Durr Kamin

Al-Durr al-Kamin bi-Dhayl al-ʿIqd al-Thamin fi Tarikh al-Balad al-Amin

الجزء الأول بسم الله الرحمن الرحيم ... بالفنا ، وأطاب عمن أحب منهم ... ثناه الأسنى. وأشهد أن لا إله إلا الله .. يعني. وأشهد أن سيدنا محمدا عبده ورسوله ... صلى الله وسلم عليه صلاة وسلاما دائمين ... ورضي عن آله وأصحابه والتابعين لطريقتهم الحسنى .

... [إنه من العلوم] الحسنة المفيدة ، والتنبيهات المتعينة الأكيدة ، [إذ به يحصل للمتأخرين علم أحوال المتقدمين]. ولولاه لجهلت الأحوال ، ولما عرف الفرق [بين العلماء والجهال. وقد اتفق الناس عليه] في كل زمان ، وصنفوا فيه كل أنواع وأفنان . وقيل : [إن الله تعالى أنزل سفرا من التوراة مفردا] مضمنا لأحوال الأمم السالفة ، ومدد أعمارها [وبيان أنسابها].

Bogga 1

[وقال ابن الأكفاني في] كتابه : الدر النظيم في أقسام العلم والتعليم [ما نصه : " وكتب التواريخ ينتفع بها للاطلاع على أخبار] العلماء والعقلاء ووقائعهم ، وحوادث الحدثان [وسير الناس ، وما أبقى الدهر من فضائلهم] ورذائلهم بعد أن أبادهم". انتهى وسئل ... أبو البركات أحمد بن إبراهيم بن نصر الله الكناني المصري ... التاريخ ، فقال ما ملخصه : لا شك في جلالة علم ... الشريعة إليه. ولهذا قيل : أن علم التاريخ ... نجوم الهدى ومصابيح الظلم ممن لا مطعن فيهم ... لليث بن سعد. وقبله الطبقات لابن سعد ... ومسلم والنسائي. ومن الرابعة : الطبري ... ومن الخامسة : ... أبو إسحاق. ومن السادسة : ... ابن عساكر ... ومن السابعة : ... المنذري. ومن الثامنة : ... المزي والذهبي. ومن التاسعة : ... وغيرهم ممن لا ينحصر. انتهى.

وكان شيخنا ... المسلمين تقي الدين ... الإمام ... محمد بن أحمد بن علي بن أبي عبد الله محمد بن عبد الرحمن الحسني ... قد اعتنى بأخبار بلدة مكة المشرفة. فأحيى معالمها وأوضح مجاهلها وجدد مآثرها وترجم أعيانها بعدة مؤلفات منها : ... وهو أحسن ما صنفه في بابه. وإنه لفوق ما قال ... ومن أهلها وغيرهم أو ... أو دفن بها ، ومن جاور ... في الحل والحرم ... رتبه على حروف المعجم ، بدأ بالمحمدين والأحمدين تبركا باسم نبينا محمد خاتم النبيين.

ولا جرم أنه أعاد بها من كان فانيا ، وأعاد مكة وأهلها عمرا ثانيا. فرحمهالله رحمة واسعة ، فإنه قد أتى البيوت من أبوابها ، وأهل مكة أخبر بشعابها ، ولقد أبقى بعده ذكرا جميلا فالله تعالى يثيبه أجرا جزيلا.

وقد استخرت الله تعالى في التذييل عليه على شرطه : ممن مات بعده ، وممن هو موجود الآن من الأعيان ، ومن تركهم سهوا.

وأعلم على أول كل اسم من سهى عنه كاف هكذا : (ك) ؛ ليعلم أنه استدرك. وأذكر في ترجمة كل من وقفت عليه على رواية : حديثا أو أثرا أو شعرا أو خبرا لتتم الفائدة. وأبدأ قبل ذلك بترجمة لمؤلف الأصل ، وإن كان قد ترجم نفسه في كتابه لزيادة في ذلك.

وسميت هذا الكتاب : «الدر الكمين بذيل العقد الثمين في تاريخ البلد الأمين».

وأنا أسأل كل من وقف على كتابي هذا إصلاح ما كان فيه على غير الصواب ، مع مسامحتي في ذلك ؛ لأنه إنما وقع مني على سبيل الذهول أو النسيان وقد جبل عليها كل إنسان. والله أسأل إلهام الصدق وطريق الحق.

