Durra Thamina
الدرة الثمينة في أخبار المدينة - ط بحوث المدينة بالحواشي
Tifaftire
حسين محمد علي شكري
Daabacaha
شركة دار الأرقم بن أبي الأرقم
الدرة الثمينة
في أخبار المدينة
لابن النجار
الإمام الحافظ أبي عبد الله محمد بن محمود بن النجار البغدادي
(٥٧٨ - ٦٤٣ هـ)
قابل أصوله الخطية وعلق عليه
حسين محمد علي شكري
شركة دار الأرقم بن أبي الأرقم
Bog aan la aqoon
مقدمة المؤلف
بسم الله الرحمن الرحيم
وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
أخبرنا الفقيه الأجل الإمام العالم الشريف العدل؛ تاج الدين علي بن أبي العباس أحمد بن الشيخ الأجل أبي محمد عبد المحسن بقراءتي عليه.
أخبرنا الشيخ الفقيه الأجل أبو عبد الله محمد بن محمود بن النجار بقراءة أبي عليه، وقراءة ابن الوليد عليه وأنا أسمع، قال:
الحمد لله حمدًا يقتضي من إحسانه المزيد، ويبلغنا من رضوانه ما نؤمل ونريد، والصلاة والسلام على من هدانا إلى المنهج السديد، محمد الذي هو على أمته شهيد، وعلى آله وأصحابه ذوي المجد المشيد، ما سار راكب في البيد.
وبعد؛ فإني لما دخلت مدينة النبي ﷺ، وأسعدت بزيارته أقمت بها، واجتمعت بجماعة من أهل الصلاح والعلم والفضل من المجاورين بها، وفقهم الله وإيانا لمرضاته، فسألوني عن «فضائل المدينة وأخبارها» فأخبرتهم بما تعلق في خاطري من ذلك، فسألوني إثباته في أوراق، فاعتذرت إليهم بأن الحفظ قد يزيد وينقص، ولو كانت كتبي حاضرة كنت أجمع كتابًا في ذلك شافيًا لما في النفس، فألحوا علي في ذلك وقالوا: تحصيل اليسير، خير من فوات الكثير! وهذه البلدة مع شرفها قد خلت ممن يعرف من أخبارها شيئًا، ونحن نحب أن يكون لك بها أثر صالح تذكر به!
فأجبتهم إلى ذلك رجاء بركتهم، واغتنامًا لامتثال أمرهم، وقضاء لحق جوارهم وصحبتهم، وطلبًا لما عند الله تعالى من الثواب بنشر فضائل دار الهجرة ومنبع الوحي، وذكر أخبارها والترغيب في سكناها، والحث على زيارة المدفون بها، صلوات الله عليه وسلامه، واستخرت الله ﷾، وأثبت في هذا الكتاب ما تيسر من ذلك بعون الله تعالى وحسن توفيقه.
1 / 23
ثم إني ذكرت أكثره بغير إسناد لتعذر حضور أصولي.. .. وأنا أسأل الله ﷾ أن يجعل ذلك لوجهه خالصًا وإليه مقربًا، ولنا نافعًا في الدنيا والآخرة، إنه على ما يشاء قدير.
وقد قسمته ثمانية عشر بابًا، والله سبحانه الموفق للصواب:
الباب الأول: في ذكر أسماء المدينة وأول ساكنيها.
الباب الثاني: في ذكر فتح المدينة.
الباب الثالث: في ذكره هجرة النبي ﷺ وأصحابه إليها.
الباب الرابع: في ذكر فضائلها.
الباب الخامس: في ذكر تحريمها وحدود حرمها.
الباب السادس: في ذكر وادي العقيق وفضله.
الباب السابع: في ذكر آبار المدينة وفضلها.
الباب الثامن: في ذكر جبل أحد وفضله وفضائل الشهداء به.
الباب التاسع: في ذكر إجلاء بني النضير من المدينة.
الباب العاشر: في ذكر حفر الخندق حول المدينة.
الباب الحادي عشر: في ذكر قتل بني قريظة بالمدينة.
الباب الثاني عشر: في ذكر مسجد النبي ﷺ وفضله.
الباب الثالث عشر: في ذكر المساجد التي بالمدينة وفضلها.
