Diinta Aadanaha
دين الإنسان: بحث في ماهية الدين ومنشأ الدافع الديني
Noocyada
يعني أننا نرفض تفسير الدين بما ليس هو، وذلك بإرجاعه إلى نظام معرفي آخر، أو تقليصه إلى ظاهرة أدنى منه، ويستخدم هذا الموقف الإرجاعي، عادة، صيغة تقريرية تقول: «إن الدين ليس إلا ... كذا.» وبذلك تنتهي مشكلة الدين لتبدأ مشكلة ال «كذا» الذي تم إرجاع الدين إليه، وتغيب الظاهرة الدينية في ركام النظام الآخر الذي أحلنا الظاهرة الدينية إليه، باعتبارها ناتجا ثانويا من نواتجه، لا يتمتع بخاصية متفردة. ولعل أبلغ مثال على الموقف الإرجاعي، هو الإرجاعية السيكولوجية، التي تختصر الدين إلى جملة من العمليات النفسية، التي تمكننا دراستها من التعرف على أصول الدين كظاهرة نفسية لا تتمتع بأساس موضوعي صلب. وتبلغ الإرجاعية السيكولوجية عند سيجموند فرويد أكثر أشكالها تطرفا، عندما يقرر أن الدين ما هو إلا عوارض عصابية يمكن دراستها في جملة ما ندرس من ظواهر العصاب عند البشر.
لا يقدم فرويد في أي من مؤلفاته تعريفه الواضح للدين، وهذا ما يجعله يتعامل مع عناصر ثانوية من الظاهرة الدينية، وكأنها حجر الزاوية التي يقوم عليها الدين؛ فهو يمزج مثلا بين الحس الديني والحاجة إلى الإله المشخص الذي يقوم مقام الأب، فهذه الحاجة نمت منذ أيام الطفولة، وتحت إحساس الطفل بالضعف وما يستتبعه من نظرة إلى الأب القوي القادر على كل شيء. وهذه الحالة الطفلية تتعدى عنده مرحلة الطفولة الفردية لتشمل طفولة الجنس البشري؛ فالمعتقدات الدينية القائمة اليوم تحمل معها طابع الأزمان الأولى التي أنتجتها عندما كانت الحضارة طفلا يحبو، وهو يرى أن العزاء الذي تجلبه لا يستحق الثقة. فالدين والحالة هذه هو مرحلة في تطور الحضارة ينبغي تجاوزها، مثلما يتجاوز الفرد أحوال الطفولة العصابية في طريقه نحو النضج. وبتعبير آخر، فإن الدين هو ظاهرة عصابية على المستوى العام تعادل الظاهرة العصابية على المستوى الخاص، إنه نوع من العصاب الاستحواذي الذي يصيب الجماعة. وفرويد لا يميز بين الدين والتشريع، فيرجع ظهور الدين إلى بدايات ظهور التشريع، خصوصا في كتابيه «موسى والتوحيد» و«الطوطم والتابو». فبعد أن قتل الأولاد أباهم، في القبيل البدئي، الذي يفترض وجوده في بداية الأزمان، واستحوذوا على نسائه، شعروا بالذنب وحرموا على أنفسهم نساء أبيهم، فكان ذلك أول تشريع سنه البشر وابتداء للدين.
9
إن معارضتنا للإرجاعية، ومجالنا لا يتسع لعرض المزيد من نظرياتها، تستند إلى خصوصية التجربة الدينية، وعدم قابليتها للإرجاع إلى ظاهرة أخرى؛ لأن في هذا الإرجاع إقرارا بأن الدين وهم إنساني ، وأن الخبرة الدينية هي جدلية ذاتية لا موضوع لها؛ فالدين ليس وهما، والمؤمن ليس واهما في إحساسه بوجود قوة أعظم منه تضم الوجود إلى وحدة متكاملة؛ لأن الخبرة الدينية قد ارتكزت عبر الأزمان على تجربة حقيقية صلبة، وعلى شرط معطى للوجود الإنساني. من هنا، فإن الأديان كلها تقف على قدم المساواة، وتتمتع بدرجة واحدة من المشروعية، حيث لا وجود لأديان حقيقية وأخرى زائفة، لأديان راقية وأخرى منحطة؛ لأنها جميعا نتاج تلك التجربة الحقيقية الصلبة، والشرط المعطى للوجود الإنساني. فما هي هذه التجربة؟ وتحت أي شرط تتم؟
لقد توصلنا في بحثنا عن المعتقد الديني في بنيته الدنيا، إلى أنه يعكس إحساسا بانقسام الوجود إلى قدسي ودنيوي، وأن القدسي يتصل بالدنيوي من خلال «حالة فعالية» هي قوته السارية التي تجمعهما إلى دارة واحدة، باطنها الألوهة وظاهرها ما لا يحصى من الظواهر الحية والجامدة. ولسوف نلتفت في الجزء الأخير من دراستنا هذه إلى البحث عن الأساس الذي يقوم عليه هذا الاعتقاد، فنجده متجذرا في خبرة حقيقية طرفاها الإنسان-الوعي من جهة، والكون-المادة من جهة أخرى. أما مضمون هذه الخبرة، فاجتماع الوعي المتأمل إلى موضوعاته الخارجية، ووحدة طرفي الحقيقة؛ الإنسان والكون.
رحلتنا القادمة شاقة ومليئة بالمفاجأة، تتطلب عناء وصبر من قرر مرافقتنا حتى الآن، إنها رحلة في الفيزياء الحديثة، في ذلك الجانب الذي يشكل الآن لبابها، والذي يدعونه بالنظرية الكوانتية، أو بميكانيكا الكم. قد يبدو أن هذا الموضوع بعيد عن مسألة الدين، ولكننا واجدون في نتائجه المدهشة الصيغة الحقيقية لعلاقة الإنسان- الوعي بالكون-المادة؛ وبالتالي لمنشأ المعتقد الديني.
إن ما يعنينا هنا من فيزياء الكم هو نتائجها المعرفية، ودورها في اكتشاف الإنسان لوضعه في هذا الكون وطبيعة علاقته به، بعد أن هزت بعمق كل ما كنا نعرفه عن أنفسنا وعن الواقع الموضوعي الذي نتعامل معه، وأدت إلى إعادة نظر فلسفية في كل أفكارنا التقليدية المتوارثة. ولكن، لكي نستطيع أن نفهم هذه النتائج المعرفية، لا بد لنا من عرض مقدماتها بطريقة سهلة تضع القارئ في قلب أكبر مغامرة عقلية في تاريخ الإنسان.
الباب السابع
الوعي والكون
كلانية الوجود في الفيزياء الحديثة ومنشأ الدافع الديني
Bog aan la aqoon