Bogga 2

1 محمد بن أحمد بن علي بن أبي عبد الله محمد بن محمد بن عبد الرحمن بن محمد بن أحمد بن علي بن عبد الرحمن بن سعيد بن عبد الملك بن سعيد بن أحمد بن عبد الله بن عبد الرحمن بن عبد الله بن علي بن حمود بن ميمون بن إبراهيم بن علي بن عبد الله بن إدريس بن إدريس بن عبد الله بن الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب الحسني الفاسي المكي المالكي.

نقلت هذا النسب من خط سيدي والدي تغمده الله بالرحمة والرضوان وأسكنه فسيح الجنان آمين ، وذكر أنه وجده بخط الشريف عبد اللطيف بن أحمد بن علي بن عبد الله الفاسي أخي صاحب الترجمة ، وقد شاهدت أنا هذا النسب بخط الشريف عبد اللطيف المذكور. ثم رأيته بخط الفقيه إسماعيل بن محمد الأمين اليمني المكي ، لكنه لم يذكر والد عبد الملك سعيدا فلعله سقط منه. وزاد عبد الرحمن والدا لعبد الرحمن بن عبد الله بن علي بن حمود ، فلعل ذلك تكرر عليه فالله أعلم.

الإمام العلامة قاضي مكة ومؤرخها ومحدثها وحافظها تقي الدين أبو الطيب ابن شيخنا العلامة أقضى القضاة شهاب الدين أبي العباس ابن نور الدين أبي الحسن.

ولد في ليلة الجمعة عشري ربيع الأول سنة خمس وسبعين وسبعمائة بمكة.

Bogga 3

وانتقل في سنة تسع وسبعين أو في التي بعدها مع والدته أم الحسين سعادة ابنة قاضي القضاة كمال الدين أبي الفضل محمد بن أحمد بن عبد العزيز العقيلي النويري ، وشقيقه عبد اللطيف إلى المدينة الشريفة ، لأن خالهما القاضي محب الدين أبا بكر أحمد بن القاضي أبي الفضل النويري كان إذ ذاك بها قاضيا.

وسمع بها في سنة ثلاث وثمانين على أم الحسن فاطمة بنت الشهاب أحمد بن قاسم الحرازي «الأجزاء الثقفيات العشرة» ، ودرس «القرآن العظيم» حتى جود حفظه ، وقرأ في سنة سبع وثمانين «الأربعين للنووي مع باب الإشارات» بآخرها ، ثم كتاب «الإشارات» بآخرها ، ثم كتاب «الرسالة لابن أبي زيد» ، وأكمل حفظها في سنة ثمان وثمانين وعرضهما بالمدينة الشريفة في شوال من هذه السنة.

ثم انتقل هو وأخوه ووالدتهما من المدينة إلى مكة بعد ولاية خالهما المذكور للقضاء والخطابة بمكة المشرفة عوضا عن القاضي شهاب الدين ابن ظهيرة ، وحفظ بها «عمدة الأحكام» وعرضها في سنة تسع وثمانين.

وفيها صلى التراويح بمقام الحنابلة بالمسجد الحرام.

وفيها بدأ في حفظ «مختصر ابن الحاجب الفرعي» ، وأكمل حفظه في سنة اثنتين وتسعين وفيها عرضه ، ثم حفظ «الألفية في النحو لابن مالك» في سنة ثلاث وتسعين وعرضها ، ثم حفظ جانبا كبيرا من «مختصر ابن الحاجب الأصلي».

وحبب إليه في سنة اثنتين وتسعين سماع الحديث النبوي على الأوضاع المتعارفة ، وعني به ، فسمع بمكة من مشايخها والقادمين إليها ؛ فسمع من البرهان ابن صديق «مسند عبد» ، ثم «صحيح البخاري» ، و «مسند الدارمي» وغير ذلك.

ومن القاضي علي النويري «الموطأ رواية يحيى ابن يحيى» ، و «الشفاء للقاضي عياض».

Bogga 4

ومن شهاب الدين ابن الناصح لما جاور بمكة سنة ثلاث وتسعين «صحيح مسلم» ، و «سنن أبي داود» ، و «جامع الترمذي».