الباب الرابع عشر: في ذكر مسجد الضرار وهدمه.
الباب الخامس عشر: في ذكر وفاة النبي ﷺ وصاحبيه ﵄.
الباب السادس عشر: في ذكر فضل زيارة النبي ﷺ.
الباب السابع عشر: في ذكر البقيع وفضله.
الباب الثامن عشر: في ذكر أعيان من سكن المدينة من الصحابة والتابعين من بعدهم.
ومن الله نستمد الهداية والسداد، إلى سبل الحق والرشاد.
1 / 24
الباب الأول في ذكر أسماء المدينة وذكر أول ساكنيها
أنبأنا ذاكر بن كامل قال: كتب إلي أبو علي الحداد أن أبا نعيم الحافظ أخبره إجازة، عن أبي محمد الخلدي قال: أنبأنا محمد بن عبد الرحمن المخزومي، حدثنا الزبير بن بكار، قال: حدثنا محمد بن الحسن بن زبالة، عن إبراهيم بن أبي يحيى.
قال: للمدينة في التوراة أحد عشر اسمًا: المدينة، وطيبة، وطابة، والمسكينة، وجابرة، والمجبورة، والمرحومة، والعذراء، والمحبة، والمحبوبة، والقاصمة.
وقال ابن زبالة: عن عبد العزيز بن محمد بن موسى بن عقبة، عن عطاء بن مروان، عن أبيه، عن كعب.
قال: نجد في كتاب الله الذي نزل على موسى ﵇ أن الله تعالى قال للمدينة: «يا طيبة، يا طابة، يا مسكينة، لا تقبلي الكنوز، ارفعي أجاجيرك على أجاجير القرى» .
قال عبد العزيز بن محمد: وبلغني أن لها في التوراة أربعين اسمًا.
وفي «صحيح مسلم» من حديث جابر بن سمرة ﵁، عن النبي ﷺ أنه قال: «إن الله تعالى سمى المدينة طابة» .
وفي «صحيح مسلم» أن النبي ﷺ قال: «هي المدينة يثرب» .
1 / 25
وقال أبو عبيدة معمر بن المثنى: يثرب اسم أرضٍ، ومدينة النبي ﷺ في ناحية منها.
وقال ابن زبالة: كانت يثرب أم قرى المدينة، وهي ما بين طرف قناة إلى طرف الجرف، وما بين المال الذي يقال له: البرني إلى زبالة.
وكانت زهرة من أعظم قرى المدينة، قيل: وكان فيها ثلاثمائة صائغ من اليهود.
وقيل: إن تبعًا لما قدم المدينة بعث رائدًا ينظر إلى مزارع المدينة فأتاه فقال: قد نظرت؛ فأما قناة فحبٌ ولا تبنٌ، وأما الحرار فلا حبٌ ولا تبنٌ، وأما الجرف فالحب والتبن.
قال أهل السير: كان أول من نزل المدينة بعد غرق قوم نوح قوم يقال لهم: صعل، وفالج. فغزاهم داود النبي ﵇، فأخذ منهم مائة ألف عذراء، قال: وسلط الله عليهم الدود في أعناقهم فهلكوا، فقبورهم هذه التي في السهل والجبل.
قالوا: وكانت العماليق قد انتشروا في البلاد، فسكنوا مكة والمدينة والحجاز كله، وعتوا عتوًا كبيرًا، فبعث إليهم موسى –﵇ جندًا من بني إسرائيل فقتلوهم بالحجاز وأفنوهم.
يروى عن زيد بن أسلم أنه قال: بلغني أن ضبعًا رؤيت هي وأولادها رابضةً في حجاج عين رجل من العماليق.
وقال: لقد كان في ذلك الزمان تمضي أربعمائة سنة وما يسمع بجنازة!.
ذكر سكنى اليهود الحجاز
قال: وإنما كان سبب سكنى اليهود بلاد الحجاز أن موسى ﵇ لما أظهره الله على فرعون وأهلكه وجنوده، وطئ الشام وأهلك من بها، وبعث بعثًا من اليهود إلى الحجاز وأمرهم ألا يستبقوا من العماليق
1 / 26
أحدًا بلغ الحلم، فقدموا عليهم فقتلوهم وقتلوا ملكهم «نبنما» . وكان يقال له: الأرقم بن أبي الأرقم، وأصابوا ابنًا له شابًا من أحسن الناس، فضنوا به عن القتل، وقالوا: نستحييه حتى نقدم به على نبي الله موسى ﵇ فيرى فيه رأيه، فأقبلوا وهو معهم، وقبض الله موسى قبل قدومهم.
