لكنه ما لبث أن أحاط بصره بذاك البيت الصغير حتى احتدم غيظا، واتقدت عيناه بشرر الغضب فنظر إلى باسي وقال: عفوا أيها الصديق، فإني لم أتعود العيش في باريس، وما أنا بواقف على شيء من أسرارها، لكن الذي أراه أن مثل هذا المنزل الحقير غير جدير بسكنى رجل عظيم كالدوق، ولا أظنه إلا منزل خليلة له أو حظية من حظاياه، فإذا كان ذلك فليعلم هذا البرنس السافل ولتعلم أنت أيضا أن البارون دي ماريدور هو أرفع من أن يقابله الدوق في منازل حظاياه، وفوق ذلك فإني أعجب منك بعد ما رأيته من نبلك كيف تقودني إلى مثل هذا المكان، ألعلك تريد أن تظهر لي أن ابنتي كانت تعيش في مثل هذه البيوت، لو لم تؤثر الموت على العار وتنتحر فرارا من هذا العيش الدني؟
فابتسم باسي ابتساما صادقا اطمأن له الشيخ، ثم قال له: لا تخش أيها البارون النبيل أمرا، فإنك مخطئ في جميع ما تراءى لك من التصورات، وإن هذه الفتاة التي سندخل إليها من أكمل النساء، وأطهر الفتيات. - ومن عسى أن تكون هذه الفتاة؟ - هي امرأة نبيل من أصحابك قد أحبها الدوق. - كيف تقول إنها امرأة نبيل من أصحابي، ثم تقول إن الدوق قد أحبها؟ - ذلك لأني تعودت أن لا أنطق إلا بالحق في كل ما أقول، فادخل معي وسيتبين لك صدق مقالي. - إذا احذر، فإني عندما كنت أبكي ابنتي كنت تمسح دموعي وتقول لي تعز فإن مراحم الله كثيرة، فكأنك تعدني بأن أرى أعجوبة من السماء بما تمهده لي من العزاء.
فقال له باسي وهو يبسم دائما: ادخل يا سيدي وسترى!
وترجل البارون ودخل مع باسي.
حتى إذا وصلا إلى صحن الدار برزت لهما جرتريدة، فانذهلت انذهالا شديدا لرؤيتهما، ووقفت واجمة لا تعلم ماذا تقول.
وأخرجها باسي من هذا الموقف وقال لها: اذهبي إلى مدام دي مونسورو، وقولي لها بأن الكونت دي باسي يريد أن يكلمها في الحال.
ثم عقب فقال لها بصوت منخفض: إياك أن تذكري لها شيئا عن البارون.
أما البارون فإنه اختلج فؤاده عندما سمع باسي يلفظ اسم مدام دي مونسورو.
فكرر هذا اللفظ بعجب شديد وهو يقول: ماذا أسمع؟
فأخذه باسي بيده ودخل به إلى قاعة الاجتماع، وفيما هما يدخلان إذ سمع البارون صوت ديانا تقول لجرتريدة: قولي للكونت دي باسي أن يدخل، فإني آتية إليه في الحال.
Bog aan la aqoon