ثم زار المدينة الشريفة في سنة ست وتسعين فسمع بها من القاضي برهان الدين ابن فرحون «تاريخ المدينة للمطري».

ومن عبد القادر الحجار عدة أجزاء ومن غيرهما.

ورحل إلى القاهرة مرارا أولها صحبة الحاج في موسم سنة سبع وتسعين فقرأ بها ، وسمع كثيرا على البرهان الشامي ، والجمال الحلاوي ، والشهاب السويداوي ، وزين الدين ابن الشيخة ، ومريم بنت الأذرعي ، والسراج البلقيني ، والزين العراقي ، والنور الهيتمي ، والسراج ابن الملقن وخلائق.

ثم رحل منها إلى دمشق في سنة ثمان وتسعين فقرأ بها وبصالحيتها وغير ذلك من غوطتها أشياء كثيرة من الكتب والأجزاء على جماعة كثيرين من أصحاب الحجار وغيره ، منهم ابن أبي المجد ، وأبو هريرة ابن الذهبي ، وخديجة بنت إبراهيم بن سلطان البعلي.

وزار المسجد الأقصى ، وسمع به من الشهاب أبي الخير أحمد ابن الحافظ صلاح الدين العلائي وغيره.

وسمع بغزة من الشهاب أحمد بن محمد بن عثمان الخليلي ، وبالرملة ونابلس ، وعاد إلى مكة في سنة ثمانمائة.

ثم عاد إلى القاهرة فوصلها مع الحاج في سنة اثنتين وثمانمائة وسمع بها من جماعة ، ودخل في هذه السنة الاسكندرية ولم يسمع بها.

ودخل فيها أيضا بلاد الشام فسمع بها ، وعاد إلى مكة صحبة الحاج سنة أربع.

ودخل بلاد اليمن غير مرة أولها سنة ست وثمانمائة فسمع بها من أصيل الدين عبد الرحمن بن حيدر الدهقلي وغيره.

Bogga 5

وأجاز له بإفادة شيخنا نجم الدين المرجاني وغيره : المحب الصامت ، والتاج أحمد بن محبوب ، وابن عوض ، وابن السلار ، والزين عبد الرحمن ابن الأستاذ الحلبي ، والبرهان القيراطي ، وعدة يبلغون شيوخه بالسماع والإجازة نحو الخمسمائة شيخ.

وقد شرع له في معجم شيخنا الحافظ جمال الدين محمد بن موسى المراكشي فألف منه عدة كراريس في تراجم المحمدين ، ثم اخترمته المنية قبل إكماله.

وحدث بالحرمين والقاهرة ودمشق وبلاد اليمن ببعض مسموعاته ومؤلفاته.

سمع منه الفضلاء.

وتفقه بابن عم أبيه الشريف عبد الرحمن بن أبي الخير ابن أبي عبد الله الفاسي ، والشيخ أبي عبد الله الوانوغي ، والشيخ خلف النحريري ، والشيخ بهرام ، وأجازوا له بالإفتاء والتدريس.

وأخذ أصول الفقه عن الشيخ فتح الدين صدقة التزمنتي المقرئ ، والشيخ أبي عبد الله الوانوغي ، وبرهان الدين الأبناسي ، وشمس الدين القليوبي ، والشيخ خلف النحريري.

والنحو عن شمس الدين القليوبي وغيره.

والحديث عن القاضي جمال الدين ابن ظهيرة ، والشيخ زين الدين العراقي ، والحافظ شهاب الدين بن حجي الحسباني ، وأذن له كل منهم أن يدرس ويفيد في علم الحديث وكتبوا له خطهم بذلك.

ولازم شيخنا القاضي جمال الدين ابن ظهيرة كثيرا ، وتبصر به في علم الحديث ومتعلقاته وعني بهذا الشأن ، وجمع وأفاد وانتفع به الناس وأخذوا عنه.