فلما سمع الناس بقدومهم تلقوهم، فسألوهم عن أمرهم، فأخبروهم بما فتح الله عليهم وقالوا: لم نستبق منهم أحدًا إلا هذا الفتى، فإننا لم نر شابًا أحسن منه فاستبقيناه حتى نقدم به على [نبي الله] موسى ﵇ فيرى فيه رأيه.
فقالت لهم بنو إسرائيل: إن هذه لمعصية لمخالفتكم أمر نبيكم، لا والله لا تدخلون علينا بلادنا، وحالوا بينهم وبين الشام، فقال الجيش، ما بلد إذ منعتم بلدكم خير من البلد الذي خرجتم منه.
وكانت الحجاز أشجر بلاد الله وأظهره ماءً.
قال: وكان هذا أول سكنى اليهود الحجاز بعد العماليق.
وقال آخرون: بل كان علماؤهم يجدون في التوراة أن نبيًا يهاجر من العرب إلى بلد فيه نخل بين حرتين، فأقبلوا من الشام يطلبون صفة البلد، فنزل طائفة تيماء وتوطنوا نخلًا، ومضى طائفة فلما رأوا خيبر ظنوا أنها البلدة التي يهاجر إليها، فأقام بعضهم بها، ومضى أكثرهم وأشرفهم فلما رأوا يثرب سبخةً وحرةً ونخلًا قالوا: هذا البلد الذي يكون له مهاجر النبي إليها، فنزلوه، فنزل النضير بمن معه بطحان فنزلوا منها حيث شاءوا وكان جمعيهم بزهرة، وهي محل بين الحرة والسافلة مما يلي القف، وكانت لهم الأموال بالسافلة، ونزل جمهورهم بمكان يقال له: يثرب بمجتمع السيول –سيل بطحان والعقيق، وسيل قناة- مما يلي زغابة.
قال: وخرجت قريظة وإخوانهم بنو هدل وعمرو أبناء الخزرج بن الصريح بن التومان بن السبط بن اليسع بن سعد بن لاوي بن خير بن النحام بن تنحوم بن عازر بن عذري بن هارون بن عمران ﵇.
والنضر بن النحام بن الخزرج بن الصريح بعد هؤلاء، فتبعوا آثارهم
1 / 27
فنزلوا العالية على واديين يقال لهما: مذينيب ومهزور، فنزلت بنو النضير على مذينيب واتخذوا عليه الأموال، ونزل قريظة وهدل على مهزور واتخذوا عليه الأموال. وكانوا أول من احتفر بها الآبار وغرس الأموال، وابتنوا الآطام والمنازل، قالوا: فجميع ما بنى اليهود بالمدينة تسعة وخمسون أطمًا.
قال عبد العزيز بن عمران: وقد نزل المدينة قبل الأوس والخزرج أحياء من العرب، منهم أهل التهمة تفرقوا جانب بلقيز إلى المدينة، فنزلت ما بين مسجد الفتح إلى يثرب في الوطاء، وجعلت الجبل بينها وبين المدينة، فأبرت بها الآبار والمزارع.
ذكر نزول أحياء من العرب على يهود
قالوا: وكان بالمدينة قرى وأسواق من يهود بني إسرائيل، وكان قد نزلها عليهم أحياء من العرب فكانوا معهم، وابتنوا الآطام والمنازل قبل نزول الأوس والخزرج؛ وهم: بنو أنيف حي من بلي، ويقال: إنهم من بقية العماليق، وبنو مزيد حي من بلي، وبنو معاوية بن الحارث بن بهثة بن سليم بن منصور بن عكرمة بن خصفة بن قيس بن عيلان، وبنو الجذماء حي من اليمن.
