Durr Manzum
الدر المنظوم الحاوي لأنواع العلوم
وهنا وجه آخر اقتضى تراخينا عن الخروج إلى جهة السودة في هذه المدة، وهو أنا لا نتمكن من الخروج إليها، والتعريج عليها، إلا في إقبال الثمار وحضورها، وانسكاب الأرزاق ودرورها، لأنها جهة لا يدخل منها نفسها مصلحة تقوم بشيء من المشاق والمكالف، وفيها من الصرف والانفاق مالا يقوم به التالد والطارف، فما لم يصادف وصولنا إليها ما ذكر لم يمكن فيها المقام، ولو قليلا من الأيام، ثم أنها وغيرها وما حولها من الجهات والأماكن التي تليق الإقامة بها والوصول إليها فيها هذا الزمان من الحطم وقلة الحب وغلاء السعر ما قد ربما انتهى إلى الخواطر الكريمة، فلذلك أحجمنا بعد أن نوينا الخروج مرة بعد أخرى، وهممنا وقد آن وقت الانتهاض وحصول الأغراض إن شاء الله تعالى وبنينا على الخروج وإن شابه ما شاب، بعد استخارة الله واعتماد ما أجمع عليه الأصحاب، ونحن مع ذلك نلزم الأخوان الأعيان والفضلاء أولى الأديان أن ينتهضوا إلينا حال انتهاضنا إلى موضع إقامتنا، لنتفاوض نحن وهم في الأمور العامة والخاصة، ونهتم جميعا بما هو الزبدة من أمر الإمامة والخلاصة، ويكون أمرنا بيننا شورى، ونعتمد ما هو الأولى بنا والأحرى، ونتأمل ما هو الأقرب إلى السلامة في الأخرى، ونتعاون على البر والتقوى، ومدافعة أولي الأغراض الفاسدة والأهواء، وننشر العلوم التي عفت آثارها، وتهدم منارها، وتوارى أوارها، وتعهد المصالح، وتمييز المرجوح من الراجح، نرمي في ذلك إن شاء الله عن قوس واحدة، وعزيمة صحيحة غير فاسدة، وأما ما تضمنه كتاب الأصحاب (الإخوان) من ذكر الأخير من السببين وهو ميل ذلك الصاحب عن الجانب، وإن ذلك لشكاو ذكرها، ودعاو أظهرها، وكون الراجح إسعافه وإنصافه، فنحن على يقين من كون الداعي لهم -أمتع الله بهم- إلى ذلك النصح الذي يجب، وأن كلا منهم يريد الصلاح ويحب، ولكنهم -بسلامتهم- يحملون الأمور على ظواهرها، ولا يطلعون على بواطن القلوب وسرائرها، ولو أن الأمر كان كما ظنوه واعتقدوه لكان الرأي الصائب ما رجحوه -بسلامتهم- وأيدوه، ولكن الأمر على خلاف ما ظهر، وعند جهينة الخبر اليقين من الخبر، ونشهد لكم بصدق ما أشرنا إليه، ونبهنا عليه، أن هذا الصاحب المذكور قد كان على ما عرفتم من الإجمال، والملازمة مدة طويلة لا يسمع منه اعتلال، ولا ينظر في موالاته اختلال، والحال الحال، واسألوا هل حدث هذا الزمان في جانب أولئك المجعولين علة حادث؟ أو صدرت إليهم إشارة، بقول أو فعل أو أمر كاره؟ تجدوا ذلك أمرا لم يكن، ولكن لما أدرك الشيطان ما أراد، وجرى مجرى الدم بل زاد، وقعت التعللات الباردة، والتمحلات الفاسدة، ثم انظروا -حفظكم الله- بما يدلي هذا الرجل فيما ادعاه علينا، بسبب أولئك الناس، هل بوصاية؟ فهي منتفية، أو ولاية؟ فهي لنا دونه، أو قرابة فهي معدومة، أو مصاهرة؟ فما من ذلك إلا مثل الذي لنا، أو ضمانه؟ فما هو بكفيل ولا وكيل، أو الله وحسبه علينا، فكيف يقوم لله من يطلب أن يفعل ما لا يرضي الله؟! وما أحسن ما قاله أمير المؤمنين عليه السلام إما ما هو كذا وكذا، فلم يكن الجناية فيها عليك، فيكون العذر فيها إليك، أوكما قال، والذي يمكن أن توجه إليه عليه هذه أحد أمرين، إما العهدة فإن زعم كما ذكر بعض الإخوان عنه أنها لهم ملك وأنها وديعة عندنا لهم، فهم أيتام في حجورنا، ونحن المنفقون عليهم، وهم الآن صغار، فإن طلب ردها إلى أيديهم لم يسع ذلك، وإن كان إلى يده فلأي وجه؟ وليت أنه يستمر على هذه الدعوى، فهي دعوى شرعية، والشريعة ممتثلة، فإن رجلا من أضعف رعيتنا في جهة الشام إدعى علي دعوى فأجبته إلى مجلس الشرع الشريف، ولم أمتنع عن ذلك مع معرفتي لعدم صحة دعواه، وأي ملك لهم في عهدة هي لأئمة المسلمين خلفا عن سلف، وهذا والدهم وصيته موجودة كاتبها وشاهدها الفقيه الأفضل أحمد بن محمد الخالدي (1) ، ذكر فيها ما يملكه وما هو لبيت المال، واعترف بأن العهدة للمسلمين، ومما هو لله فولايته إلى الأئمة الراشدين، فبأي وجه أو سبب يريد أن ينتزعها عن يد الإمام، ويضعها في أيدي النساء والأيتام الذين لا يقدرون على حفظها، ولا يتمكنون من قبضها؟! اللهم إلا بظلامات يفعلونها، وأموال يغصبونها، ودماء يسفكونها، إنا لله وإنا إليه راجعون، وإنا إلى ربنا لمنقلبون، وإن كانت العلة ما حكي عنه من قلة ما ينفق عليهم، وأنهم قد يجوعون والمخازين فيها الحبوب، ويعرون ولا يحصل لهم المطلوب، فلا يخلو إما أن يدعي أن الذي في مخازيننا هو لهم ولم ينفق عليهم، ففرية ما فيها مرية، إنا لم نقبض لهم درهما ولا دينارا، ولا حوت أيدينا لهم قطميرا (1) ولا قنطارا (2)، وإن اعترف بأن الذي معنا ليس لهم بل من بيوت الأموال وحقوق الله تعالى، فأي واجب لهم فيها؟ وما سبب الاقتراح على الإمام في أنه لم يعط بني فلان؟ فإن للإمام في ذلك نظره، وغيرهم من المسلمين أكثر احتياجا واستحقاقا، وأما هم فما فيهم غير غني إلا طفلان صغيران، فهما لا أعلم غناهما، وبقيتهم من الأغنياء بالإجماع، ثم كيف يتصور هذه العلة مع أنا قد تواطينا نحن وهم على قدر معلوم ينفق عليهم، وما زالوا يطلبون زيادة مرة بعد أخرى، ونحن نسعدهم حتى وضعوا خطهم -وهو بأيدينا- بأنهم قد رضوا، وحضر هو على موقف آخر بعد وضع الخط وطلب الزيادة ففعلناها، وكلما وضع لهم في السنة يسلم مرة واحدة من أفضل الحب مع زيادته على الكفاية، ولهم حبوب من أموالهم لا يعتدون بها، ولا يحسبونها، ثم ليسأل فيم ينفق تلك المخازين؟ هل في حفظ العهد وحفظهم، مع شدة طلب إعادتهم لهم؟ أو ينقلها من السودة إلى غيرها، وينتفع في غير تلك الجهة بها؟ وإن كانت العلة طلب الضمانة، ففي أي دين؟ أو على أي وجه يحارب الإمام؟ على أن يضمن رجلا من القبائل على نفسه بأمر لا يجب عليه، فضلا أن تجب الضمانة به، ثم إنا نعرفهم -أبقاهم الله- بأن الغرض من الضمانة ليس ما أظهروه من طلب الوفاء، فإنهم عالمون يقينا بأنا غير متأخرين عما قد تقيد بيننا وبينهم، بل الغرض التوصل إلى انتزاع العهدة من اليد، لأن الخطوط لها قيود وشروط لا يعرفها إلا أهل المعرفة التامة، فكيف يتمكن من معرفتها من هو من العامة؟ فإذا ضمن والي العهدة فيما تضمنته الخطوط لم يعرف الشرط من المشروط، ومن عادة الولاة اعتقاد أنه لا نقا لهم إلا بطيبة نفس المضمون له، فمن ثاني وقوع الضمانة يدعون أنهم قد وقعوا في خلاف ما تضمنه الخطوط، ويلومون الوالي ويتعاظم الخصام، هذا والله هو القصد والمرام.
Bogga 469