Bogga 6

واعتنى بأخبار بلدة مكة المشرفة فأحيى معالمها وأوضح مجاهلها وجدد مآثرها وترجم أعيانها ، فكتب لها تاريخا على نمط تاريخ الأزرقي يستفاد منه معرفة المقاصد المهمة من تاريخ الأزرقي ، وفوائد أخر مهمة زائدة على تاريخ الأزرقي ، ولكن غالبها مما حدث بعده ، وسماه «تحفة الكرام بأخبار البلد الحرام» ورتبه على أربعة وعشرين بابا ، وأهدى منه نسخا إلى ديار مصر والمغرب واليمن والهند ، ثم بعد إهدائه الكتاب المذكور استطال الباب الأخير منه فتعذر عليه تغيير ذلك ، فجمع كتابا حافلا وجعل الباب الأخير سبعة عشر بابا فصارت أبوابه أربعين بابا ، وزاد فيها من «تاريخ مكة للفاكهي» ؛ لأنه لم يظفر به إلا بعد ذلك ، ومن غيره أمورا كثيرة مفيدة تكون نحوا من مقداره أولا ، ولم يخل باب من أبوابه من زيادة مفيدة ، وأصلح في كثير منه مواضع كثيرة ظهر له أن غيرها أصوب منها ، وذكر في بعض الأبواب ما كان ذكره في غيره مع الإعراض عما ذكره في الباب الذي كان فيه لما رأى في ذلك من المناسبة ، وسماه «شفاء الغرام بأخبار البلد الحرام» في مجلد ضخم ، ثم اختصره في نحو نصفه سماه «تحفة الكرام بأخبار البلد الحرام». ثم اختصره وسماه «تحصيل المرام من تاريخ البلد الحرام» وحدث به. سمعته عليه مع بعض مسموعاته ، ثم اختصره وسماه «هادي ذوي الأفهام إلى تاريخ البلد الحرام». ثم اختصره وسماه «الزهور المقتطفة من تاريخ مكة المشرفة». ثم اختصره وسماه «ترويج الصدور باختصار الزهور» ، ثم اختصره وما وقفت لهذا المختصر على اسم.

Bogga 7

وكتب أيضا تاريخا لمكة المشرفة يشتمل بعد الخطبة على الزهور المقتطفة المتقدم ذكرها ثم سيرة نبوية مختصرة من «السير لمغلطاي» مع زيادات كثيرة عليها ، ثم تراجم جماعة من حكام مكة وولاتها وقضاتها وخطبائها وأئمتها ومؤذنيها وتراجم جماعة من العلماء والرواة من أهل مكة ، وغيرهم ممن سكنها مدة سنين أو مات بها ، وتراجم جماعة ممن وسع المسجد الحرام أو عمره ، وتراجم جماعة عمروا أشياء من الأماكن المباركة بمكة وحرمها كالمساجد والمواليد وغير ذلك مع أحاديث وآثار وحكايات وأشعار في أثناء كثير من التراجم مرتب على حروف المعجم خلا المحمدين والأحمدين فإنهم مقدمون على غيرهم لكونهما من أسماء المصطفى صلىاللهعليهوسلم وسماه «العقد الثمين في تاريخ البلد الأمين» في أربع مجلدات. ثم اختصره في نحو نصف حجمه وسماه «عجالة القرى للراغب في تاريخ أم القرى» ، واختصر العقد الثمين أيضا في ثلاث مختصرات لم أقف لهم على اسم ، أحدها اختصره في سنة خمس وثمانمائة ، والثاني اختصره باللفج من بلاد اليمن سنة ست وثمانمائة وقفت عليه ، والثالث اختصره في سنة سبع وثمانمائة بدمشق ، وكتاب «المقنع من أخبار الملوك والخلفاء وولاة مكة الشرفاء» ، ثم اختصره ، ثم اختصر المختصر.

ومن مؤلفاته في التاريخ الذي لا يختص بمكة : «ذيل كتاب سير النبلاء» للذهبي في مجلدين ، وذيل على التقييد لابن نقطة أجاد فيه ، ثم اختصره مختصرين كبير وصغير ، وذيل عليهم ذيلا آخر صغيرا ، وجرد أسماءهم في مختصر أيضا ، وذيل على الإشارة للذهبي سماه «بغية أهل البصارة في ذيل الإشارة» وهو قدر الإشارة ، وكتاب بسط فيه تراجم بغية أهل البصارة وتراجم ليست فيه ، وذيل على الإعلام للذهبي سماه «إرشاد ذوي الأفهام إلى تكميل كتاب الإعلام بوفيات الأعلام» نحو ثلاث كراريس ، وكتاب «تقريب الأمل والسول من أخبار السلاطين بني رسول» مجلد.