قالوا: وكانت الآطام عز أهل المدينة ومنعتهم التي يتحصنون فيها من عدوهم، فكان منها ما يعرف اسمه ومنها ما لا يعرف اسمه، ومنها ما يعرف باسم سيده، ومنها ما لا يدرى لمن كان، ومنها ما ذكر في الشعر، ومنها ما لم يذكر، فكان ما بني هناك من الآطام للعرب بالمدينة ثلاثة عشر أطمًا.
ذكر نزول الأوس والخزرج المدينة
قالوا: فلم تزل اليهود الغالبة بها الظاهرة عليها حتى كان من أمر سيل العرم ما كان وما قص الله في كتابه، وذلك أن أهل مأرب وهي أرض سبأ كانوا آمنين في بلادهم، تخرج المرأة بمغزلها لا تتزود شيئًا، تبيت في قرية وتقيل في أخرى حتى تأتي الشام.
فقالوا: ﴿ربنا باعد بين أسفارنا﴾ .
1 / 28
فسلط الله عليهم العرم وهو جرذ، فنقب عليهم السد حتى دخل السيل عليهم فأهلكم، وتمزق من سلم منهم في البلاد، وكان السد فرسخًا في فرسخ، كان بناه لقمان الأكبر العادي، بناه للدهر على زعمه، وكان يجتمع إليه مياه أهل اليمن من مسيرة شهر.
قالوا: فكانوا في عيدٍ لهم، وكان فيهم هتام بن ربيعة بن عمرو بن عامر، وكان كاهنًا غيشومًا فقالت له بنو عمرو: قل. قال: قولي لكم وعليكم! قالوا: نعم، فقال:
يا رب من ورث عاد ... اجعل مأرب بيننا فانعما
صحاصحا غيرًا وفجًا اقتما ... منها لأن الركب فيها أظلما
فأوحش عليه الليل أزرما ...
فكان تمزيقهم.
ويروى أن طريفة بنت ربيعة الكاهنة، امرأة عمر وبن عامر بن ثعلبة ابن امرئ القيس بن ثعلبة بن مازن بن الأزد بن الغوث قالت له: إني أتيت في المنام فقيل لي: رب أمر ذاب، شديد الذهاب، بعيد الإياب، من واد إلى واد، وبلاد إلى بلاد، كدأب ثمود وعاد! ثم مكثت.
ثم قالت: أتيت الليلة فقيل لي: شيخ هرم، وجعل لزم، ورجل قرم، ودهر ازم، وشر لزم، يا ويح أهل العرم.
ثم قالت: أتيت الليلة، فقيل لي: يا طريفة لكل اجتماع فراق، فلا رجوع ولا تلاق، من أفق إلى آفاق.
ثم قالت: أتيت الليلة في النوم، فقيل لي: رب إلب موالب، وصامت وخاطب، بعد هلاك مارب.
قالت: ثم أتيت في النوم، فقيل لي: لكل شيء سبب، الأغبش ذو الذنب، الأشعر الأزب، فنقب بين المقر والقرب، ليس من كأس ذهب.
فخرج عمرو وامرأته طريفة فدخلا العرم، فإذا هما بجرذ يحفر في أصله، ويقلب بيديه ورجليه الصخرة ما يقلبها خمسون رجلًا.
1 / 29
فقال: هذا والله البيان، وكتم أمره وما يريده، وقال لابن أخيه وداعة ابن عمرو: إني سأشتمك في المجلس فالطمني، فلطمه، فقال عمرو: والله لا أسكن بلدًا لطمت فيه أبدًا. من يشتري مني أموالي؟ قال: فوثبوا واغتنموا غضبته وتزايدوا في ماله فباعه.
فلما أراد الظعن قالت طريفة: من كان يريد خمرًا وخميرًا، وبرًا وشعيرًا، وذهبًا وحريرًا؛ فلينزل بصرى وسديرًا.
ومن أراد الراسيات في الوحل، المطعمات في المحل؛ فليلج يثرب ذات النخل.
ومن كان ذا جمل شديد، وهم بعيد؛ فليلحق بأرض عمان. فلحقت منهم فرقة بالشام بقود طمر بن عمرو وهو غسان، ولحق عمران بن عامر وهم الأزد بأرض عمان وبها يومئذٍ شترن، ولحقت خزاعة بتهامة، ولحقت بنو عمرو بن ثعلبة وهم الأوس والخزرج ابنا حارثة بن عمرو بن ثعلبة بن عمرو بن عامر بيثرب وهي المدينة.
