمت مراجعة نقدية للاستطيقا الحديثة ونظرية الفهم التاريخي من منظور هيدجري أساسا، بالإضافة إلى هرمنيوطيقا فلسفية حديثة قائمة على أنطولوجيا اللغة.
لا يقارن هذا الكتاب في ثرائه ودقته الفلسفية إلا بالسفرين الجليلين الآخرين حول النظرية التأويلية اللذين كتبا في القرن العشرين ل «يواقيم فاكس»، و«إميليو بتي»، كان كل عمل من هذه الأعمال الثلاثة يضع لنفسه غاية مختلفة، ومن ثم فقد أسهم كل منها إسهامه الخاص والمتميز، أما كتاب «فاكس» القائم في ثلاثة مجلدات عن تاريخ الهرمنيوطيقا في القرن التاسع عشر فيمثل مرجعا لا غنى عنه لأي باحث جاد في الهرمنيوطيقا، غير أنه كتب في أواخر العشرينيات من القرن العشرين، ومن ثم فهو متأثر بدلتاي، ويقف بالضرورة داخل أفق تصوره للهرمنيوطيقا.
أما «بتي» فقد استعرض الأنواع المختلفة من التأويل بقصد صياغة نظرية عامة شاملة ومنهجية وتأسيس مجموعة من القوانين الأساسية لجميع صور التأويل، والتي يمكن أن تمثل القاعدة التي يقوم عليها التأويل الصحيح، ومنذ البداية جعل هذا العمل هدفه وضع منطق منظم - وليس مجرد تاريخ - لصور التأويل، وهو بذلك يعد مكملا قيما لعمل «فاكس» الأسبق، غير أن «بتي» يقف من الوجهة الفلسفية داخل التقليد المثالي الألماني، ويفترض مقدما، كبديهية لا يطالها الشك، نفس المسلمة التي وضعها هيدجر موضع الشك على نحو جذري، يرى «بتي» أن فكر هيدجر التأويلي يمثل تهديدا لفكرة الصواب الموضوعي نفسها في مجال الفيلولوجيا (فقه اللغة) والتاريخ، ومن ثم فقد بقي على جادامر من بعد بتي أن يطور النتائج المثمرة والإيجابية للفينومينولوجيا، وبخاصة فكر هيدجر، في النظرية التأويلية، كان جادامر هو من قدر له أن يشتبك بالمشكلة الفلسفية الخاصة بتأسيس أنطولوجيا جديدة لحدث الفهم. (1) نقد جادامر للاستطيقا الحديثة والوعي التاريخي
هكذا مع ظهور «الحقيقة والمنهج» نجد أن النظرية التأويلية قد دخلت مرحلة جديدة وهامة، ونجد أفكار هيدجر التأويلية الثورية قد وجدت لها في كتابة جادامر تعبيرا منظما ومكتملا، وخرجت إلى النور متضمناتها فيما يتعلق بالتصور التاريخي والاستطيقي، ونجد التصور القديم للهرمنيوطيقا بوصفها المنهج الخاص بالعلوم الإنسانية (دلتاي) قد أهمل وضرب عنه صفح، بل نجد فكرة «المنهج» ذاتها قد حوكمت، ومكانة «المنهج» نفسه قد اهتزت؛ «ذلك أن عنوان كتاب جادامر ينطوي على تهكم»، فالمنهج عنده ليس هو الطريق إلى الحقيقة! بل من دأب الحقيقة، على العكس، أن تفوت رجل «المنهج» وتروغ منه، والفهم في تصوره ليس عملية ذاتية لإنسان بإزاء موضوع وقبالته، بل الفهم هو أسلوب وجود الإنسان نفسه، والهرمنيوطيقا ليست فرعا مساعدا للدراسات الإنسانية بل هي نشاط فلسفي يحاول تفسير الفهم على أنه عملية أنطولوجية في الإنسان، أسفرت هذه المراجعات والتفسيرات الجديدة عن صنف جديد من النظريات التأويلية، هي «الهرمنيوطيقا الفلسفية» لجادامر.
من الضروري في البداية أن نفهم الفرق بين هرمنيوطيقا جادامر الفلسفية وبين ذلك النوع من الهرمنيوطيقا ذي التوجه «المنهجي» أو «الميثودولوجي»، إن جادامر لا تعنيه كثيرا المشكلات العملية لصياغة المبادئ الصحيحة للتأويل، إنه يود بالأحرى أن يسلط الضوء على ظاهرة الفهم نفسه، وليس يعني ذلك أنه ينكر أهمية صياغة مثل هذه المبادئ الضرورية للمباحث التأويلية، وإنما يعني أن جادامر يعمل على مستوى أكثر بداءة، ويتناول سؤالا أكثر أولية، وهو: كيف يكون الفهم ممكنا، ليس فقط في الدراسات الإنسانية بل في خبرة الإنسان بالعالم ككل؟ هذا سؤال مفترض مسبقا في مباحث التأويل التاريخي غير أنه يتجاوزها بكثير، وإنه عند هذه النقطة يربط جادامر تعريفه للهرمنيوطيقا بشكل صريح بفكر هيدجر: يقول جادامر في مقدمة الطبعة الثانية لكتابه «الحقيقة والمنهج»:
أعتقد أن التحليل الزماني للوجود الإنساني عند هيدجر قد برهن بوضوح على أن الفهم ليس موقفا للذات الإنسانية بين غيره من المواقف العديدة، وإنما الفهم هو طريقة وجود الدازاين نفسه، وإنما بهذا المعنى قد قمت باستخدام مصطلح «هرمنيوطيقا» هنا (أي في كتاب «الحقيقة والمنهج»).
إنه يشير إلى الحركة الأساسية للوجود الإنساني، والتي تتألف من تناهيه وتاريخيته، وتستغرق بالتالي كل خبرته بالعالم ... إن حركة الفهم شاملة وعالمية.
1
ولهذه العالمية بطبيعة الحال عواقب ومترتبات تلحق المحاولات الرامية إلى المنهج في المباحث التأويلية؛ فالصبغة الشاملة للفهم تطرح السؤال الخاص بما إذا كان بإمكان المرء بمجرد قرار أو أمر أن يحد من نطاق الفهم أو يقصره على جانب دون الآخر، يذهب جادامر إلى أن خبرة العمل الفني تتخطى أي أفق ذاتي للتأويل ، سواء في ذلك أفق الفنان أو أفق المتلقي، ومن ثم فإن «مقصد المؤلف»
Bog aan la aqoon