Bogga 8

ومن مؤلفاته التي لا تعلق لها بالتاريخ كتاب في الأخريات سود غالبه ، وكتاب «تذكرة ذوي النباهات بجملة من الأذكار والدعوات» ، وكتاب «إرشاد الناسك إلى معرفة المناسك على مذهب الإمام الشافعي ومالك» ، وكتاب «مطلب اليقظان من حياة الحيوان» وهو مختصر «حياة الحيوان للدميري» ، وكتاب «الإيقاظ من الغفلة والحيرة في مسألة إقرار ظهيرة» ، ثم اختصره في مختصرين.

وجرد لجماعة من شيوخه أشياء من مروياتهم ، ولنفسه أربعين حديثا متباينة المتن والإسناد متصلة بالسماع ، وطرق في مجلد كبير كثيرا من أحاديثها ، وفهرسا يشتمل على جملة من مروياته بالسماع والإجازة وغير ذلك. ومصنفاته كثيرة جدا صارت جميعها كالعدم ؛ لأنه أوقفها في مرض موته على طلبة العلم الشريف واستثنى أهل مكة.

ولي قضاء المالكية بمكة المشرفة في شوال سنة سبع وثمانمائة من قبل صاحب مصر الناصر فرج ابن برقوق ، وهو أول قاض مستقل ولي بها على مذهب الإمام مالك ، ورتب له على ذلك معلوم ، وقرئ توقيعه بالمسجد الحرام في أوائل ذي الحجة من السنة بحضرة أمير الحاج المصري كزل العجمي وغيره من أعيان الحاج وأهل مكة.

Bogga 9

ثم ولي في سنة أربع عشرة درس المالكية بالمدرسة البنجالية بمكة ، واستمر حتى صرف عن ذلك مع وظيفة القضاء في رابع عشري شوال سنة سبع عشرة بقريبه الشريف أبي حامد بن عبد الرحمن بن أبي الخير بن أبي عبد الله الفاسي ، ثم أعيد إلى ولاية القضاء قريبا في ثامن ذي القعدة من السنة ، ثم عزل في عاشر الحجة سنة تسع عشرة بإمام المالكية شهاب الدين أحمد بن علي النويري ، ولم يباشر النويري ذلك لأمر أوجب ذلك ، ثم أعيد في ربيع الآخر سنة عشرين ، ثم صرف في أواخر سنة ثمان وعشرين لما ذكر عنه من العمى ، وكان هو في الأصل أعشى ثم ضعف نظره جدا بالقاضي كمال الدين أبي البركات محمد بن محمد بن أحمد بن حسن بن الزين القسطلاني ، فقدم القاهرة في أوائل سنة تسع وعشرين فاستفتى فضلاء المالكية فأفتوه بما يقتضيه مذهبهم أن العمى لا يقدح إذا طرأ على القاضي المتأهل للقضاء ، ومنهم من أفتاه بأنه لا يضر تولية الأعمى ابتداء ، واستنابه القاضي شمس الدين البساطي فحكم بالمدرسة الصالحية بالقاهرة ، ثم أنهى أمره إلى السلطان ووصف بما يستحقه من الثناء عليه فأعيد إلى منصبه ، ثم توجه إلى مكة.

ثم سعى عليه فعزل مرة ثانية بابن الزين المذكور في أوائل سنة ثلاثين فأبى أن يسعى له محبوه في العود وليستمر معزولا إلى أن مات.

وكان إماما علامة فقيها مفننا حافظا للأسماء والكنى ، وله معرفة تامة بالشيوخ والبلدان واليد الطولى في الحديث والفقه والتاريخ. لطيف الذات ، حسن الأخلاق ، عارفا بالأمور الدينية والدنيوية ، له غور ودهاء وتجربة وحسن عشرة وحلاوة لسان ، ويجلب القلوب بحسن عبارته ولطيف إشارته.

وكانت وفاته في النصف الثاني من ليلة الأربعاء ثالث شوال سنة اثنتين وثلاثين وثمانمائة بمكة ، وصلي عليه بعد صلاة الصبح عند باب الكعبة ، ودفن بالمعلاة بقبر سيدي الشيخ علي بن أبي الكرم الشولي بوصية منه ، وكان الجمع في جنازته وافرا ، وكثر الأسف عليه ، ولم يخلف بالحجاز بعده مثله رحمهالله ورضي عنه.

Bogga 10