قالوا: وكان ممن بقي بالمدينة من اليهود حين نزلت عليهم الأوس والخزرج، بنو قريظة وبنو النضير وبنو محمحم وبنو زعوراء وبنو قينقاع وبنو حجر وبنو ثعلبة، وأهل زهرة، وأهل زبالة، وأهل يثرب، وبنو القصيص وبنو ناغصة وبنو ماسكة، وبنو القمعة، وبنو زيد اللات، وهم رهط عبد الله، وبنو عكوة وبنو مرانة.
قالوا: فأقامت الأوسط والخزرج بالمدينة، ووجدوا الأموال والآطام والنخل في أيدي اليهود، ووجدوا العدد والقوة معهم فمكثت الأوس والخزرج معهم ما شاء الله.
ثم إنهم سألوهم أن يعقدوا بينهم وبينهم جوارًا وحلفًا يأمن به بعضهم من بعض ويمنعون به من سواهم، فتعاقدوا وتحالفوا واشتركوا وتعاملوا. فلم يزالوا على ذلك زمنًا طويلًا وأثرت الأوس والخزرج وصار لهم مال وعدد.
فلما رأت قريظة والنضير حالهم خافوهم أن يغلبوهم على دورهم وأموالهم، فتنمروا لهم حتى قطعوا الحلف الذي كان بينهم، وكانت قريظة
1 / 30
والنضير أعدوا وأكثروا، فأقامت الأوس والخزرج في منازلهم وهم خائفون أن تحتلهم يهود حتى نجم منهم مالك بن العجلان أخو بني سالم بن عوف بن الخزرج.
ذكر قتل يهود واستيلاء الأوس والخزرج على المدينة
قالوا: ولما نجم مالك بن العجلان، سوده الحيان عليهما فبعث هو وجماعة من قومه إلى من وقع بالشام من قومهم يخبرونهم حالهم، ويشكون إليهم غلبة اليهود عليهم، وكان رسولهم الرمق بن زيد بن امرئ القيس، أحد بني سالم بن عوف بن الخزرج وكان قبيحًا دميمًا شاعرًا بليغًا، فمضى حتى قدم الشام على ملكٍ من ملوك غسان الذين ساروا من يثرب إلى الشام يقال له: أبو جبيلة، من ولد جفنة بن عمرو بن عامر، وقيل: كان أحد بني جشم بن الخزرج وكان قد أصاب ملكًا بالشام وشرفًا.
فشكى إليه الرمق حالهم وغلبة اليهود عليهم وما يتخوفون منهم، وإنهم يخشون أن يخرجوهم. فأقبل أبو جبيلة في جمع كبير لنصرة الأوس والخزرج، وعاهد الله لا يبرح حتى يخرج من بها من اليهود أو يذلهم ويصيرهم تحت يد الأوس والخزرج. فسار وأظهر أنه يريد اليمن حتى قدم المدينة وهي يومئذٍ يثرب، فلقيه الأوس والخزرج وأعلمهم ما جاء به.
فقالوا: إن علم القوم ما تريد تحصنوا في آطامهم فلم نقدر عليهم، ولكن ادعهم للقائك وتلطف بهم حتى يأمنوك ويطمئنوا فتتمكن منهم.
فصنع لهم طعامًا وأرسل إلى وجوههم ورؤسائهم، فلم يبق من وجوههم أحدٌ إلا أتاه، وجعل الرجل منهم يأتي بخاصته وحشمه رجاء أن يحبوهم الملك. وقد كان بنى له حيزًا وجعل فيه قومًا، وأمرهم من دخل عليهم منهم أن يقتلوه حتى أتى على وجوههم ورؤسائهم، فلما فعل ذلك عزت الأوس والخزرج في المدينة، واتخذوا الديار والأموال، وانصرف أبو جبيلة راجعًا إلى الشام وتفرقت الأوس والخزرج في عالية المدينة وسافلتها، وبعضهم جاء إلى عفًا من الأرض لا ساكن فيه فنزله، ومنهم من لجأ إلى قرية من قراها واتخذوا الأموال، والآطام، فكان ما ابتنوا من الآطام
1 / 31