Durr Manzum
الدر المنظوم الحاوي لأنواع العلوم
وبعد: فغير خاف على أولي الأفهام وأرباب النهى والأحلام ما أوجب الله سبحانه على المأمومين للإمام من تعظيم أمره وأن يقدروه حق قدره، وأن يمتثلوا ما ورد عليهم من نهيه وأمره، وأن تكون ظنونهم فيه حسنة، وأفعاله عندهم مرضية، مالم يكن وجود القبح فيها بينة، وأنه إذا اختلف رأي الإمام والمأموم وجب على المؤتم أن يقف من رأيه على حد معلوم، وهو أن يعرض من الرأي على الإمام ما لديه، فإن رآه راجحا عمل عليه، وإن رآه مرجوحا لم يكن للمؤتم أن يوجه اللوم إليه، وإذا كان في أمر إنشراح قلب الإمام وطيبة نفسه ولم تطب نفس المأموم إلا بخلاف ذلك وعكسه وجب على المأموم تقديم مرام الإمام على مرامه والعمل بقول المصطفى: «ليس للمرء إلا ما طابت به نفس إمامه» (1)، وأنه إذا وقع في نفس المأموم موجدة على الإمام لأمر حدث منه، وعرض في يوم من الأيام، وجب عليه أن يدافع النفس التي هي بالسوء أمارة، وأن يذكر ما يجب عليه من حقوق الإمامة، وأن يستخرج لإمامه المحامل الحميدة، فإن ذلك في حق كل مسلم من الأمور اللازمة والأنظار السديدة، فإن لم يجد للظن الحسن مجالا، ولا لما عن له وحك في صدره زوالا، نهض إلى الإمام إن كان بعيدا، وطلب منه في زوال شكه عملا مفيدا، وخاطب الإمام في ذلك بالخطاب اللين والسؤال الواضح البين، وإذا لم يجد من الجواب ما يشفيه، ولا اطلع من الأعذار على ما يكفيه، نظر في ذلك الأمر بعين الإنصاف، وتأمله بذهن عن الأهواء صاف، فإن وجد أمرا يخرج الإمام من الإمامة، ويبطل ما ثبت له من الأمارة والزعامة، وإلا وجب عليه البقاء على طاعته، وعدم القدح في إمامته، وأنه إذا انتهت عن الإمام شكوى، وبلغت إلى أولي العلم والتقوى، وجب عليهم أن لا يتبادروا إلى المعتبة، وأن لا يحكموا بأن تلك الشكوى لسوء الظن موجبة، وأن يقولوا نحن من كمال الإمام على يقين، ومن كونه ذا فضل ودين ورأي حسن رصين، ولا يعرض ليقيننا شك ولا تخمين، ولو كان الشاكي عدلا، وممن حوى كمالا وفضلا، فإن خبره لا يتعدى مرتبة الظن، ولا ينبغي أن يخرج عن اليقين لظن عن، فإن دخلت تلك الشكوى في القلوب، وكان الإنصاف وعدم الاعتساف هو المطلوب، حسنت مباحثة الإمام بوجه لطيف، والإخبار له بما نقل عنه والتعريف، وأن يفهم منه الجواب، بخطاب مشافهة أو كتاب ، هذا طرف من ذكر حقوق الإمام أضاعه -والله- كثير من الأنام، وساموه ما لا ينبغي أن يسام، وعكسوا القضية في حقوقه، وتمادوا في قطيعته وعقوقه، وأهملوا ما يتوجه له وأضاعوه، وبنوا على أنهم مطيعون له وما أطاعوه، فالعين من ذلك عبراء، والنفس بنا من الوجد حرا، لولا امتثال ما أمر الله به من الصبر الجميل، ورجوى ما وعد به من الثواب الجزيل، ومعرفة أنه لا بد من الوقوف بين يديه، وعرض كل دقيق وجليل عليه، فرددنا ما يأتينا من ذلك إليه، ورجونا الإنصاف والخيرات من لديه، هذه نفثة مصدور، وأنة قلب محرور، إذا تلقيت بآذان واعية، وأذهان لمعرفة معانيها الحسان راعية، كانت لمن وفقه الله نافعة شافية، ولكثير من القالات العارضة قاطعة نافية، ومن أسبابها ما حكم به علينا، ونسب من الخلف وعدم الوفاء إلينا، في شأن الأمور المتعلقة بآل الفقيه عفيف الدين، محب أهل البيت المطهرين، وكان ذلك يبلغنا عمن لا ينظر إليه، ولا يلتفت عليه، فلم نرقم لأجل ما بلغنا عنه كلمة ولا كلاما، نظرا إلى قوله تعالى: ?وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاما? [الفرقان:63] حتى أفضت الحال، وانتهى ذلك المعنى وآل، إلى أن صدر الملام، وسمع في ذلك الكلام، ممن مرتبته عالية، وهمته سامية، ومودته شافية، وعنايته في جانب الحق وافية، فحينئذ توجه أن نوضح المحجة ونقيم الحجة، ونخوض من شأن ذلك في اللجة، ويعرض الكلام على أهل النهى والأحلام، من الإخوان الفضلاء الكرام، وإن بان لهم منا بعد ذلك منها أمر يريب، ويستنكره الأريب، وجدوا الإنصاف بمكان قريب، وإن بانت لهم إصابة الصواب، وأنه لم يصدر منا ما يعاب، انشرح صدر كل امرء منهم -إن شاء الله- وطاب، وزالت الأعتاب في هذا الباب.
ونحن نقدم قبل شرح تلك القصة، نبذة مما يحتاج إلى تقدم فهمه وحصه، ونقول: الذي يضعه الإمام في خطوطه ويعد به لا يخلو إما أن يكون واجبا في نفسه، أو انكشف له أنه لا يجوز بعد أن وضعه معتقدا لجوازه، أو لا واجبا، والآخر إما إن كان واجبا فلا شك أنه يجب عليه الوفاء به ويتحتم، وإن كان حراما بالانكشاف فلا كلام أنه يجب عدم الوفاء به، كما لو وعد رجلا بأن يوليه جهة من الجهات ظانا لصلاحيته للولاية، أو وعد رجلا بأن يصرف إليه بعض الحقوق الواجبة ظنا منه لاستحقاقه، ثم انكشف غير مستحق، أو نحو ذلك، وإن كان لا واجبا ولا حراما كأن يضع لرجل خطة بأن يوليه الجهة الفلانية وهو ممن يصلح للتولية، وغيره يصلح لها، ثم ولاها غيره، أو بأن يعطيه كذا وكذا وهو مصرف لذلك ثم منعه، فما هذا حاله إن ترك الوفاء به نظرا في الأصلح واعتبار الأرجح، كأن يكون في صورة التولية تولي غيره أوفق وأصلح، وفي صورة الإعطاء إعطاء غيره أنفع أو هو أحوج، فمثل ذلك لا يلام عليه الإمام، ولا ينبغي أن يوسع عليه فيه الكلام، فإن كان لا على جهة اعتبار الأصلح، بل بدا له أن يترك ذلك، لا لصارف عن الفعل فهذا يعاب، ولا يليق بشريف النصاب، لكنه مع ذلك لا يقدح في الإمامة، ولا يجرح(1) المأموم عن تكاليفها العامة، وهذا أمر لا يجهله عاقل، ولا ينكره إلا جاهل.
Bogga 509